الأربعاء، 18 مايو 2011

أحـــزاب مـــن ورق



     إذا كانت الديموقراطية الغربية، قد نشأت تاريخيا من حاجة المجتمع الي إدارة الصراع الاجتماعي علي الثروة بالطرق السلمية  بين المنتجين أصحاب رؤوس الأموال من جهة، والعمال من جهة أخري، بهدف رفع الإنتاج، وتوفير السلم الاجتماعي، والاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، وتحقيق الرفاهية...


     فان نظام الأحزاب هو الذي يمثل الضمانة الأساسية للديموقراطية في الدولة الرأسمالية الحديثة، وليس نظام الإقطاع، أو سلطة المؤسسة الدينية.. وإدارة لعبة التوازن والاختلاف في الديموقراطية، تعني أن كل قوي المجتمع تخضع لإرادة الأغلبية المعبر عنها في صناديق الاقتراع بنزاهة وشفافية.

    لكن في دولة متخلفة كالمغرب، حيث لا وجود لرأس المال المنتج، ولا لبنية ووسائل الإنتاج العصرية، ولا للعمال كقوي مؤثرة في اللعبة السياسية، يعتبر الحديث عن الأحزاب والديموقراطية من باب الترف الفكري، الذي لا يغني نقاشا ولا يجلب فائدة. وما يؤكد ما نقول، هو أن الصراع تاريخيا في المغرب، لم يكن بين الأحزاب التي تمثل المنتجين أصحاب رؤوس المال من جهة، والأحزاب التي تمثل العمال كما هو الشأن في الغرب، من جهة أخري.. بل كان الصراع ومنذ أن تحول المغرب سلطنة الي دولة وطنية بعد الاستقلال، يدور بين الأحزاب الوطنية التي شاركت في النضال من أجل الاستقلال، من جهة.. والنظام الذي استحوذ علي الحكم بشكل منفرد، وأحكم قبضته علي مؤسسات الدولة، فاحتكر السلطة، والقوة، والمال، والإنتاج.. الي أن انتصر النظام علي الأحزاب في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وأخضعها بالكامل لشروط لعبته، عبر ما اصطلح علي تسميته في حينه  بمبادرة "التداول علي السلطة".. والتي تم الانقلاب عليها من قبل الملك الشاب مباشرة بعد انتخابات سنة 2002، لأسباب لها علاقة بانخراط النظام في الحرب علي الإرهاب، التي أعقبت أحداث الحادي عشر من شتنبر 2001، والتي كان من أبرز عرابيها فؤاد الهمة والجنرال حميدو العنيكري.

     والواقع، أننا في المغرب لا نملك ثقافة سياسية ديموقراطية حقيقية، لأن اثنتا عشر قرنا من العيش تحت عباءة أنظمة تيوقراطية شمولية متخلفة، أنتجت مجتمعا معاقا ذهنيا، وفاقدا للأهلية.. مجتمع يعيش في الماضي لأنه يخاف التغيير ولا يستطيع السير نحو المستقبل.. مجتمع أمضي دهورا يتلقي علمه من ثقافة القبور (ميت عن ميت)، ويروي بطولات صلاح الدين وعدل عمر... لكنه لم يستطع إنتاج نظام سياسي خاص به، نابع من صلب بيئته الحضارية، وثقافته الإسلامية. وفشل كذلك في تطوير نظام ديموقراطي قوي علي مقاس حاجاته، لما استورد من خارج بيئته، مفاهيم حديثة من قبيل "ديموقراطية" و "أحزاب" و "برلمان" و "شعب" وغيرها... هذا الكلام لا يعني أننا ننادي بإقامة دولة دينية البتة.

     إن الأحزاب في المغرب، ليست كالأحزاب في اسبانيا أو بريطانيا مثلا.. بل هي عبارة عن أدواة تجميلية، يزين بها الحاكم المستبد واجهة نظامه الفاسد.. مقابل بعض الريع والامتيازات الخاصة التي ينعم بها عليها، لشراء صمتها، وتواطئها، وخيانتها لشرائح الأمة التي تمثلها.

     غير أن هذه اللعبة السخيفة وصلت الي مداها الأقصى مع نتائج انتخابات 2007، التي بينت أن الخديعة قد انكشفت، وأن مهزلة الانتخابات، والديموقراطية، بل واللعبة السياسية برمتها، لم تعد تقنع أحدا.. ولم يعد المغاربة يثقون لا بالنظام، ولا بالأحزاب السياسية التي لم تعد تمثل إلا نفسها، فتحولت الي نوادي سياسية مغلقة، تقتات من موائد الأمير، وتصارع من أجل البقاء متشبثة بأهداب عباءة السلطان.

     إننا لن نبالغ إذا قلنا أن الأحزاب السياسية المغربية باختلاف توجهاتها، قد هرمت وأصاب الوهن عظامها، وتحولت الي خيام بالية لا قواعد ولا رواد لها، وأصبح زعمائها يتمسكون بالرئاسة الي الأبد، علي غرار الزعماء العرب، فغابت الديموقراطية داخلها، وانعدمت الرؤية السياسية في توجهاتها، وتكلست الروح النضالية المحركة لجسمها.. ففقدت الشرعية الشعبية والمشروعية السياسية معا. وهذا هو ما يفسر انحيازها السافر الي النظام، وانخراطها الكامل في مشروعه، ومنافسة بعضها البعض في خطب ود وعطف الأمير، فتحولت الي أحزاب ملكية بامتياز، لمعرفتها بأن الملك لن يعين الوزير الأول وحكومته العتيدة من الفيسبوك، وإنما من إفرازات صناديق الاقتراع التي تطبخ نتائجها مسبقا، وفق معايير دقيقة، منها التقطيع الانتخابي، وتوزيع الدوائر، ونفط الاقتراع باللائحة، وغيرها...

     مناسبة هذا الكلام، هو ما يلاحظه المغاربة اليوم من مواقف ملتبسة، عبرت عنها الأحزاب السياسية المغربية، في أعقاب الزلزال الذي أحدثه شباب 20 فبراير من أجل التغيير.  فمن جراء ما وقع ويقع، أصيبت الأحزاب بالرعب الشديد، والقلق علي المستقبل والمصير، خوفا من أن يصيب الكساد دكاكينها السياسية، فتعلن الإفلاس وتغلق الأبواب الي الأبد.      

    وبسبب انتفاضة حركة 20 فبراير المباركة، أصبح الجميع في المغرب وخارجه، يدرك حجم الفراغ الذي حدث في الساحة السياسية الداخلية. ومثل الطبيعة التي لا تقبل الفراغ، فان النظام بدوره لا يستطيع أن يستمر من دون ملأ هذا الفراغ. وهنا تكمن دقة اللعبة وخطورة المرحلة. فالنظام لن يستسلم بسهولة، بل سيحاول بكل السبل والوسائل استيعاب الوضع، والتحكم بمجريات الأمور، لتحويلها في النهاية لصالحه، حتي لو اقتضي الأمر التضحية بالوجوه القديمة، والدكاكين السياسية الهرمة المفلسة، وبعض الممارسات البروتوكولية العتيقة.. لأنه يخوض صراعا قويا من أجل البقاء.. لكن مشكلته هذه المرة، أنه يواجه خصما جديدا غير مسبوق، بوجه غير معروف، ورأس غير مكشوف.. خصم كالشبح لا اسم له ولا عنوان.. كل ما يعرف عنه، أنه مارد جبار خرج من القمقم يوم 20 فبراير، فأحدث الزلزال في بركة السياسة الهادئة، الي درجة أنه جعل النظام يفقد بوصلته، وتوازنه، ويعيد كل حساباته القديمة.

     أمام هول القارعة، حاول النظام في البداية استباق الكارثة، فقدم للشعب رشوة غير مجدية، عبارة عن خطاب يعد ببعض الإصلاحات الصورية، بهدف إشغال الساحة السياسية بنقاش عقيم لا يحفز أحدا، ولا يغير من الواقع شيئا. كما أن الأحزاب حاولت من جهتها، أخد المبادرة والظهور بوجه ديموقراطي جديد، ففتحت أبواب دكاكينها للشباب، وحثتهم علي الانخراط للنضال في صفوفها، كنوع من الإغراء الرخيص.. لكنها عندما فشلت في استقطاب الشباب، اعتمدت أسلوب الهجوم الخبيث، من خلال التشكيك في خلفيات وأهداف حركة 20 فبراير والجهات التي تقف من ورائها.. إلا أن استراتيجيها البئيسة هذه، لم تجد نفعا، ولم تزعزع ثقة الأمة في شبابها الطاهر العملاق.. لأن الشعار المرفوع كان كافيا لإسكات الأبواق المنتقدة، وإسقاط كل التهم والافتراءات من أساسها.. قال الشباب بصوت واحد: "حركتنا ليست ذات خلفية دينية، ولا إيديولوجية، ولا سياسية معينة... نحن نناضل من أجل قضية أكبر من الدين والوطن، وأقدس من النظام والسياسة.. قضيتنا اسمها: (الانسان)، الانسان الذي لا يمكن أن يكون إنسانا من دون حرية، وكرامة، وعدالة... فهل تفهمون يا سادتي الكرام ما معني الانسان؟؟؟".

     لقد أدرك النظام حجم وعمق هذا الشعار، وفهم أن لا سلاح يمكنه أن يسقط قضية "الانسان"، إلا الانسان نفسه.. فبدأت بعض الأصوات داخل حركة الشباب تطالب بإنشاء حزب سياسي، وأخري تفاوض النظام بضغط من المخابرات، وأخري تتحدث بلسان الشباب في الإعلام من دون تفويض.. لكنها أصوات شاذة تغرد من خارج السرب، ومصيرها السقوط، لأن الحركة أقوي من أن يخترقها النظام من الداخل، وأوعي من أن يركبها تيار ديني أو سياسي معين، وأمتن من أن يؤثر في زخمها بعض الانتهازيين من ضعفاء النفوس.

     وبالمناسبة، ومن باب التذكير ليس إلا، ندعو الشباب الي عدم السعي وراء السراب، وعدم استباق الأحداث والقفز علي المراحل.. لأن الهدف اليوم ليس هو قطف الثمار قبل أن تنضج.. بل الهدف هو إحداث تغيير حقيقي في الواقع المغربي بكل مكوناته، لإخراج البلاد من العقم السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تعيش فيه.. ليس من أجلنا فقط، بل من أجل كل المظلومين، والمقهورين، والمحرومين.. من أجل صرخة المعذبين في السجون.. من أجل الفقراء والمعطلين.. من أجل المغتربين في وطنهم، والغرباء في أوطان غيرهم.. من أجل مستقبل عيالنا.. ومن أجل أشياء أخري جميلة، نحس بها ولا نجد الكلمات المناسبة للتعبير عنها غير شعار: "من أجل غد أفضل للجميع".  

     إن أية مشاركة اليوم في لعبة الزور والخداع مقابل ما قد يقدمه النظام من مغريات، تعد غدرا وخيانة مرفوعة الرأس.. لا نريد هزيمة واستسلاما، بل نريد صمودا وثباتا وعزما وإصرارا، لنحقق نصرا عزيزا مؤزرا.. والنصر لن يتأتي من دون وحدة واتحاد، ضد كل ما من شأنه أن يضعفنا ويفرقنا ويذهب بريحنا.. وإذا كان الله تعالي قد أنعم علينا وجمعنا علي قلب رجل واحد، فلأننا قبلنا التحدي، وغيرنا ما بأنفسنا، فغير الله ما بنا من خوف، وشعور بالعجز، وإحساس بالمهانة، وتحولنا الي أحسن أمة أخرجت للناس.. ومن سنن الله أن التاريخ لا يرحم الضعفاء، لأن "العبد المؤمن القوي خير عند الله من العبد الضعيف"، كما يقول الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه.. وعندما يتحقق الهدف، ويحدث التغيير المنشود، سيكون هناك الوقت الكافي لكل شيء، وستصبح الأمور في متناول اليد دون منة من أحد... والي ذلك الحين الذي يرونه بعيدا ونراه قريبا، لنبتعد عن المطالب التافهة، والأهداف الضيقة، والمغريات الزائفة، ونركز فقط علي قضية الانسان التي تجمعنا ولا يوجد حولها خلاف بيننا... يقول تعالي : (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) النساء: 1.

     وعودة الي العنوان، فان ما يثير الشفقة من موقف الأحزاب اليوم، حتي لا نقول الاشمئزاز، هو ما تقدمت به هذه الكيانات الانتهازية من مقترحات لتعديل الدستور، الي لجنة السلطان التي يرأسها السيد عبد اللطيف المنوني، المستشار السابق للصدر الأعظم إدريس البصري وزير الداخلية الراحل، والتي تمحورت حول مجموعة قضايا، نكتفي هنا بالتعليق علي ما له علاقة بطبيعة النظام، واختصاصات "الملك" الذي هو "أمير للمؤمنين" في نفس الوقت، باعتبارها من القضايا التي تشكل الجوهر الذي يقوم عليه الدستور، والتي يسعي النظام من خلال إعادة استنساخها في الدستور الجديد الي تثبيت شرعيته، وتكريس سلطاته المطلقة، ضدا في إرادة التغيير العميق الذي يطالب الشباب بإحداثه، للقطع مع الماضي المظلم البئيس، وبناء مستقبل أفضل للجميع، قوامه الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية. وهي الثلاثية التي يجب أن تتحول الي شعار مغرب الغد.

-        فماذا اقترحت الأحزاب؟

     من حيث نظام الحكم:

     هناك شبه إجماع بين الأحزاب حول تثبيت مفهوم "الملكية الدستورية" كما هو الحال بالنسبة للدستور الحالي، باستثناء حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، وحزب التقدم والاشتراكية اللذان اقترحا "ملكية برلمانية"، يكون فيها توزيع السلط واضح، مع إصرار الحزب الأخير علي أن تحتفظ المؤسسة الملكية بدورها المتمثل في إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة معا، باعتبارها ضامنة لاستقلال البلاد، والوحدة الترابية، وحريات المواطنين، وأن تقوم بدور الحكم بين المؤسسات، وتسهر علي التوجهات الكبري للبلاد. أما حزب العدالة والتنمية الذي ينطلق من خلفية اسلاموية انتهازية، فيري علي لسان رئيسه المثير للجدل: "أن الملكية إما أن تكون مطلقة وإما دستورية"، وكأن الملكية المغربية الدستورية الحالية ليست ملكية مطلقة. وفي إصراره علي اللعب بالمفاهيم والزني بالألفاظ يقول: " إن (الملكية البرلمانية) مجرد مصطلح غير محدد، لأنه إذا كانت الملكية البرلمانية تعني أن الملك يسود ولا يحكم، فهي غير مقبولة بالنسبة إلينا" وفق تعبيره. ويضيف موضحا وجهة نظر حزبه: "وإذا كانت صلاحيات الملك مبينة في الدستور، فهذه هي الملكية الديموقراطية بالنسبة لنا". وكأن مهام الملك لم تكن مبينة بما يكفي في الدستور الحالي. وفي ما يتعلق بالحزب العمالي، فموقفه من النظام يكتسي بعض الغموض، ويفضل هذا الحزب الذي يبدو أنه يلعب علي الحبلين بين النظام والشعب، أن يتحدث عن شعار فضفاض مفاده: "أن الذي يحكم يجب أن يحاسب". لكنه، لا يقول لنا بالمقابل، كيف يمكن محاسبة الملك باعتباره أميرا للمؤمنين يسود ويحكم في نفس الوقت، ولا من له القدرة علي ذلك؟

     أما بقية الأحزاب، فجبهة القوي الديموقراطية مثلا، أضافت بعض "العكار" علي "الخنونة" بقولها: "نريد ملكية دستورية اجتماعية علي أساس الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية"، وهو كلام من خشب لا يعني شيئا، بالرغم من أنه حاول سرقة شعار حركة 20 فبراير من باب المزايدة السياسوية. أما الاتحاد الدستوري، فقال أنه مع: "ملكية ديموقراطية، اجتماعية، حداثية، يكون فيها توازن السلط"، لكنه لم يشرح لنا كيف يمكن أن تكون الملكية ديموقراطية وحداثية، من دون أن تتخلي عن المهام التي تخولها لها إمارة المؤمنين؟. وبالنسبة للملكية البرلمانية، فمن وجهة نظر هذا الحزب الفلسفية، يتعلق الأمر بمفاهيم نظرية. وهنا تجدر الإشارة، الي أن تكرار عبارة "مفاهيم نظرية" لم تأتي من باب الصدفة في سياق الكلام، بل تكررت علي لسان أكثر من حزب، مما يؤكد أن هناك إشارة قوية من منظري النظام الي الأحزاب، لتلافي الحديث عن مفهوم "الملكية البرلمانية" التي تفقد الملك سلطاته المطلقة، والتأكيد بدل ذلك علي عبارة "مفاهيم نظرية".. بمعني، أن الملكية البرلمانية نظام غير قابل للتطبيق في المغرب، نظرا للخصوصيات المحلية التي يحتج بها سدنة النظام في "حكومة الظل" القابعة في سراديب قصر الملك، مما يجعل أي كلام عن ديموقراطية حقيقة ضرب من عبث القول. ويؤكد استنتاجنا هذا، ما يروجه حزب الاستقلال الذي تنكر لخلفيته النضالية التاريخية التي يستمد منها شرعيته المزعومة، وأدار ظهره لشعار "العدالة الاجتماعية" الذي حاول من خلاله التغطية علي مقولته العنصرية التي أطلقها بعد الاستقلال: "المغرب لنا لا لغيرنا"، واستحضر إيديولوجيته الدينية التي رسمها له الزعيم علال الفاسي، حيث قال بصريح العبارة: "أن المغرب له خصوصياته، لأنه ليس لدينا فصل بين الدين والسياسة. وبالتالي، لا يمكن أن يكون النظام ملكي برلماني مقارنة مع الملكيات في أوروبا. وإمارة المؤمنين بالنسبة للملك هي من الأمور التي لا يمكن تجاوزها". وعلي هذا الأساس، فحزب الاستقلال مثل غيره، يلتزم بالتعليمات السامية ويؤكد علي أن النظام الأمثل للمغرب، هو ملكية دستورية تجمع بين الدين والدولة، أو بكلام فاسد لا يعني شيئا: "ملكية برلمانية علي الطريقة المغربية" كما قال الناطق باسمه. وهذا أكبر دليل علي أن الأحزاب المغربية، لا تتمتع بالاستقلالية، ولا تحترم مبدأ التداول الديموقراطي داخل دكاكينها السياسية.. وباعتبارها كيانات مدجنة وأدوات طيعة، تلتزم بالتعليمات الملكية التي تحدد لها سقوف مقترحاتها، أملا في نيل الرضي والنصيب في الانتخابات المقبلة. وهذه قمة كارثة الديموقراطية المغربية بكل المقاييس. أما حزب الأصالة والعاصرة، أو حزب "الملك" حتي نكون أكثر دقة وموضوعية، لما يحيل عليه اسم هذا الحزب اللقيط من معاني عميقة تعبر عن حقيقة طبيعة النظام ووظيفته، فينصح كغيره بعدم الخوض في "التوصيفات المفاهيمية النظرية"، ويضيف: "أنه مع ملك يسود ويحكم وفق الاختصاصات المخولة له في الدستور". أو بالعربي الفصيح: "أن حليمة لا يمكن أن تقطع مع عاداتها القديمة". ونحن نفهم مثل هذا الكلام، لأن هذا الحزب علي الأقل يتكلم بلسان سيده وصانعه وولي نعمته، بخلاف الأحزاب الأخرى التي تدعي أنها تعبر عن الشعب الذي تمثله، في حين أنها باعت ضميرها، وتنكرت لتاريخها، وخانت قواعدها برأس مرفوع، ففقدت شرعية وجودها ومشروعية استمرارها.





     من حيث اختصاصات الملك:

         يقول الاتحاد الدستوري في هذا الصدد: "أن اختصاصات الملك نوعان: إمارة المؤمنين، ونحن احتفظنا له بذلك.  ورئيس الدولة، حيث احتفظنا له بنفس مضمون الفصل 19، مع إضافة أمرين اثنين: 1 – ضمان الوحدة الترابية والوحدة الوطنية. 2 – ضمان الخيار الديموقراطي". وطبعا مثل هذا الكلام يعني ببساطة، أن الفصل 19 من الدستور يجب أن يبقي علي ما هو عليه دون تغيير. أما الحزب العمالي، فيتحفنا بمقدمة تاريخية مغلوطة، مفادها: "أن الملكية راسخة في المجتمع المغربي منذ 12 قرنا، بل وحتى قبل الفتوحات الإسلامية كانت هناك ممالك أمازيغية"، لكنه في ظل حماسة هذا الاكتشاف الذي لا يفرق بين المملكة والسلطنة، بين الدولة والقبيلة، فاته أن يذكرنا بممالك قبائل اليهود المغربية كذلك. والجديد في أطروحة هذا الحزب من خلال تأكيده علي أن "الملكية راسخة في المغرب"، هو أنه يرفع شأن الملكية الي مستوي الاعتقاد الديني. بمعني، أن الذي لا يؤمن بالملكية، يكون في حكم الخارج عن الجماعة المثير للفتنة. ويضيف في نفس السياق: "الملك هو أمير المؤمنين وضامن الوحدة الترابية وحامي الأفراد والجماعات". ولإعطاء نكهة جديدة لطبخة التعديلات، من باب "خالف تعرف"، يقترح: "أن يمارس الملك مهامه الدينية بظهائر، ويمارس مهامه الدستورية بمراسيم". وكأن شكلية الوثائق من شأنها أن تحدث فرقا هاما في واقع البلاد ومصير العباد. أما الاتحاد الاشتراكي، صاحب الايدولوجيا اليسارية المتطرفة، والتاريخ العريق في الصدام مع النظام، فيقول في استراحة المحارب الذي تخلي عن نضاله وسلاحه معا: "الملكية هي أساس استقرار البلاد وضامنة لوحدة واستمرارية الأمة ومؤسساتها" ثم يضيف: "ونميز بين مهام إمارة المؤمنين التي تخول له تدبير الشأن الديني والمحلي، واختصاصاته كملك وفق ما حددها الدستور، والتي يمارسها بمراسيم".          وبذلك، يكون قد اختلط علينا البقر، فلم نعد نستطيع التمييز بين يساري ويميني، بين إسلامي وعلماني، بين ليبرالي ووسطي، وأصبح الكل تحت عباءة السلطان سواء. أما بالنسبة لجبهة القوي الديموقراطية، فلم يطرأ جديد في ملك الله بالنسبة لها، حيث أكدت: "احتفاظها بإمارة المؤمنين وما يترتب عليها من مسؤوليات" وفق قولها، وربطت: "اختصاصات الملك بما يخول له الدستور من صلاحيات" مطلقة. أما حزب الاستقلال، فيري: "أن إمارة المؤمنين تعد من الثوابت الأساسية للأمة". ويؤكد حزب الأصالة والمعاصرة: "أن إمارة المؤمنين توجد في صلب ورش الحزب، والمؤسسة الملكية لها دور محوري وأساسي في ضمان تماسك الأمة وانسجامها، خاصة في المجال الديني". كما يري أن: "الملك هو أمير المؤمنين، وهو الراعي للأمن الروحي للمغاربة، والضامن لممارسة الشعائر الدينية بكل احترام". أما حزب العدالة والتنمية الاسلاموي، فيقول: "أن لا مشكل لديه مع الفصل 19 من حيث منطوقه، ولكن التأويل ذهب في اتجاه آخر". لذلك، يري هذا الحزب علي لسان رئيسه: "أن جلالة الملك هو الممثل الأسمى للدولة، وأمير المؤمنين من الثوابت الأساسية للأمة". فلا تغيير ولا هم يحزنون...

        وبناء علي ما فات، يمكن القول أن الأحزاب المذكورة أعلاه، لا تري ضرورة لإلغاء الفصل 19 من الدستور، بالرغم مما أثاره من جدل لدي أوساط واسعة من المجتمع المغربي، حيث اعتبر بمثابة عقدة المنشار التي تقف حائلا في سبيل إقامة دولة المؤسسات والحق والقانون، وفق المبادئ الديموقراطية المتعارف عليها كونيا. لكن هناك استثناء فريد، يمثل نقطة الضوء الوحيدة في نفق هذه التجربة المظلمة، عبر عنه حزب الطليعة الديموقراطي الاشتراكي، الذي ذهب حد المطالبة ب: "إلغاء الفصل 19، لأنه يعتبر دستورا داخل الدستور، ويعطي للملك اختصاصات واسعة لا حدود لها، نظرا للعبارات الفضفاضة التي يستند إليها، بالإضافة للاختصاصات التي للملك في مختلف أبواب الدستور". وهو اقتراح يتساوق مع جوهر التغيير الحقيقي المطلوب، لكنه يبقي بدون جدوى، لأن مجرد مشاركة هذا الحزب في تقديم اقتراحاته الي لجنة المنوني المفبركة، يعتبر قبولا بلعبة التزوير التي يطبخها النظام، وتموقعا للحزب خارج الإرادة الوطنية المطالبة بالتغيير الحقيقي الذي عبر عنه شباب 20 فبراير، خاصة لجهة مقاطعة لجنة المنوني. 

       اكتفينا هنا بعرض وجهة نظر الأحزاب الرئيسية الثمانية من أصل 30 حزبا و5 نقابات استدعيت جميعها للمشاركة في الاستشارات المصطنعة، لقناعتنا بأن بقية الأحزاب هي عبارة عن دمي من ورق، لا تمثل فارقا مذكورا في الحياة السياسية المغربية، باستثناء حزبين شريفين ومناضلين، هما: "الاشتراكي الموحد" و "النهج الديمقراطي" اللذان أبانا عن حس وطني عال، والتزام أخلاقي في مستوي اللحظة التاريخية، فقاطعا منذ البداية الاجتماع الذي دعي إليه المستشار الملكي السيد محمد المعتصم، للاتفاق حول منهجية العمل و تلقي التعليمات السامية في ما له علاقة بالثوابت والمتغيرات في مشروع التعديل المقترح. وبذلك، خرج هذين الحزبين النزيهين مبكرا من لعبة الزور والفساد السياسي التي وضع قواعدها النظام بإحكام، للالتفاف مرة أخري علي إرادة الأمة المتمثلة في مطالبة الشباب بعقد اجتماعي جديد، تضعه هيأة تأسيسية منتخبة تضم شرفاء هذه البلاد.  

        إن التغيير الحقيقي في المغرب لن يأتي إلا عبر تحويل نظام "الملكية التنفيذية" الحالي، الي نظام "الملكية البرلمانية" التي تسود ولا تحكم ،وبالتالي لا تحاسب. هذا هو مطلب الشباب. أما الأحزاب التي لم تلتزم بهذا الخيار، فقد ارتكبت في حق الشعب جريمة الخيانة العظمي برأس مرفوع، وعرضت البلاد والعباد لخطر شديد، تتحمل مسؤوليته مع النظام أمام الله والتاريخ.



ليست هناك تعليقات: