الجمعة، 21 أكتوبر 2011

منبـــر الجمعـــة..

   بقلـــم: ياسيـــن شـــرف
فـي معنــى لفــظ
" قـــرآن "


      كما هو الأمر في معظم قضايا الدين، ليس هناك اتفاق بين المفسرين و المهتمين بعلوم القرآن حول المعنى الدقيق لكلمة "قرآن"، ذلك أنهم انقسموا إلى طائفتين: ... / ...


     طائفة تقول أن لفظ  "قرآن" غير مهموز: "قران": يعني أنه ليس من القراءة باعتبار أنه إسم علم (بفتح العين واللام) - غير مشتق - لكتاب الله، مثلما أن التوراة إسم علم للكتاب الذي أنزل علي موسى (ع)، والإنجيل إسم علم للكتاب الذي أتي به عيسى (ع)، ومن هذه الطائفة:

  •        الإمام الشافعي: الذي يقول أن لفظ القرآن المعرف ب (ال) ليس مشتقا ولا مهموزا، بل ارتجل ووضع علما على الكلام المنزل على النبي (ص)، وبالتالي، لا يعتبر الشافعي أن كلمة القرآن قد أخذت من "قرأت" بمعنى "تلوت"، لأن الأمر لو كان كذلك لكان كل ما قرئ قرآنا، ولكنه مثل التوراة والإنجيل (لسان العرب لابن منظور، مادة قرأ: 3/42).

  •       الفراء: الذي يقول أنه مشتق من القرائن (جمع قرينة)، لأن آياته يشبه بعضها بعضا، فكأن بعضها قرينة على بعض، وأن النون في قرائن تعتبر أصيلة (المدخل لدراسة القرآن الكريم – محمد أبو شهبة: 19).

     و طائفة ثانية، تري أن لفظ "قرآن" مهموز، لكنهم اختلفوا في صيغته. فمنهم من قال أنه بمعنى "الجمع": قرأت الماء في الحوض: أي جمعته. وسمي "قرآن" لأنه جمع للسور بعضها إلى بعض. وآخرون قالوا أنه لا يقال لكل جمع قرءان، إنما سمي قرءانا لكونه جمع ثمرات الكتب والرسالات السابقة له. و قيل لأنه جمع أنواع العلوم كلها. و قال آخرون أنه سمي قرآنا لأن القارئ يظهره و يبينه. و القرآن يلقطه القارئ من فمه و يلقيه فسمي قرآنا. (مدخل إلى القرآن الكريم – ج 1 –  د. محمد عابد الجابري). ومن هذه الطائفة على سبيل المثال:

  •       إبراهيم السري الزجاج، المكني بأبي إسحاق: الذي يقول إن لفظ (القرآن) مهموز على وزن فعلان، مشتق من (القرء) بمعنى الجمع،  ومنه قرأ الماء في الحوض إذا جمعه، لأنه جمع ثمرات الكتب السابقة (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 1/113).

  •       اللحياني: الذي يقول أنه مصدر مهموز بوزن الغفران، مشتق من (قرأ) بمعنى تلا، سمي به المقروء تسمية للمفعول بالمصدر (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 1/113).

  •       الزرقاني: الذي يقول أن لفظ القرآن في اللغة مصدر مرادف للقراءة، و منه قوله تعالى: (إن علينا جمعه و قرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) سورة القيامة: 17 - 18.  حيث نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما للكلام المعجز المنزل على النبي محمد (ص) من باب إطلاق المصدر على مفعوله. هذا هو ما اختاره الزرقاني استنادا إلى موارد اللغة وقوانين الاشتقاق وفق قوله. و يضيف أن لفظ القرآن في الأصل مهموز، و إذا حذف همزه فإنما ذلك للتخفيف، و إذا دخلته (ال) بعد التسمية فإنما هي للمح الأصل لا للتعريف (مناهل العرفان للزرقاني: 1/14).

     ومهما يكن من أمر، فالذي يتبين من الثرات هو أن علماء السلف قد تعذر عليهم تحديد المعنى الدقيق للقرآن الكريم بالتعاريف المنطقية، استنادا إلى أجناس و فصول اللغة. و ما دام الأصل عندهم هو الترجيح العقلي بين مختلف المعاني اللغوية، فإننا من جهتنا سنتجنب الخوض في تفاصيل اللغة، وسنكتفي في تحديد معنى القرآن الكريم بالاستناد حصريا على ما يقول الله تعالى في قرآنه، لأن المعنى الحقيقي والدقيق الذي أكده واضعه، يوجد مبينا بوضوح شديد في القرآن نفسه.  و إذا كان لفظ " قرآن" المهموز في الحقيقة مشتق لغة من: (قرأ - يقرأ - قراءة - وقرءانا)، فهو بالضبط المعنى الاصطلاحي الدقيق الذي يزكيه القرآن  و يقره من خلال أول أمر الهي في أول آية من أول سورة نزلت على الرسول (ص): (اقرأ باسم ربك الذي خلق) العلق: 1.  و هو ما يفيد صراحة أمر القراءة باللسان، و بذلك يوافق المعنى اللغوي المفهوم الاصطلاحي و يطابقه، كما أن هناك العديد من الآيات التي تأكد نفس هذا المعنى، منها علي سبيل المثال لا الحصر: (و قال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القران والغوا فيه لعلكم تغلبون) فصلت: 26. الأمر الذي يشير إلى معنى السماع لكلام يتلي باللسان. و قوله: (و قرآنا فرقناه  لتقرأه على الناس على مكث و نزلناه تنزيلا) الإسراء: 106. و قوله (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) النحل: 98...الخ... 

و بذلك نكون أمام منهج رباني محكم في التفسير، أساسه تفسير القرآن بالقرآن و فهم معانيه من خلال آياته، لا من خارجها.  و كل ما قاله المفسرون حول ضرورة معرفة الشعر و اللغة و غيره من ثقافة العرب لتفسير القرآن ليس صحيحا تماما، لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين كما يؤكد الله تعالى في سورة الشعراء –آية: 195. من جهة، و لأنه سبحانه تكفل ببيانه من جهة أخرى، بدليل قوله تعالى في سورة القيامة – آية من 16 إلى 19: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه و قرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه). كما أن قوله تعالى: (إن علينا جمعه و قرآنه)، لا يفيد أن لفظ القرآن جاء هنا بمعنى الجمع، بل العكس تماما، حيث يفهم من الآية أن الجمع هو غير القراءة كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين في شرح معنى لفظ "قرآن". 

أما كيف يبين الله تعالى قرآنه لعبده المخلص النية المثابر على قراءة وتدبر كلامه الحي، فيكون ذلك عن طريق الوحي.. نعم الوحي، لأن الله تعالى يوحي للنحل والنمل والشجر والحجر ولمن يشاء من عباده.. فوحي السماء لا ينقطع أبدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن له أدنى شك في ما نقول فليجرب قراءة القرآن ليتبين له أن الله يضع في قلبه من كنوز المعاني ما لا يوجد في تفاسير الفقهاء.

وستكون لنا عودة إن شاء الله في إطار الكتابات المقبلة إلى هذا الموضوع الشيق الجميل.. وتكفي الإشارة هنا إلى أن الأعاجم في الغرب عندما يقرأون القرآن مترجما وليس حسب النص العربي الأصلي، تنتابهم حالة من الخشوع والندم والدموع، ويشعرون بأن نورا خفيا يغمر قلوبهم ويضيئ مكامن العتمة في عقولهم، فتفتح لهم كنوز المعاني المحجوبة. وهذا هو عين الإعجاز.. وليس الإعجاز مقتصر على النص العربي كما هو سائد في ثقافة العرب.. يقول تعالى: (ولو جعلناه قرانا اعجميا لقالوا لولا فصلت اياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) فصلت 44.

 
بقلم: ياسين شرف الدين

بروكسيل في 21 من أكتوبر 2011

ليست هناك تعليقات: