الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

ارحــــــل أيهـــا الدجــــــال...

  بقلــــم: ياسيـــــن شـــــرف
أيها الدجال الصغير،     
يوم منحت الشعب دستورا على مقاسك، وزورت الإستفتاء.. بدأ عصر جديد من الإنحطاط.. لأن الإنحطاط ليس سببه الجهل بمبادئ الديموقراطية، بل الجهل بقيم الإنسان..

يوم تاجرت بالدين في سوق السياسة، وضحيت بالقيم النبيلة والمبادئ الشريفة على مذبح العرش، تحولت من قديس إلى عاهرة... / ...
 
-         ماذا نصنع بنظامك البئيس، الذي تحول إلى عبئ على نفسه وعلى البلاد والعباد؟

-         ماذا نفعل في هذا الوطن، الذي يمارس العدوان على أبنائه، بعد أن تحول إلى ماخور فساد؟

-         ماذا نصنع بهذا الملك الدجال، الذي يخاف أن يسمع صوت شعبه، حتى لا يطير النوم من أجفانه، ويستبد بعقله جنون البرانويا؟

لم يعد من الممكن بعد اليوم معارضة الحكومة لأن السلطان هو الحكومة، ولم يعد من المقبول الحديث عن المؤسسات بعد أن اختزلت جميعها في شخص الطاغية، وتحولت الأحزاب إلى دكاكين سياسية على عتبات مخزنه العامر، وأصبح القانون شريعة خاصة يطبقها الراعي في مملكة الخرفان..

قبل 20 فبراير، كان الوطن معتقلا والناس كالجرذان، وكان الشعب بلا إحساس وبلا لسان محاصر بين الجذران.. وكانت ذئاب مخابراتك تحصي أنفاسنا، وتتبع خطانا، وتقرأ أفكارنا، وتحلل أحلامنا، وتدبج لك التقارير اليومية عن نوايانا فتقدمها لك في ملف بعنوان: "المغرب هذا الصباح"..

في عهدك أيها الطاغية هجرنا العلم والمعرفة، ولم نعد نقرأ كتب التاريخ والفلسفة، ولا موطأ مالك وكتب التفسير، حرقنا مؤلفات لينين وهيجل وماركس.. ومحونا من ذاكرتنا خلفيات الفتن الصغرى والكبرى، وكفرنا بشورى الخوارج وبنو أمية، وبديمقراطية الرومان واليونان، ووتركنا وراء ظهورنا مبادئ الأنوار، ومزقنا كل عهود ومواثيق حقوق الإنسان الدولية والكونية.. ثم تحولنا إلى تلاميذ نتعلم القراءة من أخطائك، ونكتب على الجدران شعارات المعرفة الأولى لنخرج من عصرك المتخلف وندخل عصر الحضارة..

وبعد أن صبرنا حتى مل منا الصبر، ويئسنا حتى لم نعد نشعر باليأس، وظننا أن ظلمك وفسادك واستبدادك قدر مقدور علينا، خرج لك من رحم الشعب جيل غاضب مكافح، لا يغفر الأخطاء ولا يسامح، جيل ثائر عملاق.. يصرخ بلا خوف: "إرحل أيها الدجال باحترام، قبل أن ترحل مهانا ذليلا كصرصار..".

بالأمس كانت لك الفرصة لتنقد نفسك وعرشك وتاريخك.. فضللت نفسك وأخذتك العزة بالإثم فأضعت فرصتك الأخيرة..
        
انتظرنا خطابك بمناسبة ذكري جلوسك على عرش أسلافك الهالكين، و في القلب غصة على ضياع كل هذه العقود و السنين..

انتظرنا الجديد الذي قد يحمله، وفي المخيلة ذكرى لعشرات الخطابات التي مرت، ولم يتغير شيء يذكر في واقع هذا الشعب المسكين..

توقعنا خطابا ثوريا يعلن القطيعة بين عهدين: عهد القداسة و الظلم و الفساد، وعهد جديد يكرس سلطة الشعب،  عبر مؤسسات الشعب، التي تسمع صوت الشعب،  و تخضع لإرادة الشعب، و تحاسب من قبل الشعب..

... فجأة، خرجت علينا بجلباب الأمير التقليدي و الطربوش المخزني والمضل الملكي بلا حصان بعد أن لفضك الحصان.. فانطلقت أصوات عبيد المشور السعيد، تردد بنغمة واحدة: " الله يبارك عمر سيدي "، وعقب كل تكبيرة تنحني وتركع.. لتذكرنا بأن لا شيء تبدل، ما دام الواقف الذي يهتف له هو نفس الطاغية الذي خبرناه، و المتأله الذي عرفناه باسم "هبل"..

وصلت الرسالة، وفهمنا أن الطقوس لم تتغير، وأن المخزن العتيق غير مستعد للتنازل عن قداسته، و القبول بسيادة الأمة على ضيعته، و اقتسام سلطاته مع أبناء شعبه..

...ثم فجأة، تغير المشهد والديكور، فخرجت علينا بلباس رئيس الدولة العصري، لترشينا بخطاب حداثي، يتعلق بمزايا الدستور، و طرق تقعيد الدستور، و سبل تفعيل الدستور، وآجال تنزيل الدستور.. خطاب يذكرنا  بالثوابت المقدسة، و يعدنا بالحرية والكرامة، ويبشرنا بالغنى والرخاء..

ومرة أخري وصلت الرسالة، وفهمنا أن اليوم هو أسوء من الأمس، وأن الغد سيكون بالتأكيد أسوء منهما معا إذا صدقنا كلامك، وثقنا بوعودك، ووثقنا بعهودك.. وقديما قال الحكيم جحا: "من يجرب المجرب فعقله مخرب"..

ولأصدقك القول أيها الملك الدجال، عندما كنت أستمع بانتباه لخطابك، لم أكن أصغي إليك بأذن المواطن الواهم، ولا بقلب المتحزب الحالم، أو بعين المحلل السياسي المهتم بتفكيك الخطاب لإعادة قراءته من حيث المبنى و المعني..

استمعت إلى خطابك هذه المرة بعين البصيرة التي لا تخطأ، لأقرأ في عيونك ما يخالج نفسك المضطربة، وفي كلامك ما لا يقوله قلبك المسكون بالرعب من شعبك..

مشكلتك أيها الحاكم المتسلط لا تكمن في شعبك الذي انفجر في وجهك، بل في عقدة التفوق التي تشعر بها نحوه، والتي تحولت بقدرة قادر إلى الوجه الآخر للشعور بالنقص تجاهه..

لقد استنفذ نظامك كل إمكاناته، وأصبح عاجزا عن الاستجابة للمطالب التي ترفع في احتجاجات الداخل، كما أصبح غير قادر على مواجهة الأزمات والتحديات على صعيد العلاقات مع الخارج، خاصة دول الجوار..

مأزقك أيها الفرعون الصغير، يكمن في اعتقادك أنك تمثل صفوة الناس، وتجسد عقل الشعب، وتتحكم في حاضر الأمة ومستقبلها.. وبحكم هذا الوهم، أصبحت تمارس الوصاية على القيم، وتختزل الحقيقة، وتمسك بأجنحة الحرية، وتستأثر بموازين العدالة، وتتحكم بدواليب السياسة من دون شريك..

معضلتك أيتها الخوذة الحقيرة، تكمن في ظنك أنك بتحكمك في الدين تمتلك مفاتيح الخلاص، وبهيمنتك على السياسة تتحكم في أوراق المصير من خلال برامج الإصلاحات الشكلية ومشاريع التنمية الوهمية..

دورك يا أمير المنافقين انتهى بعد أن فقد وهجه وصلاحيته، لأنه مستورد من ثقافة القبور، ولأنه أصبح عائقا أمام انعتاق الشعب وانطلاقه نحو فضاءات الغد المشرق الجميل..

لقد تحولت أيها السلطان المريض من حصان أصيل يجر قاطرة الإصلاح والتنمية، إلى حمار أعرج لا يقوي على النهوض فبالأحرى المسير..
 
قراراتك يا عم كل الحمير تؤكد، أنك تشتغل من خارج الفهم الصحيح لمجريات الأحداث في العالم وحركات الشعوب.. لقد أصابك العقم على مستوى الرؤية والتفكير، واستنفذ نظامك كل أدواته العتيقة، وفقد بالتالي راهنيته، فتحول إلى زبالة يرفض التاريخ أن يخصص لها مكانا حتى في هوامشه المنسية..

سياساتك الفاشلة يا أمير الفاسدين و صلت إلى نهاياتها الحتمية، حين اصطدمت بالواقع الصارخ الذي تصنعه التحولات الهائلة نتيجة الثورات المفاجئة.. و وعودك المكرورة الكاذبة، لم تعد قادرة على الصمود أمام أحلام الشعب العظيمة، لأنها أحلام بعمر السنين، فلا تقاس بطول لسانك، ولا تختزل في فضاء أوهامك..

لقد تحول نظامك أيها الطاغية إلى عبئ على البلاد وعلى نفسه، ولم يعد المغاربة يتمسكون به كما كان الأمر زمن الجاهلية الأولى.. اليوم تغيرت الصورة وتبدل الوعي بعد أن تغيرت المفاهيم القديمة، و أصبح الناس يتساءلون:

-         إذا كان المغرب هو أجمل بلد في العالم كما يروج لذلك نظامك، فلماذا لم نسمع عن شيء اسمه الهجرة العكسية من أوروبا إلى المغرب؟

-          وإذا كان المغرب هو دولة الحريات والحقوق و المؤسسات كما يطيب لك أن تردد في كل خطاباتك، فلماذا لم نشهد تهافتا على اللجوء السياسي إلى دولة الحق والقانون؟

-         ولماذا لم نلحظ ازدحاما من طالبي الجنسية، الراغبين في العيش في نعيم الحلم المغربي الذي صنعته مشاريعك الوهمية؟

المغاربة يا أمير الفساد والاستبداد، بحاجة لصوغ نظام جديد للبناء والتنمية والعمل والتواصل على كل المستويات.. نظام يقوم على أنقاض نظامك المفلس المتهاوي.. نظام يحول المغرب من دولة اوتوقراطية و بوليسية تنهش أجساد الناس وتعتو في الأرض فسادا و في العباد ظلما و استبدادا، إلى دولة حرة، سيدة، مستقلة.. دولة الإنسان التي تحترم القيم الكونية المشتركة بين جميع البشر دون تمييز أو إقصاء..

لقد دار الزمن دورته وانتهى عهدك إلى غير رجعة.. فارحل باحترام أيها الدجال قبل أن ترحل، واترك الناس يصنعون غدهم المشرق بحرية وسلام.. فأنت خارج سرداب القصر لا تصلح أن تكون إنسان..

...لذلك، خد حاشيتك وعدتك المخزنية معك، ولا تنسى جواز سفرك الإسرائيلي، وضع حذائك في فمك، وامسك تلابيب جلبابك بيدك، وارحل بسرعة أيها الدجال قبل فوات الأوان...


·       ياسين شرف

بروكسيل في 04 من أكتوبر 2011


 

ليست هناك تعليقات: