الأحد، 30 أكتوبر 2011

ما هي الفلسفه الماركسيه؟


مصير الشعائر التقدمية..
هل تبعث الحياة في من كان ميتا؟؟؟

في عصر العولمة يزدهر حديث نهاية الإديولوجيا، وتظهر أفكار جديدة تتجاوز منطق الإشتراكية والرأسمالية وعصر الفلاحة والصناعة والحداثة لما بعد الحداثة، أي لبناء وإدارة مجتمع المعرفة.. إنه عصر التقنيات وثورة المعلومات الذي أصبح يصنع واقعا جديدا عبر التأثير في أنماط السلوك والتفكير والتوجهات.. والذين يخشون التغيير ويتشبثون بهوياتهم القديمة ويدافعون عن تصوراتهم المستهلكة لا يستطيعون استشراف المستقبل.. بل كل ما يفعلوننه أنهم يعيدون إنتاج الماضي بمآزقه القديمة.. كما أن الذين يرفضون قراءة الأفكار القديمة، لا يستطيعون بدورهم انتقادها ولا فهم عملية التحول والتطور الخطي الذي طرأت عليها. ننشر هذا المقال حول الفلسفة الماركسية الكلاسيكية كما كتبه صاحبه لنسأل الرفاق في النهاية:  ... / ...


·    إذا كانت "المادية الديالكتيكية" تقوم على أساس ثالوث أرسطو في علم المنطق، و "المادية التاريخية" تدعي أن كل شيئ يخضع للتحول ومصيره التطور.. فلماذا لم تتطور الفلسفة الماركسية انسجاما مع مقولاتها واحتراما للأسس والقواعد التي قامت عليها؟؟؟
 
يقول كاتب المقال:
الماركسية، أو الاشتراكية العلمية، هي الإسم الأول لمجموعة الأفكار التي استنبطت اولاً من قبل كارل ماركس (1818 - 1883) وفريدريك انجلس (1820 - 1895). وهي في مجملها، تقدم قاعدة نظرية مخططة ومتكاملة لنضال الطبقة العاملة من أجل بلوغ شكل أعلى من المجتمع الانساني - الاشتراكية. وتقع الماركسية تحت ثلاثة عناوين رئيسة، تتماثل بشكل واضح مع الفلسفة، والتاريخ الاجتماعي، وعلم الاقتصاد: "المادية الديالكتيكية" و "المادية التاريخية" و "علم الاقتصاد الماركسي". وقد وصف لينين هذه العناوين على انها "الأجزاء الثلاثة المكونة للماركسية".

ولتعزيز دراسة الماركسية فإنني انوي تقديم موجز للمبادىء والقوانين الأساسية للمادية الديالكتيكية. فالمادية الديالكتيكية هي جوهر النظام الفلسفي للماركسية - اللينينية وأساسها المنهجي 
.

·       فما هي المادية الديالكتيكية؟ وهل تحتاج فلسفة؟

لأولئك الذين ليسوا مطلعين على الفلسفة الماركسية، قد تبدو المادية الديالكتيكية مفهوماً غامضاً وصعباً. ولكن بالنسبة للذين استعدوا لأخذ الوقت اللازم لدراسة هذه الطريقة الجديدة للنظر إلى الأشياء، فإنهم سيكتشفون استشرافاً ثورياً سيتيح لهم نفاذ بصيرة وفهماً لأسرار العالم الذي نحيا فيه. إن فهم وإدراك المادية الديالكتيكية هو متطلب أساس مسبق لفهم مبدأ الماركسية.  المادية الديالكتيكية هي الفلسفة الماركسية التي تمدنا بالإستشراف العلمي والشمولي للعالم. إنها الأساس الفلسفي - النهج والطريقة -  الذي تأسس عليه مجمل المبدأ الماركسي.

وحسب ما قاله انجلز، الديالكتيك كان "أداة العمل الأفضل أو السلاح الأمضى". وهي توفر دليلاً ومرشداً لعملنا ونشاطاتنا داخل حركة الطبقة العاملة. إنها مشابهة للبوصلة أو الخريطة، التي تتيح لنا وضع خطواتنا وسط اضطراب الأحداث وتسمح لنا بفهم العمليات التحتية والأساسية التي تشكل عالمنا، سواء أحببنا ذلك أم لا، وبوعي أو بلا وعي، كل واحد له فلسفة. فالفلسفة هي ببساطة طريقة النظر إلى العالم. في ظل الرأسمالية، وبدون فلسفتنا العلمية، فإننا سنتبنى حتماً الفلسفة المهيمنة للطبقة الحاكمة والأحكام المسبقة للمجتمع الذي نعيش فيه. "الأشياء لن تتغير على الإطلاق" و "التاريخ دائماً يعيد نفسه" هي عبارات شائعة تتكرر على نحو موصول، وتعكس عبث محاولة تغيير الأشياء والحاجة لتقبل نصيبنا في الحياة. هذه الأفكار، كما شرح ماركس، تشكل عبئاً ساحقاً على وعي الرجال والنساء.

وتماماً كما تحدت البرجوازية الناشئة في ثورتها ضد المجتمع الاقطاعي الأفكار المحافظة للأرستقراطية الإقطاعية القديمة، هكذا هي الطبقة العاملة، في نضالها من أجل مجتمع جديد، تحتاج الى تحدي نظرة الهيمنة لمضطهدها وظالمها الخاص، الطبقة الرأسمالية. وبالطبع الطبقة الحاكمة، عبر الرقابة الإحتكارية لوسائل الاعلام، والصحافة والمدارس والجامعات والوعاظ، تبرر بوعي تام نظامها الإستغلالي، وأنه "الشكل الأكثر شرعية وسوية للمجتمع". إن آلة الدولة القمعية و "جماعتها المسلحة من الرجال" ليست بالكافية للحفاظ على النظام الرأسمالي. وإن الأفكار والمبادىء الأخلاقية المهيمنة للمجتمع البرجوازي تخدم كدفاع حيوي للمصالح المادية للطبقة الحاكمة. وبدون هذه الأيديولوجيا القوية، لا يستطيع النظام الرأسمالي ان يصمد طويلاً.

ويقول لينين، "بطريقة أو اخرى، كل العلم الرسمي والليبرالي يدافع عن عبودية الأجر". وتوقع ان يكون العلم نزيهاً وغير متحيز في مجتمع العبد المأجور يعتبر حماقة وسذاجة تماماً كتوقع النزاهة وعدم التحيز من اصحاب المصانع حيال مسألة : ما اذا كانت أجور العمال يجب أن لا تزاد من خلال تقليص أرباح رأس المال.

إن الأيديولوجيا البرجوازية الرسمية تدير حرباً قاسية لا تلين ضد الماركسية، التي تراها - وهي على صواب - كخطر قاتل للرأسمالية. وقد شجب "طوني بلير" الماركسية لأنها "عقيدة ضيقة التفكير وبالية". لقد سكب الكتاب والأساتذة البرجوازيون سيلاً يتدفق من الدعاية في محاولة لتشويه سمعة الماركسية - وبخاصة الديالكتيك. وكان هذا بشكل خاص الحال منذ انهيار جدار برلين والهجوم الأيديولوجي الضاري ضد الماركسية، والشيوعية والثورة وما إلى ذلك. "الماركسية ماتت" لقد كرروا ترديد هذا الإدعاء وكأنه تعويذة دينية. ولكن الماركسية أبت ان تنحني أمام هؤلاء المشعوذين!.. إن الماركسية تعكس الإرادة التلقائية للطبقة العاملة لتغيير المجتمع، ومصيرها مرتبط بمصير البروليتاريا.

ويؤكد المدافعون عن النظام الرأسمالي، إلى جانب أشباههم في الحركة العمالية وبإستمرار أن نظامهم هو الشكل الطبيعي والدائم للمجتمع. ومن ناحية أخرى يؤكد الديالكتيكيون انه لا شيء دائم، وكل الأشياء تهلك وتفنى في وقتها. وتشكل مثل هكذا فلسفة ثورية تهديداً عميقاً للنظام الرأسمالي، ولذلك لا بد من تشويه سمعته مهما بلغ الثمن. وهذا يشرح الدعاية المعادية للماركسية التي ترغي وتزبد يومياً. ولكن كل خطوة حقيقية للأمام في العلم والمعرفة تؤدي لتأكيد صحة الديالكتيك. وبالنسبة لملايين البشر فإن أزمة الرأسمالية المتنامية تظهر مدى صلاحية الماركسية. إن الحالة الموضوعية تجبر الشغيلة على البحث عن طريق للخلاص من هذا المأزق. قال لينين: "إن الحياة تعلمنا".  وفي وقتنا الحاضر، تستخدم  الكلمات الشهيرة ضد الشيوعية: "إن شبحاً ينتاب اوروبا، انه شبح الشيوعية".

وفي النضال والكفاح من أجل تحرير الطبقة العاملة، تشن الماركسية حرباً لا تلين ضد الرأسمالية وأيديولوجيتها، التي تدافع عن/و تبرر نظامها الاستغلالي "إقتصاد السوق".  إلا أن الماركسية تفعل ما هو أكثر من هذا.. فالماركسية تزود الطبقة العاملة "بوجهة نظر عالمية متكاملة تتناقض مع أي شكل من المعتقدات الخرافية، ورد فعل أو دفاع ضد القمع البرجوازي" (لينين). إنها تسعى لكشف العلاقات الحقيقية التي توجد في ظل النظام الرأسمالي وتسلح الطبقة العاملة بالفهم والوعي لكيفية تمكنها من الوصول إلى تحريرها. إن المادية الديالكتيكية، إذا ما استخدمنا كلمات الماركسي الروسي بليخانوف هي أكثر من وجهة نظر، إنها "فلسفة الفعل".


حدود المنطق الرسمي أو المنهجي
الرجال والنساء يحاولون التفكير بأسلوب عقلاني. المنطق (من المبدأ العقلاني اليوناني في الكون يعني الكلمة أو السبب) هو علم قوانين التفكير. ومهما كانت الأفكار التي نفكر بها، ومهما كانت اللغة التي تم استخدامها للتعبير عنها، يجب أن تفي بمتطلبات التفكير. وتعطي هذه المتطلبات نهوضاً وبعثاً لقوانين التفكير. إنه الفيلسوف اليوناني أرسطو (384 - 322 قبل الميلاد) أي منذ اكثر من 2000 عام الذي شكل النظام الحالي للمنطق الرسمي - النظام الذي يعتبر الأساس لمؤسساتنا التعليمية إلى هذا اليوم. لقد صنف طريقة الكيفية التي يجب علينا ان نفكر ونقنع بالحجج والمنطق من خلالها، وكيف تجمع وتوحد العبارات من أجل الوصول إلى الأحكام، ومن خلالها كيف يتم رسم الإستنتاجات والخواتم.

لقد وضع ارسطو ثلاثة قوانين أساسية للمنطق : مبدأ التماثل أو التطابق حرف( إي) يساوي (إي) ومبدأ التناقض (إي) لا يمكن أن يكون  (إي) وليس (إي)، ومبدأ الوسط المستثنى (إي) إما أنه (إي) أو ليس (إي) ولا يوجد هناك بديلاً وسطاً.

لقد امسك المنطق الرسمي أو المنهجي بالسيطرة لأكثر من ألفي عام، وكان أساس وقاعدة التجربة والخطوات العظيمة إلى الأمام التي قطعها العلم الحديث. كما أن تطور علم الرياضيات قام على هذا المنطق. إنك لا تستطيع أن تعلم طفلاً الجمع بدونه. واحد زائد واحد يساوي اثنان وليس ثلاثة.  وقد يبدو المنطق الرسمي أشبه بالفطرة السليمة، وهو مسؤول عن انجاز مليون وواحد من الأمور كل يوم. ولكن - وهذه لكن كبيرة - أن له حدوده، فعند التعامل مع عقد المقارنات لعملياتنا والأحداث المعقدة، فإن هذا المنطق يصبح غير كاف تماماً كطريقة تفكير. وهذا هو الحال بشكل خاص عند التعامل مع الحركة والتغيير والتناقض. فالمنطق الرسمي حيال الأشياء هو ثابت وعديم الحركة. وبالطبع هذا ليس إنكاراً للفائدة اليومية للمنطق، بل على العكس، لكننا نحتاج لإدراك وتمييز حدوده.

إن الديالكتيك ليس تخيلاً أو تصوفاً، ولكن هو علم أشكال وصور تفكيرنا بقدر ما هو غير محدود للمشكلات اليومية للحياة، ولكن محاولات الوصول إلى فهم عمليات معقدة ومطولة. إن الديالكتيك والمنطق المنهجي يحملان علاقة شبيهة لتلك الموجودة بين الرياضيات الأعلى والأدنى.

مع تطور العلم الحديث، فإن نظام التصنيف كان قد استند على المنطق الرسمي، حيث كل الأشياء الحية قسمت إلى جنس بشري وترتيبات.  وهذ شكل قفزة عظيمة في علم الأحياء مقارنة مع الماضي.  ومع ذلك هو نظام ثابت وصارم، بتصنيفاته الصارمة، والذي مع مرور الوقت انكشفت حدوده.  وقد أظهر "داروين"، على وجه الخصوص، أنه ومن خلال النشوء كان من الممكن لأحد الأجناس أن يتحول إلى جنس آخر.  وبناء على ذلك، فإن النظام الصارم للتصنيف يجب أن يتغير لفسح المجال أمام هذا الفهم الجديد للواقع.  وفي الواقع، إن نظام المنطق الرسمي والمنهجي قد أخفق ودمر.  فهو لم يستطع التعامل مع التناقضات.  ومن ناحية أخرى، فإن الديالكتيك - منطق التغيير - يشرح بأنه لا يوجد هناك تصنيفات مطلقة أو ثابتة في الطبيعة أو المجتمع.

إنها "المادية الديالكتيكية" فقط التي تستطيع أن تشرح وتفسر قوانين النشوء والتغيير، والتي لا ترى العالم كمجموعة مركبة من الأشياء جاهزة الصنع، ولكن كمجموعة مركبة من العمليات، التي تسير عبر تحول سلس لا يعيقه شيء نحو النشوء والفناء.

ترجمة لمقال: ديمس روفيكس

بروكسيل في 30 أكتوبر 2011

ليست هناك تعليقات: