الاثنين، 19 سبتمبر 2011

أثريـاء محمـد السـادس ” حقائــق وأرقــام مهولــة "

تقديم: تتناول هذه الدراسة بالتفصيل والتحليل مجال المال والأعمال (كنز علي بابا) في المغرب، وطريقة تحكم المخزن الفاسد في مجال السياسة عن طريق الاقتصاد، وكيف تصنع النخب الرئسمالية الفاحشة الثراء، وطرق توزيع الريع والامتيازات على المقربين والمحظوضين والمعارضين الشرشين للنظام، بالإضافة إلى معطيات مهولة وأرقام صادمة عن فضاءات الأعمال الملكية، وثروة "ملك الأغنياء" والحاشية المحيطة به... وغيرها من المعلومات القيمة والدقيقة التي أعدها الصحفي المقتدر الأستاذ ادريس ولد القابلة في شكل ملف نشر بمجلة الشعب...

وبالمناسبة، ندعو شباب حركة 20 فبراير المباركة في المهجر والداخل إلى قراءة هذه الدراسة بتمعن وتدبر، واستخلاص النتائج المفيدة حول طبيعة هذا النظام الفاسد الغير قابل للإصلاح، لأنها تدخل في صلب معركة التغيير التي تخوضها الحركة اليوم، ولأن شعار "محاكمة الفاسدين والمفسدين" الذي ترفعه الحركة بمناسبة خرجاتها الاحتجاجية المكرورة، شعار لا يقول شيئا بالمطلق.. ذلك أن محاكمة الفاسدين وفق الخلاصة النهائية المستفاذة من هذه الدراسة القيمة تعني بشكل لا لبس فيه، أن مطلب "إسقاط الفساد"  يستحيل أن يتحقق على أرض الواقع من دون "محاكمة النظام" الذي يقوم على  الفساد ويشجعه ويحميه عن طريق الإستبداد.

 وبالتالي، لا إمكانية ل "إسقاط الإستبداد" من دون "إسقلط النظام".. هذه هي المعادلة الصحيحة والوحيدة الكفيلة بإخراج المغرب مما هو فيه...



" صحاب الفلوس في المغرب "


هاجس إرضاء المخزن طريق الثراء
ثمة العديد من الأمثلة تؤكد أن مصدر الإثراء ما زال مُمركزا في يد الدولة، سواء تعلق الأمر بالامتيازات الريعية المُخولة للاستفادة الاقتصادية، أو المناصب السياسية المُؤدية إلى ذات الربح، وخير نموذج لما نقوله يتمثل في بعض نماذج الأشخاص الأكثر قربا من الملك محمد السادس، ويخطر على بالنا للوهلة الأولى الكاتب الخاص لهذا الأخير السيد محمد منير الماجيدي الذي استفاد من امتيازات عديدة، بدأت ببضع حصص في سوق الإشهار العمومي، لتصل إلى احتكار للقطاع برمته، ناهيك عن امتيازات أخرى عديدة، آخرها ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد، الاستفادة من أرض عمومية بمنطقة تارودانت بثمن يقل عن سعرها الحقيقي في السوق، وبذلك تحول “ولد” حي التقدم الشعبي بالرباط من ابن موظف صغير، إلى واحد من أثرى أثرياء المغرب، لا لشيء إلا لقربه من دائرة ضوء السلطة المركزية، كما نجد أيضا نموذجا آخر يتمثل في صديق الملك فؤاد عالي الهمة، الذي يُضرب تكتم شديد حول حجم ثروته، بيد أن مصادر قريبة منه، تؤكد أنه يرفل في امتيازات كثيرة، أقلها التوفر على " حُظوة " تمويلات سخية من فاعلين اقتصاديين كبار، ينخرهم هاجس إرضاء المخزن وأصدقائه، وليس خافيا أن السيد فؤاد الهمة، لم يكن لينال هذه الامتيازات، لولا قُربه من محمد السادس، ثمة بكل تأكيد العديد من نماذج الإثراء المخزني الكبيرة أو الصغيرة، حسب درجة الاقتراب من مُربع الحكم، ولن نتمكن من حصرها جميعا حتى لو أفردنا لها صفحات غير محدودة.

صرح مرة أحد رجال بلاط محمد السادس لكاتب هذه السطور بما يلي “ إن أصغر موظف بالديوان الملكي يتوفر على منزلين على الأقل وبكل تأكيد فإنه لم يحصل عليهما من عرق جبينه، بل لامتياز وجوده بدار المخزن" قبل أن يُردف: “ أنا شخصيا طالما استفدتُ من قربي من ملك البلاد حيث إن ما نُسميه نحن المغاربة بـ (الكلمة) يكون وزنها حسب درجة القرب أو البعد من الملك خلال المناسبات الرسمية".
 
صحيح أن المعني كان ضمن حاشية الملك الحسن الثاني، غير أن بعض المعطيات الحالية المُتوفرة تؤكد أن الأمر لم يتغير كثيرا، ولا أدل على ذلك مما نُشر مؤخرا على أعمدة بعض الصحف، حول تلاعب بعض الحراس الشخصيين للملك بالرسائل التي يُوجهها مواطنون لهذا الأخير، بُغية التوصل بامتيازات مُعينة، حيث يعمدون إلى تحويل اتجاهاتها وجهات أخرى، قد تكون لقاء عمولات معينة، أو ببساطة ليستفيد منها أقرباء الحراس المذكورين.


كنز علي بابا
إذن ما زال مفتاح " كنز علي بابا " بيد المخزن، ويمنح في مستويات عليا، الكثير من الدلائل التي تُفيد أن الأمس لا يختلف عن اليوم، ولعل أقربها لتوضيح ما نحن بصدده، ما حدث بين أكبر سلطة سياسية واقتصادية في البلاد وأحد كبار المستثمرين المغاربة، ونعني به رئيس فيدرالية المقاولات السابق، حسن الشامي، الذي حاول الخروج من تحت عباءة المخزن الاقتصادي، معتقدا أن الأوان قد حان، لإسماع الدولة رأي رجل المال والأعمال في الشأن السياسي، فكان أن قال في إحدى الجرائد السيارة ما معناه: " إن محيط الملك يُكبل قرارات الوزير الأول "، فكان أن أتاه الجواب سريعا، أرسل له المخزن الاقتصادي " المُحتسب " ليرفع في وجهه سيفا حادا يُسمى " التقويم الضريبي " فعاد الرجل القهقرى، وابتلع لسانه ربما إلى الأبد، فالمخزن كما يقول المغاربة فيما بينهم " ما معاه ملاغة ".

 
الاقتصاد المغربي بعيون أجنبية : تحديات خطيرة
حينما طُلب من الديبلوماسي الفرنسي السابق بالمغرب " دونيس بوشار " في أحد أيام سنة 2006 أن يُعدد التحديات التي تواجه المغرب على المستويين الاقتصادي والاجتماعي قال ما يلي: " إن على المغرب أن يُواجه تحديات كبيرة، أكثر أهمية من تلك التي تُواجهها باقي البلدان العربية، ومن بين تلك التحديات:

·       الفقر: ذلك لأن الدخل الفردي لكل شخص لا يتجاوز 1400 دولار، أي أقل 15 مرة من دخل الفرد في بلد أوروبي مجاور هو إسبانيا، إن هذا المتوسط يُخفي فارقا كبيرا بين أقلية غنية جدا وشريحة واسعة من الساكنة تعيش في العالم القروي والأحياء الشعبية على هوامش المدن الكبيرة: هناك نسبة أربعين بالمائة من الساكنة المغربية التي تعيش بأقل من دولارين في اليوم.

·       جسامة عدد الأميين: فهي تصل في المتوسط في أوساط الراشدين، ممن تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة إلى نسبة 51 بالمائة.

·       نمو اقتصادي مرتهن بشكل كبير للفلاحة: وهي ما زالت في وضع مكننة ضعيف، ورهينة بنسبة التساقطات المطرية، علما أن هذه الأخيرة غير مُنتظمة، كما أنها تميل للتناقص.

·       ساكنة كبيرة أميل للتزايد: بالرغم من أن معدل المواليد يعرف تراجعا، ذلك أن المتوسط ما يزال هو 2.4 لكل امرأة.

·       ارتفاع نسبة البطالة: فنسبة عشرة بالمائة فقط من 500000 شاب يصلون لسوق الشغل سنويا يجدون فرصة عمل.

·       قوة الضغط على الهجرة:  هكذا فإن هناك حاليا ثلاثة ملايين مغربي مقيمين بالخارج (الرقم الحالي يناهز 5 ملايين)، يُرسلون كل سنة 2.5 مليار دولار لبلادهم (الرقم يفوق 3 مليار حاليا).

·       الرشوة: فحسب الممثلين المحليين لمنظمة ترانسبارانسي الدولية فإن هذه الآفة تظل متجذرة جدا في المجتمع المغربي، حيث يحتل المغرب المرتبة 77 من بين 145 دولة”.

إنها إذن رؤية أجنبية لأهم مشاكل المغرب الاقتصادية والاجتماعية، وكما جاء في ملاحظات الدبلوماسي الفرنسي السابق بالمغرب، توجد أقلية من الناس تستفيد من عائدات اقتصادية مهمة، ونسبتها – أي الأقلية لا تتجاوز حسب بعض التقديرات نسبة 10 بالمائة، تستفيد حسب بعض الإحصائيات غير الرسمية، من نسبة تتجاوز الثماني بالمائة من العائدات الاقتصادية للبلاد.

وكما جاء ذلك في بعض التحليلات الاقتصادية، فإن ما يُمكن أن يُطلق عليهم تجاوزا اسم " البرجوازية المغربية "، يستفيدون من قطاعات إنتاجية لا تتطلب الكثير من الجهد الاستثماري أو الرساميل المُغامِرة، الأكثر من ذلك أن " امتياز استغلالها " مُنِح في الغالب ضمن إطار اقتصاد ريعي تحكمت فيه الاعتبارات السياسية وليس الاقتصادية.

وإذا ما طرحنا السؤال الأساسي: كيف تُصنع الثروة في المغرب؟ فسنجد أن أهم مصادرها توجد في قطاعات أولية وخدماتية، مثل الفلاحة والتعدين والنقل والوظائف الحكومية السامية… إلخ، وهذه قطاعات تقع، كما هو واضح في نطاق سيطرة الدولة، وبالتالي يُمكننا أن نفهم نمط الاقتصاد الريعي الذي أرساه الملك الحسن الثاني طوال العقود التي تلت الاستقلال، حيث جعل الامتيازات الاقتصادية مشروطة بمدى القرب أو البعد عن مركز السلطة.


"المغرب الاقتصادي" في عيون رجل أعمال أمريكي
يرى أحد رجال الأعمال الأمريكيين، أن " المغرب الاقتصادي "، في عهد الملك محمد السادس، يتطلع إلى المستقبل وعيونه على الضفة الشمالية.
 
يحرك " المغرب الاقتصادي " بضعة آلاف من الأشخاص تقودهم حفنة من الرجال والنساء يأملون في جر البلد نحو الحداثة، إنهم التقنوقراط وأرباب الشركات وأغلبهم مقربون من الملك، وتخرجوا من مدارس فرنسية وأمريكية كبرى، مهمتهم قيادة المغرب نحو القرن الحادي والعشرين بشفافية.
مجموعة من هؤلاء يرأسون أكبر الشركات حاليا، بعضهم ولد في أوروبا، وفي نظر رجل الأعمال الأمريكيين هذا، لازال المغرب تتخلله آليات " شبه إقطاعية " ويعتاش على إرادات المملكة التي عاشت على امتداد عدة عقود على نظام الامتيازات، بعضها غير قانوني وغير شرعي، إلا أنه في عهد محمد السادس، بدأ " النظام الاقتصادي " الموروث عن الراحل الحسن الثاني يتفكك ويتمزق ببطء، وتراجع المغرب من المرتبة السابعة والثلاثين إلى المرتبة السابعة والسبعين في التصنيف العالمي للدول الأكثر فسادا في قائمة الشفافية الدولية.


" الحركة " الاقتصادية للمخزن
يذهب محللون اقتصاديون مغاربة وأجانب، إلى القول بأن الاقتصاد المحمي الذي اعتمده الحسن الثاني، مستفيدا من مناخ دولي مناسب، طوال أغلب فترات حُكمه، انتهى إلى إفراز تناقضاته الخطيرة، إلى درجة دفعت الملك إلى الحديث عن " السكتة القلبية " عقب توصله في بحر سنة 1995 بتقرير البنك الدولي الذي دق جرس الإنذار بصدد العديد من الأساسيات التي يقوم عليها الاقتصاد المغربي، فكان أن تم اللجوء إلى ما سُمي ب " برنامج الخوصصة " الذي جعل توصيات التقويم الهيكلي، المُملاة على المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي، ليس فقط إجراءات تقشفية فيما يخص الإنفاق العمومي، على قطاعات اجتماعية ووظيفية، بل برنامجا دوليا لإنقاذ الاقتصاد المغربي من وضع الموت السريري الذي كان فيه، وكان أن تم اللجوء إلى عدة تدابير " صارمة " منها " حَرْكَة " المخزن الاقتصادية التي سميت بحملة التطهير، حيث تمت الإطاحة بعدد من رؤوس الثراء الذين كانوا قد أصبحوا يُضايقون النفوذ الاقتصادي للمخزن، وفي نفس الوقت الضرب بيد من حديد على بضعة مستثمرين نشيطين كان من شأن تركهم يترعرعون ضمن التوجه الليبرالي للدولة ، إلى تشكيل جماعة ضغط (لوبي) سيحد من سيطرة المخزن الاقتصادي على شرايين الإنتاج.
 
وبطبيعة الحال فقد كان هاجس الحسن الثاني، ويده التنفيذية الضاربة، يتمثل في الأمن الذي يجب أن يرفل فيه النظام الملكي، وتبعا لذلك كان على المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية …إلخ، أن تظل تحت السيطرة و       " الضبط "، وهو التوجه الذي تبينت محدوديته، إن لم نقل خطره على نظام الأمن ذاته، وهو ما فهمه الحسن الثاني، ليس على المستوى الاقتصادي (حيث سعى إلى وضع بعض الحد لهيمنة المؤسسة الملكية على الشأن الاقتصادي بما يُحدث انفراجة في سوق الاقتصاد والمال وذلك حينما عمد مثلا إلى تخفيض نسبة أسهم مجموعة أونا المملوكة له من نسبة 18 بالمائة إلى 11 بالمائة)، بل في المجال السياسي أيضا حيث عمد إلى " الترتيب " لصفقة التناوب السياسي مع عبد الرحمان اليوسفي، وذلك استشعارا منه احتقان الوضعين الاقتصادي والاجتماعي على انتقال وشيك لمقاليد السلطة الملكية منه لابنه.


ملك الفقراء و.. الأغنياء أيضا
أجاب محمد السادس شهورا قليلة عقب توليه الحكم، على سؤال أحد الصحافيين الأجانب، حول رأيه في اللقب الذي أُلصق به أي " ملك الفقراء " بالقول ما معناه:    " لستُ ملكا للفقراء فقط بل للأغنياء أيضا ".. وفي ذلك الجواب كان الكثير من الدقة والحذر، إذ أن أمور البلاد الأساسية لا يُسيرها الفقراء وإنما الأغنياء الذين يصنعون بأموالهم ونفوذهم، الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالبلاد، ومن تم فإن كسب ولاء و " رضى " هؤلاء لا يقل أهمية إن لم نقل انه يفوق بكثير الحصول على صورة إيجابية للملك الجديد – آنذاك – في أذهان الفقراء.

وبطبيعة الحال فإن حال " السكتة القلبية " الذي تحدث عنه الحسن الثاني كان سيرخي بستائره السوداء، ليس على الفقراء فقط بل الأغنياء أيضا، لذا كان مطلوبا نفسا جديدا في الدولة المخزنية إن لم نقل ضربة قوية على مؤخرتها، لذا كان خطاب 2002 بالدار البيضاء، حيث تحدث الملك عن " المفهوم الجديد للسلطة " وليفهم رجال المخزن من مُختلف الضفاف أنه أصبح مطلوبا أن تكون الأولوية للمردودية الاقتصادية، وأن الأسبقية ستكون لرجال الأعمال الذين يستطيعون الدفاع عن ملفات اقتصادية وتدبيرية كفيلة بإخراج الاقتصاد المغربي من عنق الزجاجة، ولعلكم ما تزالون تتذكرون كيف طالب محمد السادس في إحدى خطبه بأنه على القطاع الخاص أن يُساهم في فك خناق البطالة الذي يشد بأعناق آلاف الشباب المغاربة، غير أن النداء إياه ذهب أدراج الرياح، حيث أن الوضع ظل على ما هو عليه، إن لم نقل انه استفحل أكثر، فكان رد الفعل الذي تعرفونه، حيث أن الملك اختار أن يكون هو الفاعل الاقتصادي الأول في الدولة، من خلال السيطرة على بنك الوفاء، والعديد من القطاعات الخدماتية والشركات المُراقبة، بشكل مباشر أو غير مُباشر، إلى أول مساهم في بورصة الدار البيضاء، حيث بلغت نسبة أسهم المجموعة الاقتصادية الملكية من 18 بالمائة أواخر حياة الحسن الثاني إلى 33 بالمائة والفرق شاسع بين الرقمين.


لماذا وقف حمار الشيخ عند العقبة؟
لقد أدى مبرر ضعف وتخلف وخوف، الطبقة الاقتصادية المغربية، إلى نفس النتيجة التي أدى إليها ضعف الأحزاب وتكلسها، أي إلى المزيد من تحكم المؤسسة الملكية في الشأن الاقتصادي، كما حدث مع الشأن السياسي..

-         فمن يتحمل أخطاء كل هذه الأعطاب التي أصابت جسد الدولة في أهم مكون لها بعد السياسة أي: الاقتصاد؟..
   
السؤال أشبه بآخر أزلي:

-          مَن الأسبق في الوجود البيضة أم الدجاجة؟

لذا فإن الأقرب ل " الصواب " هو القول بأن الجميع (القصر والنخبة: سياسية واقتصادية) ساهم في وضع الطريق المسدود الذي نعيشه حاليا، فهما يتبادلان معا     " الغزل "  لتظل الأمور على ما هي عليه، ف " الاستقرار " من شأنه عل الأقل أن يحفظ مصالح الطرفين..

-         كيف ذلك؟

كان واضحا عقب وفاة الحسن الثاني، أن إصلاحا متقدما للأوضاع لن يخدم الأطراف المُتحكمة في الشأن المغربي، لذا كان لابد أن تتوقف محاكمات الفساد المالي عند منتصف الطريق، حيث ما زال المغاربة لا يعلمون لحد الآن ما الذي وقع بالتحديد في صناديق مال عمومية مثل القرض العقاري والسياحي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض الفلاحي، والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي وغيرها، لسبب بسيط هو أن الذهاب حتى نهاية المطاف، كان يعني عقد شبه محاكمة للنظام برمته، أي بدءا من المُؤسسة الملكية مرورا بكبار موظفيها، وانتهاء إلى فتح ملفات أساسية من قبيل " الركائز القانونية التي يقوم عليها الشأن العام "، وهو ما لم يكن مطلوبا في الوقت الراهن، لذا فإن ملفات الصناديق المالية المذكورة توقفت عند منتصف الطريق، كما تمت الإشارة لذلك، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد مثالا واحدا، فالسيد فاروق بنيس أحد المتورطين في ملف الديون غير المُؤداة بالقرض العقاري والسياحي هو صديق حميم لأفراد من الأسرة الملكية، ومحاميه ضد القرض العقاري والسياحي لم يكن سوى وزير العدل السابق الراحل محمد بوزوبع، هل فهمتم لماذا وقف حمار الشيخ في العقبة الآن؟

فماذا يعني كل هذا؟

هذا يعني أن " استمرارية الدولة " مسألة أكثر حيوية من مطاردة الساحرات، وهو ما يعني أن ذات النمط التدبيري للدولة من الناحية الاقتصادية، سيظل هو الثابت حتى إشعار آخر، ومعنى هذا مرة أخرى، أن الاستفادة الاقتصادية ستظل بالدرجة الأولى، رهينة بمدى القرب أو البُعد من مركز الدولة. وهذا يؤكد، فيما يؤكده، أنه كما كان للحسن الثاني أغنياؤه سيكون لمحمد السادس أغنياؤه.


دور الملك كفاعل اقتصادي
يعتبر الملك فاعل اقتصادي مهم بالمنظومة الاقتصادية الوطنية. وقد تباينت الآراء بخصوص الدور الاقتصادي للملك، فهناك من يراه عاديا لا يدعو لاستغراب، وهناك من يرى في هذا الوضع موطنا لتضارب المصالح بامتياز، وبالتالي فإنه لا يستجيب للمفهوم الليبرالي ومن شأنه أن ينال من شروط المنافسة.
 
هكذا، وبالاعتماد على جملة من المعطيات المتوفرة، يقر البعض أن الملك أضحى الآن رجل الأعمال الأول والمقاول الزراعي الأول ممثلا إحدى أهم ثروات البلاد، إن لم تكن أهمها إطلاقا.

إن الملك بالمغرب الآن فاعل اقتصادي أساسي، وفي هذا الصدد يعتقد البعض أن عليه أن يتخلى عن ممارسة أي نشاط اقتصادي. وأصحاب هذا الرأي يذهبون إلى حد المطالبة بتعديلات دستورية تنص على عدم ملاءمة السلطة الملكية مع أي نشاط اقتصادي، ويستدل هؤلاء بما عليه الحال بالمغرب بخصوص بعض الوظائف والمهن، فمثلا القضاة ممنوعون من ممارسة أي نشاط اقتصادي أو تجاري، وكذلك الأمر بخصوص المحامين، علما أن أحد المحامين حاليا مصنف ضمن أثرى الأثرياء بالمغرب بفعل وزنه في المنظومة الاقتصادية الوطنية.

كما يعتبر أصحاب هذا الرأي أنه في ظل مرحلة الانتقال الديمقراطي، وجب تفادي وضعية تضارب المصالح، وبهذا الخصوص يرى هؤلاء إيجابية تخلي الملك عن لعب دور رجل الأعمال الأول والفاعل الاقتصادي الأساسي بالبلاد، حتى لا ينافس المقاولين ويسيطر على المنظومة الاقتصادية الوطنية، لاسيما وأن دوره حقق الهدف المنتظر منه، إذ عمل على تغيير وجه الرأسمالية المغربية كضرورة، لتأهيلها للتصدي لانعكاسات العولمة ومسايرة مقتضياتها.

على هذا المسار واستجابة لضرورات ظرفية فرضها المناخ العالمي والتحولات الكونية، عمل الملك على تقوية موقع العائلة الملكية المالي والاقتصادي  وبذلك أصبح الفاعل الاقتصادي الأول، ويمكن ملاحظة هذه الحقيقة من خلال امتداد الحياة اليومية؛ فالحليب ومشتقاته والسكر وحلويات بيمو بمختلف أنواعها وزيت المائدة والماء المعدني ومصبرات السمك (مارونا) وغيرها، كلها من إنتاج شركات ووحدات تابعة لـ “سيجر” أو “إرجيرس” أو " الشركة الوطنية للاستثمار " أو " أونا "، وكذلك الأسواق الكبرى التي تعرض بها في مختلف كبريات مدن المغرب (أسيما ومرجان)، ونفس الشيء بالنسبة لأهم مؤسسة بنكية موجودة حاليا بالمغرب (التجاري وفا بنك)، وهو ما يبين بجلاء ثقل المصالح الاقتصادية الملكية، ضمن المنظومة الاقتصادية المغربية.

في بداية عهد الملك محمد السادس راجت بعض الإشاعات، مفادها أن العائلة الملكية تسعى لتخفيف ثقلها الاقتصادي، آنذاك قيل بأن الأمير السعودي وليد بن طلال، مهتم باقتناء مجموعة " أونا "، إلا أن العكس هو الذي حدث، حيث تقوى موقع العائلة الملكية في الدوائر الاقتصادية بالبلاد. وقد تحقق ذلك بفضل الفريق الاقتصادي والمالي للملك، وهؤلاء أشخاص يحيطون بالملك، كفاعل اقتصادي ورجل أعمال، بعيدا عن السياسية وقضايا تدبير الشأن العام، وتكونت نواتهم من منير الماجدي و سعد بنديدي و خالد الودغيري و باسم الشجعي حكيمي و رشيد سليمي و حسن بوحمو؛ هؤلاء هم الذين هندسوا لتنمية الثروة الملكية وإعادة هيكلة وتقعيد المصالح الاقتصادية الملكية.

فـ " سيجر " و " إرجيس " تتحكم في 67 في المائة من رأسمال الشركة الوطنية للاستثمار و 5 في المائة من رأسمال " أونا "؛ والشركة الوطنية للاستثمار، التي تحقق أكثر من 305 مليون درهم كأرباح، تتحكم بدورها في 33 في المائة من رأسمال     " أونا " و 50 في المائة من رأسمال صونا صيد (الصلب والحديد) و 20 في المائة من رأسمال لافارج (قطاع الاسمنت)؛ أما مجموعة " أونا "، فتتحكم في 51 في المائة من رأسمال أسواق مرجان و 51 في المائة بخصوص أسواق أسيما، و 91 في المائة من شركة “سوبريام”.

هذا فيما يخص قطاع التوزيع، وفي القطاع المنجمي تتحكم " أونا " في 75 في المائة من رأسمال شركة " مناجم " الرائدة في قطاعها.

وفي القطاع المالي والمصرفي تملك " أونا " 30 في المائة من رأسمال التجاري وفا بنك، و49 في المائة من مجموعة " أكسا " و 50 في المائة من رأسمال " أكما ".

أما في قطاع الصناعات الغذائية، فتتحكم " أونا " في 55 في المائة من رأسمال مركزية الحليب و 55 في المائة بخصوص " كوزيمار "، وتملك 56 في المائة من رأسمال " لوسيور كريسطال " و 50 في المائة من رأسمال " بيمو " و 30 في المائة من رأسمال " سوتيرما ".

إن هذه الهيمنة الاقتصادية والمالية جعلت من الملك فاعلا اقتصاديا، مكنته عبر جملة من الشركات المتحكمة في أهم قطاعات الإنتاج بالمنظومة الاقتصادية الوطنية من تغيير وجه الرأسمالية المغربية، انطلاقا من الرؤية المبلورة والإستراتيجية المعتمدة من طرف فريقه الاقتصادي القائم على تدبير شؤون المجموعة الملكية (سينجر- إرجيس – سني – أونا)؛ وشكل التحكم في القطاع البنكي رأس الحربة لتفعيل هذه الرؤية الكامنة وراء تحويل الرأسمالية المغربية. وقد تأكد هذا المنحى بوضوح منذ 2004، إذ لاحظ الجميع معالم الوجه الجديد لرأسمالية المغرب.

و يعد الملك من بين أثرياء العالم، وحسب المتتبعين للشأن المغربي، إن الثروة الملكية تطورت بسرعة. وبثروته ومصالحه الاقتصادية، يعد الملك حاليا من كبار المقاولين والمصرفيين والمنعشين الزراعيين بالمغرب، وذلك اعتبارا للموقع الذي يحتله في عالم الأعمال، إذ يشكل قوة لها ثقلها الظاهر في المنظومة الاقتصادية والمالية بالمغرب، ويظل الرباعي " سيجر – إرجيس- الشركة الوطنية للاستثمار – أونا " رأس حربة الثروة الملكية بالمغرب، وبفضله تموقع الملك كرجل أعمال في مختلف القطاعات الحيوية (الأبناك، الصناعات الغذائية، المناجم، التوزيع، الاتصالات...).

وقد تضاربت الآراء حول تقدير حجم الثروة الملكية، ولعل أول جهة اهتمت بهذه القضية المجلة الأمريكية المتخصصة في مجال الأعمال " فوربيس "  (FORBES)، فقد سبق لها منذ سنوات أن قدرت الثروة الملكية (أموال وعقارات بالمغرب وخارجه)  ما بين 4 إلى 10 ملايير دولار (ما بين 40 إلى 50 مليار درهم).
 
أما المصادر الغربية، لاسيما الأوروبية منها، فقد سارت نحو تقدير ثروة الملك بما يناهز 40 مليار دولار (400 مليار درهم)، جزء كبير منها مستثمر بالخارج، كما أشارت بعض الصحف الإسبانية إلى أن الملك الراحل الحسن الثاني، كان بحوزته أكثر من 20 حساب بنكي بالخارج.

و رتبت " فوربس " المجلة الأمريكية الأكثر شهرة في العالم، في آخر عددها، ملك المغرب في الرتبة السابعة ضمن لائحة تضم السلاطين والملوك و الأمراء الذين يتربعون على عروش أكبر الاحتياطات العالمية من البترول.

ومن المغاربة القلائل الذين اهتموا عن قرب بالثروة الملكية عبد المومن الديوري، الذي قدر الثروة الملكية المودعة بالأبناك الفرنسية والأمريكية وسويسرا (10 أبناك)، بما يناهز 10 ملايير فرنك فرنسي، تنضاف إليها عقارات وإقامات بباريس ونيويورك وأسهم وسندات مالية. ففي غضون التسعينيات كان عبد المومن الديوري من الأوائل الذين جازفوا بمحاولتهم جرد جملة من التفاصيل عن الثروة الملكية، إلا أن القصر الملكي كذب كل ما نشره في أوانه، وحسب حصيلة الديوري، التي نفاها القصر جملة وتفصيلا، تتكون الثروة الملكية في مجملها من:

-         10  ملايير فرنك فرنسي، كأموال مودعة بالخارج.

-         20 قصرا بالمغرب.

-          ألاف الهكتارات من الأراضي الزراعية (أغلبها من الأراضي المسترجعة من المعمرين سنة 1963).

-          مجموعة " أونا " المتواجدة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني.

-         عقارات بباريس ونيويورك، منها آنذاك " أرمانفيل " الذي يضم 200 غرفة ومحاطا بـ 400 هكتار من الأراضي.

-         أسهم وسندات أمريكية وأوروبية.


ترتيب أهم الشركات الوازنة في النسيج الاقتصادي
 وفق معطيات  (2005 / 2006):

-         أونا: المتواجدة في العديد من القطاعات.

-         إفريقيا للمحروقات: (عائلة أخنوش) / المحروقات.

-         يينا هولدينغ: (عائلة الشعبي) / المال، العقار، السياحة، التجارة، التوزيع.

-         هولماركوم: (عائلة بنصالح) / صناعة، تجارة، الخدمات.

-         دينا هولدينغ: (عائلة زنيبر) / قطاعات مختلفة.

-         سنام: (عائلة العلج) / قطاعات مختلفة.

-         سوميدا: قطاع الإسمنت

إن مجموع إيرادات هذه الشركات بلغت هذه السنة ما يناهز 60 مليار درهم.


نور الدين عيوش: الشيوعي الذي أغدقت عليه الملكية
حصل نور الدين عيوش على دبلوم الإجازة في العلوم السياسية أوائل سبعينيات القرن الماضي، كما أنه تلقى تكوينا دراسيا في مجال التدبير، بفرنسا، وكان بذلك واحدا من الأطر المغربية النادرة من جيله من حيث الجمع بين التكوين الدراسي النظري والتطبيقي، ولعل ذلك ما قاده إلى معانقة الأفكار اليسارية في عز انتشارها، عبر الأطراف الأربعة للمعمور، وذلك منذ أن كان شاهدا، ومتحمسا، لماي 1968 بباريس، لذا فحينما عاد إلى المغرب سنة 1972  ، عمد إلى إحداث مسرح ذا طابع اجتماعي، غير أن المؤلف والممثل " عيوش " لم يتمكن أبدا من تجسيد المسرح الذي " يفهمه " على خشبة " صلبة "، لذا سيلتحق حُلم التغيير من خلال الفن بواحد من الرفوف الكثيرة لليساري "عيوش".

وبينما اختار أغلب الشباب المغاربة الذين عانقوا السياسة، الانخراط العضوي في تنظيمات يسارية علنية، مثل الحزب الشيوعي المغربي (التقدم والاشتراكية حاليا) أو السرية، مثل منظمة إلى الأمام، اختار نور الدين عيوش أن يخلد إلى فترة " تأمل " طويلة استمرت حتى سنة 1983، عاين خلالها كيف اعتصرت القبضة الحديدية للحسن الثاني " رفاقه " الرمزيين، وبعدما هدأت حمى الاعتقالات قليلا في صفوف اليساريين، لسبب بسيط هو أن كل كوادرهم الحركية كانوا بالفعل وراء أسوار السجون، أو لقوا حتوفهم تحت سياط التعذيب (عبد اللطيف زروال ورحال وأمين التهاني).

في ذلك الإبان اختار نور الدين عيوش أن يُصدر مجلة أطلق عليها اسم " كلمة " باللغة الفرنسية، جمع بين دفتيها بعض الصحافيين المبتدئين، وطفق يُناوش من خلال الأعداد التي أصدرها، خطوطا حمراء في السياسة والمُجتمع، اعتقد كما قال هو نفسه بعد ذلك بسنوات طويلة، أن " التعاطي مع مشاكل المواطنين من خلال مقالات صحفية سيغير العقليات "، لكنه سرعان ما سيكتشف انه كان حالما، حيث أُغلقت المجلة بعد ذلك بأربع سنوات، ومنذئذ خلد عيوش لفترة " تأمل " أخرى طويلة استمرت حتى سنة 1994 ، حيث بدأ يعمل على فكرة خلق جمعية باسم " زاكورا " التي اُريد لها أن تنفذ إلى مشاكل المغرب العميق، من خلال القروض الصغرى، وذلك بدون شك عبر الاستفادة من فكرة كانت قد نجحت في العديد من بلدان شرق آسيا، وتم التركيز على قروض تتراوح بين ألف درهم وخمسة آلاف درهم لفائدة النساء، وقد تحدثت العديد من المقالات الصحافية " المقربة " من نور الدين عيوش عن نجاح التجربة بما لا يُقاس، وكان ذلك سببا في إيجاده الطريق سهلا أولا إلى بلاط الحسن الثاني الحذر من الشيوعيين السابقين وكأنهم الجذام بعينه. غير أن الصديق الصدوق لنور الدين عيوش، ونعني به المستشار الملكي في الشؤون الاقتصادية، عمد إلى تدليل كل العقبات، ليصبح رئيس جمعية " زاكورا " شخصا مقبولا في الكثير من اللقاءات الرسمية والخاصة منذ بدأ يعتبره البعض أحد محركي المجتمع المدني. فمنذ 12 سنة أنشأ مؤسسة " زاكورة " التي شيدت مدارس بالريف ووزعت قروضا صغرى، وحققت نجاحا كبيرا، ففي سنة 2006 مكنت أكثر من 500 ألف شخص من الاستفادة من القروض الصغرى.

وبطبيعة الحال كان في ذلك مقدمة لانطلاق رجل الأعمال " نور الدين عيوش " في مجال المال والأعمال، حيث أسس شركة " شمس " المتخصصة في الإشهار، وكانت واحدة من الأوائل في مجالها التي حصدت زبائن عديدين منبهرين بالآفاق الواسعة لمجال اكتسح المغرب حديثا، بموازاة مع توغل سنوات الانفتاح التي شجعها الحسن الثاني بإيعاز من المؤسسات النقدية الدولية، التي كانت تُلح على تحرير مجالات الإنتاج للخروج من دائرة شبح " السكتة القلبية ".

أنشأ وكالة “شمس” في 1972 تعمل في قطاع الإشهار، إذ كان من الرواد في هذا المجال، وفي سنة 2001 عرف نشاط " شمس " قفزة غير مسبوقة إذ بلغ رقم معاملاتها 190 مليون درهم، والذي ظل يتصاعد إذ بلغ سنة 2002، 198 مليون درهما ووصل إلى 213 مليون درهما سنة 2003. هكذا كانت الانطلاقة، لاسيما بعد الارتباط بـ " لوي " إذ أصبحت وكالته تحمل اسم " لوي شمس " التي تعتبر أول وكالة إشهار أنشأت شبكة مغاربية، إذ تم خلق " لوي شمس " بتونس في شتنبر 2000 و" لوي شمس " بالجزائر ثم بدكار.

وهناك كانت الفرصة الذهبية لنور الدين عيوش الذي تضاعفت أرباحه في ظرف قياسي، ويُقال أن الصفقات تهاطلت عليه مدرارا، بإيعاز من أصدقائه المنبثين في أبهاء القصر الملكي، وهو ما سيتأكد من خلال الحظوة الكبيرة التي أصبحت للرجل خلال " العهد الجديد "، حظوة وصلت إلى حد اعتبر معه البعض أن نور الدين عيوش يتكلم باسم محمد السادس في ملفات اجتماعية، الأكثر من ذلك أن الرجل أصبح شريكا لا يُمكن القفز عليه، في العديد من المشاريع الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة. بل ويُقال أنه أصبح ممولا لا يُستغنى عنه، لبعض الصفقات التي تعقدها الدولة، وكأنه بذلك يرد الدين العالق بعنقه اتجاه المخزن الذي " أنقذه " من أفكاره اليسارية، وفتح أمامه شطآن الاستفادة من خيرات البلاد في مجالات عديدة، ولعل آخرها، ولن تكون الأخيرة، هي فكرته " الفريدة " بإحداث جمعية " 2007 دابا " التي استهوت محمد السادس حين كان مشغولا بفكرة مشاركة مُكثفة في انتخابات شتنبر الماضي. بيد أن “الجبل تمخض فولد فأرا كما يُقال، حيث أن الميزانية الضخمة التي ابتلعتها – يُقال أنها أصبحت من أسرار الدولة لضخامتها – أسفرت عن نتيجة المشاركة الهزيلة المعروفة. غير أن ذلك لن يُحزن اليساري السابق كثيرا، فهو قد استفاد من سنوات الفيض والعطاء، ليتحول في ظرف سنوات وجيزة إلى واحد من أثرى أثرياء " العهد الجديد "، والدنيا حظوظ كما يُقال. وربما سيحمد " الرفيق " السابق عيوش قدره كثيرا بالنظر إلى المصير الأسود الذي لقيه رفاق اختاروا مُناهضة الملكية لا مهادنتها و…الاستفادة منها.


محمد منير الماجيدي: “ولد التقدم” الذي حولته صداقته الملكية إلى ملياردير.
الكثيرون تساءلوا مَن يكون محمد منير الماجيدي عقب اندلاع ما أصبح يُسمى ب     ” فضيحة الكاتب الخاص للملك "، ونعني بها ” صفقة هكتارات تارودانت "، التي استفاد بموجبها الرجل من ثمن تفضيلي هو خمسين درهما للمتر المربع، بينما يبلغ ثمنه خمسة آلاف درهم.

تقول مصادر عديدة، من بينها صحف مغربية، تناولت السيرة الشخصية، والمهنية للماجيدي، أن هذا الأخير لم يولد وملعقة من ذهب في فمه، شأن الكثير من أبناء العائلات الملتصقة بالمخزن المغربي أبا عن جد، شأن: القادري و بنسليمان وبنحربيط و بناني … إلخ. بل " ابتسم " له الحظ حينما تجاور، خلال أواخر سبعينيات القرن العشرين، على مقاعد الدرس في ثانوية دار السلام بحي التقدم الشعبي في الرباط     ( حيث ترعرع في كنف أسرة متواضعة ) مع شاب غير عادي اسمه نوفل، ويتعلق الأمر بابن أحمد عصمان الوزير الأول السابق، ورئيس حزب الأحرار سابقا أيضا، والسيدة نزهة أخت الحسن الثاني.

ارتبط نوفل بصديق دراسته أشد الارتباط، فكان طبيعيا أن يقدمه لأبناء خاله الملك الحسن الثاني، وعلى رأسهم ولي العهد آنذاك الأمير محمد، وحظي " ولد التقدم " بالقبول، حيث لم يعد يُستغنى عنه في الأوقات الطيبة لشلة الأمراء وأقاربهم. ويشاء القدر الداكن، أن يرحل الشاب نوفل إثر مرض عضال، ثم لتلحق به أمه كذلك، في حادثة سير مأساوية، وليظل رحيلهما جرحا عميقا في نفوس أفراد الأسرة المالكة، وكان الاحتفاظ ب " صديق الفقيد " ضمن شلة الأصدقاء المقربين، من ولي العهد والقصر، بمثابة وفاء لذكراه.

وحينها فهم ” ولد التقدم ” أن الفرصة مواتية ليتخلص من قدره الاجتماعي المتواضع – ربما – إلى الأبد، حيث تحول بين عشية وضحاها، عقب وفاة الملك الحسن الثاني، إلى واحد من الفاعلين الأساسيين إلى جانب الملك محمد السادس، ضمن شلة ضيقة لتسيير دفة الحكم السياسي والاقتصادي والأمني.

واليوم فإن ” ولد التقدم ” السابق يتربع على عرش تسيير واحدة من أكبر الثروات في العالم، ونعني بها ثروة الملك محمد السادس والأسرة الملكية، ويتبين من خلال بعض المعطيات التي تتسرب للصحافة المغربية، أن " م3 " ( هكذ لقب بعض العارفين بكواليس القصر الملكي الماجيدي، كناية لقربه الشديد من محمد السادس، وثلاثية حرف الميم في اسمه) يصنع الزمن الطيب والرديء – حسب التعبير الفرنسي-، فهو لم يكتف بالاستحواذ على سوق اللوحات الإشهارية، بدون أدنى طلب عروض، منذ بضع سنوات تعود لأواخر زمن حكم الحسن الثاني، بل أصبح يُملي الشروط الملكية على كبار المستثمرين المغاربة لجعلهم تحث رحمة المخزن الاقتصادي، وبين هذا وذاك يرفع وُينزل مَن يشاء – إلى ومن – " جنة " المؤسسات المالية التابعة للملك، آخر " إنجازاته " في هذا المضمار هو طرده لمدير وافا بنك " الودغيري " في عملية انتقام سمتها مجلة " تيل كيل " ب " التبرهيش ديال الماجيدي ".

قد يقول قائل إن نازلة أرض تارودانت قد لا تمثل شيئا، حجما وقيمة وأهمية، مقارنة بما تمكن محمد منير الماجيدي من السطو عليه على امتداد مشواره الوظيفي الحساس، لكنها النازلة التي كانت بمثابة الشرارة التي حققت الانفجار، فأصبحت القضية الصغيرة تشكل فضيحة " بجلاجل" بفعل غضب الملك محمد السادس على تصرفات كاتبه الخاص الذي وضع نفسه في مركز عاصفة الشبهات، علما أنها شبهات ظلت تحوم حول الرجل منذ أن سطا على اللوحات الإشهارية واحتكرها احتكارا على حين غرة وبدون سابق إنذار، والتي ذرت عليه ملايين الدراهم دون عناء ومجهود بفضل ولي نعمته في  
هذا النطاق، الوزير المخلوع إدريس البصري ورجال السلطة الموالين له.

لازالت المعلومات حول الثروة التي راكمها محمد منير الماجيدي نادرة جدا، إلا أن هناك بعض المعالم الدالة على أهميتها. فقد أكد جملة، من المحللين الاقتصاديين ورجال الأعمال على أن الكاتب الخاص للملك والمسير للثروة الملكية استمد قوته وتوسع نفوذه وتشابكت علاقاته بفضل موقعه الحساس، بل يعتبر بعض المستثمرين أن محمد منير الماجيدي عمل على تنمية ثروته باسم موقعه، لاسيما وأنه اكتسب درجة كبيرة من ثقة الملك، وهذا ما جعل رجال الأعمال وجملة من القائمين على الأمور يخشون سطوته ويخطبون وده.

أضحى الكاتب الخاص للملك من أغنياء المغرب بعد أن تمكن في وقت وجيز جدا من مراكمة أموال طائلة، كانت انطلاقة تكوين " امبراطوريته المالية " بالاستحواذ على قطاع اللوحات الإشهارية، إذ بجرة قلم أصبح محتكره. تقوى عوده وتوطدت أقدامه في تدبير ثروة العائلة الملكية إلى أن بات الناهي والآمر والمتحكم في رقاب كل العاملين تحت إمرته والمتواجدين تحت رحمة مراقبته. وتأكدت قوته عندما تمكن من دفع الرئيس المدير العام لمجموعة التجاري " وفا بنك " إلى الاستقالة من منصبه، الأمر الذي اندهش له الكثيرون. ومكنه كذلك إدريس البصري من جعل كل الأبواب موصدة في وجه منافسيه المحتملين.

تضمن كتاب (حين يُصبح المغرب إسلامي)  للصحافيين الفرنسيين " نيكولا بو " و " كاترين غراسييه " فقرات عن " الماجيدي " و " قصة " ارتقائه لذرى الثراء ننقل بعضها هنا: "…يُلقب الرجل ب (م 3)، بسبب قربه من الملك. فالرجلان يعرفان بعضهما منذ يفاعتهما المشتركة، ولم يفترقا منذئذ (….) إلى حين عهد إليه ولي العهد بمهمة الإشراف على صندوق مال خاص سري. ومن ثمة لجوئه إلى إحداث بعض المشاريع الخاصة ب " رضا " الملك حسب أقوال الماجيدي نفسه، وكان نجاحه سبب الثقة التي أولاها له محمد السادس فيما بعد، والذي عينه في نهاية سنة 1999  في هذا المنصب الرفيع: (الكاتب الخاص لجلالة الملك). وفي سنة 2002 تمت ترقيته لمهام رئيس الهولدينغ الملكي "  سيجر " الذي يراقب مجموعة الأونا خلفا لمراد الشريف (…).

صحيح أنه تحت عباءة القصر، قام الماجيدي بتنمية بعض الأعمال الخاصة. وقد لقبت جريدة " لوجورنال " الماجيدي ب " سيد اللوحات الاشهارية " ( كناية على الفيلم الأمريكي الشهير " سيد الخواتم " ). فعن طريق شركة صغيرة تحت اسم " ف. سي. كوم "، تمكن هذا الرجل الشاطر من تحقيق احتكار غير مسبوق لقطاع اللوحات الاشهارية برمته: فثمة أزيد من ألف ومائتي موضع للوحاته في مدينة الدار البيضاء و350 في الرباط وأخرى في باقي المدن المغربية المهمة، ناهيك عن احتكار الإعلان على الطرق السيارة، وامتياز وضع لوحاته أيضا في مطارات البلاد، دون الحديث عن محطات القطارات، حيث يعود امتياز الاستغلال له في مجموع البلاد.
 
يكتفي منافسو الماجيدي ببعض عروض الاستغلال في القطاع من طرف الجماعات المحلية، وبذلك فهم لا يتوفرون سوى على عقود استغلال سقفها الأقصى خمس سنوات، في حين أن ” م 3 ” يستحوذ على حق تمديد عقوده إلى مدة تصل لثلاثين سنة، فحتى عائلة المستشار الملكي السابق، وصديق الحسن الثاني احمد رضا كَديرة لفترة طويلة، المتوفي سنة 1995، لم يتم إعفاؤها من العجلة الضاغطة لنفوذ الماجيدي،. فعقد الاستغلال الذي يستفيد منه ورثة كَديرة مع المكتب الوطني للمطارات، تم فسخه من طرف القصر لفائدة شركة " ف سي كوم " لصاحبها منير الماجيدي.

 ليس من شك، أن هذا الأخير يُقدم نفسه في كل هذه المعاملات، باعتباره ” السكرتير الخاص للملك “. وذلك بطبيعة الحال مع التواطؤ المتحمس للعديد من الولاة والعمال ورؤساء الجماعات المحلية، المهووسين بالظفر برضا القصر، هكذا فإن منير الماجيدي بصدد التحول إلى عراب اللوحات الإشهارية في المغرب.

الأكثر من ذلك أن حكومة السيد إدريس جطو حابت أيضا صديق الملك، من خلال إحداث مشاريع قوانين منظمة للصناعة الإشهارية، تدعم احتكار شركة ” إيف سي كوم ". وعندما كثر القيل والقال حول شركة " ف.سي.كوم " تخلى محمد منير الماجيدي عن تدبير أمورها لفائدة نجل عباس الفاسي الذي أصبح مديرا عاما لها. كما حاول الماجيدي بمعية نجل إدريس جطو، الوزير الأول، ولوج مجال السمعي البصري.

هذه بعض معالم انطلاق صيرورة آليات تراكم ثروة محمد منير الماجيدي التي لا يعلم أهميتها إلا الله، بفعل نشاطه في مجالات تذر عليه مبالغ " طيطانيكية " في غياب أي منافس.

وكان محمد منير الماجيدي بدأ مشواره الوظيفي، بعد إنهاء دراسته الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية، بالبنك التجاري المغربي، ثم التحق بصندوق الإيداع والتدبير للقيام بمهمة إلى جانب مديره خالد القادري، وعندما خبر خبايا وكواليس هذه المؤسسة، التي تتصرف وتدير جزءا كبيرا من أموال الشعب، تولدت لديه فكرة شركة خاصة به، وعقد ابن التقدم العزم على أن يخرج من جلدته ليلج نادي أكبر أثرياء المغرب.

وانطلاقا من موقعه، في صندوق الإيداع والتدبير، شرع محمد منير الماجيدي في التخطيط وتقعيد بنيان إحداث " مملكته " المالية، وكانت البداية بالبحث عن الأموال لتشكيل الرأسمال، وفي سنة 1999 كان الإعلان عن ميلاد شركته " إف.سي.كوم " (FIRST CONTACT COMMUNICATION/FCCOM)، التي اختارت مجالا جديدا بالمغرب كان في طور الولادة: اللوحات الإشهارية، وأحكم قبضته عليه منذ البداية، إذ كان أول من استثمر في هذا القطاع، ثم التحقت به شركة " جي.إس.إم.المغرب  (GSM ALMAGHRIB)". تزامن ذلك مع تعينيه من طرف الملك محمد السادس كاتبا خاصا له، فانفتحت في وجهه كل الأبواب بعد أن أصبح " حيسوب الملك " ومدبر أمور الثروة الملكية.

وخلال فترة وجيزة تمكن محمد منير الماجيدي من تجاوز مرحلة تراكم الرأسمال الأولى بفضل الصفقات التفضيلية التي منحتها له شركة " أوندا " (ONDA) والمكتب الوطني للسكك الحديدية، ومن ثمة كانت الانطلاقة الصاروخية، وتمكن من توسيع مساحات " مملكته " المالية، مستغلا غياب تقنين القطاع الذي تحكم في احتكاره بفعل مساهمة أكثر من جهة وازنة.

لقبه بعض الاقتصاديين بـ " باطرون الرأسمالية الجديدة " منذ أن تحكم في دواليب مجموعة " أونا " وساهم في تقوية " سيجر " (الهولدينغ الملكي)، فخطط وهيأ الشروط المواتية لابتلاع مجموعة " الوفاء " وعبد طريق أمام ولوج المجموعة الملكية قطاع الاتصالات والتكنولوجيا الجديدة (بدأت نتائج هذا التخطيط تظهر مع " باين ") بعد سلسلة من الإحباطات المتكررة التي سبقت بفعل المنافسة. وبذلك أضحى محمد منير الماجيدي، من خلال الموقع الذي احتله في الهولدينغ الملكي، أحد أكبر صانعي القرار الاقتصادي بالمغرب، إذ أن جزءا كبيرا من نسيج الاقتصادي الوطني يتأثر بالقرارات التي يتخذها أو يساهم في بلورتها.

عرف عن محمد منير الماجيدي أنه يولي اهتماما كبيرا للتخطيط بخصوص الأهداف التي يرمي إلى بلوغها، إذ لم يترك فرصة تمر دون استغلالها، وفي هذا الصدد يرى أحد الصحفيين أن انتشار أخبار استفادة الشخصيات الوازنة والمحتلة للمواقع الحساسة لجملة من الامتيازات بطريقة سهلة ودونما عناء، دفع بعض المغاربة إلى التفكير في سبيل للفوز ولو من فتات " كعكة الامتيازات "، ومن النوازل حادثة انتحال شخص صفة محمد منير الماجيدي، مدير الكتابة الخاصة للملك من أجل الحصول على منصب شغل في الخطوط الجوية الملكية المغربية، لكونه يعلم علم اليقين، أن موقع الكاتب الخاص للملك يمكن صاحبه نيل ما يريد.

ومن منظور جاد، فإن مجموعة " أونا " تعرف صعوبات حقيقية، فلنأمل أن صديق   ” م3 " الاشتراكي الفرنسي دومينيك ستراوس كاهن، الذي اقترح عليه ( أي على الماجيدي ) سنة 2005 متابعة دروس خصوصية، في أفق الخضوع لتكوين مكثف في مجال الاقتصاد، سيساعده على اكتساب رؤية اوضح للإقتصاد المغربي
 
و في نظر الكثيرين ، إن حالة الماجيدي ليست استثناءا بل هي القاعدة العامة لأناس في محيط السلطة.


محمد ومريم بنصالح: سر النجاح "عطيني نعطيك"
ينتمي محمد حسن بنصالح إلى الدائرة الضيقة لكبار رجال الأعمال بالمغرب، وينحدر من مدينة بركان، من أب ترك له حينما كان في السابعة والعشرين من عمره، بضعة شركات مواد استهلاكية صغيرة، وسرعان ما تحول ذلك الشاب الذي لم يكن يتوفر على تجربة في مجالات المال والأعمال، من مجرد طالب كان قد أن أنهى للتو، دراسته الجامعية، إلى مُسير حاذق بمكتب والده المتوفي (عبد القادر بنصالح، المتوفى في 20 يونيو 1993، من موقعي وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 كان قد راكم ثروة ضخمة)، لتتحول المجموعة الاستثمارية لهذا الأخير من مجرد الاستثمار في قطاع التأمينات وإنتاج المياه المعدنية الشهيرة " والماس " إلى قطاعات تدبيرية وإنتاجية كبيرة ومتطورة.

واليوم فإن محمد بنصالح وأخته مريم، (التي اضطلعت بتسيير شركة " والماس/ سيدي علي)، وهي زوجة جمال شقرون نجل الفنانة أمينة رشيد)، يوجدان على رأس العديد من الشركات، تعمل في مجال الصناعة كما الخدمات، وقسما العمل بينهما، بغاية تأمين توازن في التدبير، حيث اضطلع هو بالتدبير والتوقع وتخطيط استراتيجية المجموعة، بينما تكفلت هي بشركة المياه المعدنية وهو قطب رحى استثمارات المجموعة كما هو معلوم.

استطاع آل بنصالح أن يعيدا إلى السوق المغربية قنينة المشروب الغازي الأمريكية الأشهر بعد كوكاكولا ونعني بها بيبسي كولا، بعد اختفاء دام عدة سنوات، وذلك بموجب اتفاق مُجز للمجموعة المغربية. وقد استطاعت هذه الأخيرة أيضا شراء شركة التأمين " سند " سنة 1999 بمبلغ لا يقل عن 800 مليون درهم، وذلك بهاجس تدعيم موقع المجموعة في هذا المضمار المربح، وقد كان للتجميع الذي تم بين العديد من الشركات في القطاع بمبادرة من آل بنصالح قفزة نوعية في مجال مُنافسة الاستثمارات الأجنبية في مجال التأمينات، ولم يتوقف طموح المجموعة عند هذا الحد حيث انتقلت إلى مجال النقل الجوي .

بعد وفاة عبد القادر بنصالح، كانت المجموعة تعيش وضعية صعبة، لكن بعد إعادة هيكلتها، وهو العمل الذي نجح فيه بامتياز محمد حسن بنصالح خلال فترة لم تتجاوز ثلاثة سنوات، وذلك بفضل قروض ضخمة وبشروط متيسرة، وكذلك بفضل تحالفه مع مجموعة بنجلون لإنشاء، سنة 1998 أول شركة نقل جوية حرة مغربية، ( إيرلاين الجهوية تملك مجموعة " هولماركوم " 40 في المائة من رأسمالها ) والتي كانت بمثابة رهان صعب.

وفي بداية سنة 2000 أبرم محمد حسن بنصالح بعد مفاوضات ماراتونية، اتفاقا مع الأمريكيين لإعادة ترويج المشروب الغازي، المنافس لكوكاكولا، بيبسي كولا بالأسواق المغربية. وموازاة مع هذه النجاحات المحققة في ظرف وجيز، ساهمت " هولماركوم " في تمويل مؤسسة محمد الخامس للتضامن، وتتوفر المجموعة الآن على مساهمات مهمة في 40 شركة تنشط في مجالات متعددة، منها " أوربونور " و " ثلاجات المعمورة " و " كونطوار ميطالوجيك " و " سيريال " و" أطلانطا " و" لوكارتون"  و " أوتيس ماروك " ووحدات إنتاجية في قطاع الصناعات الغذائية وقطاع التوزيع والتجارة. وفي ظرف وجيز تمكن محمد حسن بنصالح من مضاعفة رقم معاملات مجموعته ثلاث مرات.

من الرجال الذين اعتمدت عليهم مجموعة " هولماركوم " صهر بنصالح، جمال شقرون، لاسيما في مجال تدبير الموارد البشرية إذ عمل بها 9 سنوات قبل إنشاء شركته الخاصة " جنرال ديفولوبمانت " (جي دي هولدينغ) المتحكمة اليوم في أكثر من 10 شركات تشغل ما يناهز 200 شخص وتنشط في مجال التكنولوجيا الجديدة والهندسة الصناعية والتدبير اللوجيستيكي والاستيراد والتصدير والعقار.

و من فتوحات مجموعة " هولماركوم " وضع اليد على كافة رأسمال الشركة المغربية للشاي والسكر، " سوماتيس " بمبلغ لا يتعدى 539 مليون درهم، علما أن هذه الأخيرة حققت رقم معاملات تجاوز 283 مليون درهم ونتائج استغلال أرباح تفوق 46 مليون درهم، وكانت هذه الصفقة جزءا من الاستفادة من " كعكة الخوصصة ". ومن فتوحات " هولماركوم " كذلك، إحداث محطتين للحبوب بميناء الدار البيضاء والجرف الأصفر، واللتان كلفتها استثمار 555 مليون درهم، منها 150 مليون درهما، عبر التمويل الذاتي والباقي (405 مليون درهما) بفضل قرض مسلم من "التجاري وفابنك" والقرض الفلاحي ومصرف المغرب والبنك المغربي للتجارة الخارجية.

يعزو بعض العارفين بالسيد بنصالح، نجاحه إلى " فضيلة الإنصات إزاء كل العاملين معه، من قمة تسييير المجموعة حتى أخصمها " وأيضا " لتعدد مصادر استفادته من عوالم قد تبدو متباعدة، انطلاقا من مجال الأعمال مرورا بعالم الفن وأخيرا وليس آخرا السياسة "، وبصدد هذه الأخيرة فإنه ليس بخاف على أحد " القبول الحسن " الذي يحظى به آل بنصالح لدى الملك محمد السادس، ولا يخفى أيضا، أن الكاتب الخاص لهذا الأخير، محمد منير الماجيدي " يُنسق " مع المجلس الإداري للمجموعة في العديد من الملفات الاقتصادية ذات البعد السياسي، كما أن نوع التنسيق ذاته حدث أكثر من مرة، حينما " يجد الجد "، وليس ببعيد عن الأذهان ما حدث حين هُددت الركيزة الاقتصادية الأساس في أداء المجموعة، ونعني بها شركة " والماس "، حيث امتد طموح أصحاب الشركة المنافسة " سيدي علي " إلى مجال آل بنصالح، فكان الحسم من خلال قرار سياسي اقتصادي مشهود على الطريقة المغربية لفائدة هؤلاء الأخيرين، وبطبيعة الحال فإن المستفيدين من قرارات مصيرية مثل هذه، يكونون دائما مستعدين لرد الدين مضاعفا إن تطلب الأمر، ولعلكم ما زلتم تتذكرون في هذا الصدد، أن محمد بنصالح كانوا منذ بضع سنوات قليلة خلت على أتم استعداد لتلبية طلب نافذين في المخزن لشراء جريدتي لوجورنال والصحيفة من فاضل العراقي وابوبكر الجامعي وعلي عمار، لولا أن ترتيبات أخرى اقتضت أن يأخذ هذا الملف مسارا آخر وتلك حكاية أخرى.


كريم التازي: رجل الاقتصاد " المشغول " بمصالح الفرد والجماعة
ينحدر كريم التازي من عائلة مستثمرين تقليديين، قبل أن يتحول الإرث إليه، ليحوله إلى علامات إنتاج معروفة في أكثر من قطاع، وهو معروف بأقصى درجات الطموح، يصل في بعض الأحيان للانتصار لعلامات تجارية وطنية، على غرار ماركة ألبسة " مروى " التي خصصتها إحدى شركات الألبسة المملوكة له، منذ بضع سنوات للفتيات الصغيرات. تتوفر ألبسة " مروى " حاليا على أكثر من 10 نقط بيع موزعة بمختلف المدن المغربية، وكانت انطلاقتها باستثمار ناهز 50 مليون درهم. وجاءت فكرة هذا المشروع انطلاقا من ضرورة منافسة الموزعين الإسبان (أنديتكس و أمدويكو).

تتوزع نشاطات كريم التازي الاقتصادية والاستثمارية بين قطاع النسيج والتأثيث، ويكفي أن نشير إلى أنه يتربع على عرش شركة " ريشبوند " المعروفة (رأسمالها 203 مليون درهم)، وهو لا يُخفي مظاهر ثرائه التي تجعله بين أغنى أغنياء المغرب. ويعترف له خصومه قبل أصدقائه، أنه يتوفر على نَفس قتالي، في الدفاع عن تنافسية قطاع النسيج الوطني، من خلال الدعوة إلى حماية السوق الداخلية، من الاجتياح غير المحسوب للبضائع الأجنبية، كما أنهم يشهدون له أيضا، بالحس الاجتماعي الذي دفعه للدخول مع النسيج الجمعوي بالدار البيضاء، منذ نحو أربع سنوات، في شراكة تمثلت في تمويل العديد من المشاريع الطموحة ذات الطابع الاجتماعي، و في هذا الصدد تربطه علاقات مع عبد الله زعزاع. كما دافع وهو على رأس جمعية منتجي النسيج على ما اصطُلح عليه بالحد الجهوي للأجور، الذي من شأنه – حسب رأيه – توزيع نشاطات الجهات على تلك التي تعرف نسبة تشغيل ضعيفة.

أما منتقدوه فينسبونه إلى تلك الزمرة من المستثمرين المغاربة، الذين يحرصون أشد الحرص، على عدم إثارة " غضب " المخزن الجديد، للاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن، وذلك بالابتعاد أميالا عن مجالات التصنيع التي تتواجد بها استثمارات كبار المخزن. ويؤاخذونه كذلك على الاستفادة " الميكيافيلية " من " قواعد اللعبة الاقتصادية غير الواضحة " في المغرب.

مهما يكن، فإن الرجل يُعتبر واحدا من أنشط رجالات الاقتصاد والإنتاج الوطنيين، وتسجل شركاته الصناعية في مجالات النسيج والتأثيث عاما بعد آخر أفضل النتائج.


فؤاد عالي الهمة: ثروة صديق الملك من أسرار الدولة
الرجل معروف بأنه الثاني في هرم السلطة بالمغرب، من جانبها التنفيذي، لا البروتوكولي، ويستمد ذلك من صداقته للملك محمد السادس، منذ أن كانا في فترة اليفاعة، ويفسر بعض المتسقطين لأخبار ما وراء " باب تواركَة " الأمر بالقول: أن ثمة الكثير من نقاط التقاطع بين شخصيتي الملك وصديقه الهمة، واكتشافهما لذلك يعود لسنوات طويلة هي التي انصرمت على تجاورهما على مقاعد الدراسة، منذ نهاية منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، حيث إن حظ الطفل عالي الهمة، ابن المعلم البسيط في مدينة بنجرير، شاء أن يتم اختياره ضمن شلة دراسة ولي العهد محمد في المدرسة المولوية.

واليوم فإن ذلك القدر الذي حول طفل الرحامنة، من مساره المغمور، كما أيها أطفال المغرب العميق، إلى آخر تماما مفروشا على سجاد ملكي، جعل فؤاد عالي الهمة، في قلب المتغيرات السياسية لمغرب ما بعد الحسن الثاني، حيث إن حركاته وسكناته، تحظى باهتمام طبقة سياسية ضعيفة في مجملها، تبحث عن البوابة " الناجحة " للولوج إلى " حضرة الملك ". وقد تأكد لهم أن الرجل – أي الهمة – هو مفتاحها الحقيقي، كما أن الصحافة الناشئة بالمغرب، والباحثة عن بصمات الحكم التنفيذي، الفعلي لا المجازي، وجدت فيه " بصري " جديد، يُمسك بمقاليد العديد من ملفات المملكة، غير أن الجانب الذي ظل غامضا من نفوذ الهمة، يرتبط بالمجال المالي، فعكس الكثير من المُقربين من محمد السادس، ككاتبه الخاص محمد منير الماجيدي، الذي أصبحت أخبار ثرائه الفاحش، على أكثر من لسان وقلم، فإن الهمة أحاط مصادر أمواله بستار كثيف من السرية والغموض، ومن النادر جدا أن تجد مَن يتوفر على معطيات مضبوطة عن " ثروة صديق الملك ".

بيد أن مناسبة ترشح الرجل للانتخابات التشريعية الأخيرة، ونزول العديد من رجال المال والأعمال والفن والرياضة إلى معترك دائرة الرحامنة، دفع الكثيرين للتساؤل عن مصدر الأموال الطائلة التي أُغدقت على الجانب " اللوجيستيكي " من حملة الهمة، وتساءلوا بنفس المناسبة عما إذا كان صديق الهمة، يتوفر أيضا على " صنبور " مال في أيام الله العادية مصدره " أريحية " نفس رجال المال والأعمال، الذين آزروه بالدرهم الرنان في حملته الانتخابية. تساءلنا مع السائلين، فأكدت لنا مصادر موثوقة، أن ثمة حسابات مالية جارية في عدد من الأبناك المغربية، يغذيها بانتظام رجال مال وأعمال، وتقنوقراطيون برجوازيون، وجدوا أنهم مُطالبون في إطار أسلوب حكم " العهد الجديد " ليس بلعب ادوار سياسية فحسب (على غرار ما كان عليه الأمر مع الوزير الأول السابق إدريس جطو ووزير الفلاحة والصيد االبحري حاليا عزيز أخنوش) بل مالية أيضا، وهم يفعلون ذلك عن " وعي حاد " بأنه ليس هناك أي درهم يُصرف على المخزن ورجاله، سيضيع " أجره ".

محمد الأشعري: من فتى اتحادي مغمور إلى وزير صاحب الجلالة
صحيح إن السيد محمد الأشعري ليس على ثراء رجل الأبناك المعروف عثمان بنجلون، كما أنه ليس بغنى رجل الأعمال عزيز أخنوش، حتى " يُبرر " وجوده ضمن هذه العينة من كوكبة " صحاب لفلوس " المغاربة، التي نخصص لها ملف هذا العدد، غير أن ثمة مبررا وجيها يمثل في انتسابه لعينة الذين تسلقوا المراتب الاجتماعية من القاع إلى " القمة "، وتتشخص هذه الأخيرة في المنصب الوزاري، الذي حول فتى مغمورا من مدينة إدريس زرهون، لم يُكمل تعليمه الجامعي، إلى مليونير.

إنه واحد من الاتحاديين، الذين عرفوا كيف يخلطوا و " يُجلطوا " أكثر من مسار، غير أنه لا أحد كان يرشح ذلك الشاب الخجول، النحيف القصير القامة الذي كان يرتقي الدرجات الحزبية في مكتب فرع حزب القوات الشعبية بمولاي إدريس زرهون، منذ زهاء ثلاثة عقود ليصبح، بعد بضع سنوات، واحدا من " أبرز " مثقفي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

عرف الشاب، الذي يُنسب إلى أصول ريفية بمدينة الناظور، كيف يُقنع مؤتمرا للشبيبة الاتحادية الذي عُقد خلال سنوات ثمانينيات القرن الماضي، أن يكون ضمن أعضاء المكتب المسير للمنظمة الموازية المذكورة، ليس ذلك فقط، بل وأن يظفر بمنصب عمل في جريدة الحزب. ومن هناك انطلق مصيره السياسي والوظيفي، حيث كثف من حضوره الشعري، والثقافي في زمن كان فيه حزب الاتحاد يحشد كل " الهمم " ليجعل رأسماله السياسي شاسعا، بما يليق بحزب المهدي وعمر، وكانت الطريق ممهدة، من عضوية الشبيبة الاتحادية، إلى اللجنة المركزية، وفي مقر جريدة الاتحاد الاشتراكي بالرباط عرف " الزرهوني " كيف " يغزل " شبكة علاقاته ليس السياسية فقط، من خلال مراسلات الفروع، بل أن " ينسج " أيضا علاقات مع المثقفين والشعراء والكتاب، سواء من حواريي الاتحاد، أو خارجه. بل الأكثر من ذلك أنه أصبحت لديه علاقات صداقة ثقافية، مع العديد من شخصيات القلم والفكر والقريحة الشعرية، عبر أنحاء البلاد العربية، وبالأخص منها بلدان الخليج، حيث لاكت بعض الألسن صحبته الوثيقة بالملياردير والشاعر الكويتي مانع سعيد العتيبة ونظيره سعيد البابطين.

وكانت فرصة العمر بالنسبة للرجل، الذي ظهرت عليه آثار البدانة شيئا فشيئا، مع تخطيه لسن الثلاثين، حين تم اعتقاله في بداية الثمانينيات، عقب إحدى الإضرابات الاجتماعية، فهناك صُنع " رأسماله " السياسي، الذي أعده لتسلم مهمة إدارة مكتب جريدة الاتحاد الاشتراكي بالرباط، وتوقيع عموده الجيد الذي اشتهر حينها تحت عنوان " عين العقل " ثم " ركوب " قارب اتحاد كتاب المغرب لثلاث ولايات متتابعة. وبمجيء صفقة التناوب، بين الحسن الثاني وعبد الرحمان اليوسفي (الأشعري محسوب على جماعة هذا الأخير الحزبية) كانت الطريق قد أصبحت سالكة، لتسلم منصب حكومي، لكن كان على صاحب ديوان " سيرة المطر " ورواية " جنوب الروح " أن ينتظر التعديل الحكومي الأول على تشكيلة اليوسفي، بل الأكثر من ذلك " مرافعة " صديقه اندري ازولاي لدى الحسن الثاني، ليُصبح ذا وزارتي الاتصال والثقافة، وبذلك أصبح الأشعري " قياديا اتحاديا "، سيما مع عضويته للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي. يقول كثيرون أن آثار النعمة الواضحة ظهرت على الوزير محمد الأشعري، حينما بدأت تتهاطل عليه تعاقدات صفقات أوراش قطاعية عديدة، لبعض أقربائه، وبذلك يكون قد استفاد بشكل " مشروع " من تركة التناوب.

وقد كان مفاجئا للكثيرين، أن صحافي جريدة الاتحاد الاشتراكي، السابق الذي كان يقضم ساندويتش " بوكاديو "، كأي صحافي بروليتاري، بمكتب الجريدة بمقر ديور الجامع، أصبح يملك منزلا فخما بحي الرياض، ويتنقل في سيارة فارهة.

صحيح أن صاحبنا الأشعري ليس على ثراء رجل الأبناك عثمان بنجلون، لكنه نموذج للإثراء " المشروع " من خلال المنصب السياسي، وهذه لازمة مخزنية مغربية، حيث يحرص دهاة النظام السياسي ببلادنا، على اقتناص رؤوس المعارضة السياسية والمدنية، وتمريغهم في بحبوحة العيش، فينسون بسرعة " عين عقلهم " ويلتفتون أكثر ل " عقر البطن ".

محمد الأشعري، ذلك الفتى النحيف، الذي لم يُكمل تعليمه الجامعي، الذي قبع في مكتب فرع حزب المهدي وعمر، بمدينة زرهون، منذ عقدين من الزمن متحينا الفرصة المُناسبة للانقضاض على طوق نجاة من الهامشية، أصبح اليوم وزيرا متقاعدا، مليونيرا، يلوك رزقه " الوفير "، وفي ذلك " عين عقل " الحقيقية في بلد الشظف.


بقلـــم: ادريس ولد القابلة

عن موقع مجلة الشعب

بروكسيل في 19/09/2011

ليست هناك تعليقات: