الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

إســـلام ضــد الإســـلام ...

بقلــم : ياسيـــن شـــرف
 مفهوم الإسلام
بين كلام الله وكلام الفقهاء
(3)

       الصلاة والزكاة 
(سورة الماعون نموذجا)
    
بتفحص القرآن الكريم وفق ترتيب مصحف عثمان الذي بين أيدينا، نجد أن كلمة "صلاة" قد وردت في العديد من السور والآيات، و عند البحث عن معناها الدقيق من خلال أمهات التفاسير، نكتشف أن كل المفسرين و بدون استثناء أجمعوا علي أن المعني المراد في القرآن هو "الصلاة المفروضة" التي شرعها الله تعالي لعباده. إلي هنا قد تبدو الأمور عادية و لا تثير أي لبس أو إشكال، لكننا بتدقيق المعني المراد من وراء هذه الكلمة في إطار إعادة قراءة القرآن، وفق مسار تكوين النص، بالتساوق مع أسباب النزول و مراحل الدعوة النبوية، نكتشف أننا أمام معضلة حقيقية اسمها "إشكالية المعني". و نفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لكلمة "زكاة".../...
 
     ولتوضيح هذا الأمر، نشير هنا علي سبيل المثال لا الحصر، إلي نموذج من التفسير الخاطئ الذي وقع فيه كبار مفسري هذه الأمة عبر العصور لاعتمادهم التفسير بالنقل دون العقل:



أ – التفكيك
     سورة الماعون تحتل الرقم 107 في ترتيب المصحف الكريم، و الرقم 17 وفق ترتيب النزول المعتمد من قبل الأزهر و غيره.

    تستمد السورة عنوانها من آخر كلمة في آخر آية (7) و هي "الماعون". و من تفكيك آياتها و إعادة قراءتها من خلال محورموضوعها، نكون أمام المكونات التالية:

·       الفئة المستهدفة بالخطاب: الذين "يكذبون بالدين".

·   صفتهم الذاتية: أنهم "مراءون". ففي هذه المرحلة المكية المبكرة، لم يستعمل القرآن مصطلح "منافقون" كما هو الحال في الحقبة المدنية (سورة البقرة مثلا) بل استعمل بدقة شديدة مصطلح "المراءون".

·       صفتهم الاجتماعية الظاهرة:

1 -   أنهم عن "صلاتهم غافلون".

2-   ومنهم من لا يحث علي "إطعام المسكين" و "يظلم اليتيم".

3-   و"يمنعون الماعون".

-     فمن كانت هذه صفاته، فهو المكذب بيوم "الدين" أي يوم الحساب والجزاء.

-    وسيكون جزائه "الويل"، و هو قول خطير، قيل يعني وادي في جهنم، و قيل صراخ من يقول و هو يعذب العذاب الشديد في أم الجحيم: "ويلي لسهوي عن صلتي بالله، وعدم حثي علي إطعام المسكين، وظلم اليتيم، وريائي وقطعي العون عن الناس".

      هذا النوع من التفكيك والربط الموضوعي، لا يصدم أحدا، و لا يتعارض مع وحدة البناء، ولا يخل بسياق المعني في السورة موضوع التحليل. لكن الأمر يختلف تماما عند الاقتراب من تفكيك المعني علي مستوي الكلمات المحورية التي وردت في السور، أي ( دين – صلاة – ماعون)، و مقارنتها بالتفاسير التي يزخر بها التراث.


ب – التفسير وفق ما ورد في التراث         
     بالعودة إلي التراث عبر العصور، وخاصة من خلال أمهات التفاسير لمختلف مدارس أعلام الأمة مثل:  (السيوطي - الطبري - القرطبي –  الرازي - الزمخشري – الزركشي - ابن كثير – البيضاوي -  الطبرسي – وغيرهم...)  نكتشف أن هناك شبه إجماع حول المعاني التالية:

·       دين :  القيامة و ما تمثله من حساب و جزاء.

·       صلاة : الصلاة المفروضة من ركوع وسجود.

·       ماعون : أغلب المفسرين قال أنه الزكاة – ومنهم من قال الأدوات كالفأس والحبل والدلو والقدر– و منهم من قال الماء والنار. و في الثرات العربي، يرمز الماعون إلي الماء.

     لكن المقاربة التاريخية الخطية لمعاني الكلمات المحورية المشار إليها أعلاه، بالمقارنة مع معظم التفاسير إن لم نقل كلها، تبين بوضوح أننا أمام معضلة مركبة ساهم التراث في ترسيخها علي مدي العصور، دون أن يتساءل مفسر ورع  و ذكي واحد، عن علاقة ما يفسره بسياقه التاريخي الواقعي من جهة، وتناسقه مع الحقائق القرآنية المرتبطة بالكون و التكوين من جهة ثانية. ذلك، أنه وباستثناء كلمة "دين"، حيث لا خلاف حول معناها في سياق السورة والذي يحيلنا إلي المعاني المترادفة التالية: (الآخرة – القيامة – يوم الحساب –  يوم الجزاء و العقاب - يوم العرض – يوم الدين -  البعث - الخ...)، نصطدم بالحقائق التالية:

1      أن سورة الماعون هي من السور المكية بإجماع معظم المفسرين. بل و تعتبر السابعة عشر في ترتيب النزول كما أسلفنا القول، أي أنها نزلت في سياق المرحلة المكية الثانية وفق تصنيف "بلانشار"، والتي تميزت بغني مضمون سورها وتركيزها علي البعث والحساب.  ويشار في هذا الصدد، الي أنه خلال هذه المرحلة لم يكن الرسول (ص) قد بدأ هجومه علي الأصنام، و لم يكن يدعو بعد إلي التوحيد. ويؤكد هذا السياق ما ورد في افتتاح السورة من تساءل استنكاري: "أرأيت الذي يكذب بالدين؟!". وحيث أن الأمر كذلك، فلا يعقل أن يكون المقصود بالساهين عن صلاتهم هنا، هم المنافقون الذين يغفلون عن الصلاة المفروضة و لا يقيمونها في وقتها. علما بأن الصلاة فرضت في المدينة و ليس في مكة و نفس الشيء يمكن أن يقال عن الزكاة، بحيث لا يمكن التسليم للمفسرين بأن المقصود بالماعون هي فريضة الزكاة.

     تذكر أسباب النزول، أن قوله تعالي: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ؟!}:

-         قال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلتُ في العاص بن وائلٍ السَّهْميّ.

-         وقال ابن جُرَيْج: كان أبو سُفيانَ بن حربٍ يَنحرُ كلَّ أسبوع جَزُورَيْنِ، فأتاه يتيمٌ فسأله شيئاً، فقرَعه بعصاً. فأنزل الله تعالى: {أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ}.

-         وقال آخرون أنها نزلت في أبو جهل.

    علي كل حال، لا يوجد إجماع بين المفسرين حول حقيقة أسباب نزول هذه السورة.

-         كما لم يرد شيء يذكر فيما يتعلق بالآيات 4 و 5 "فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون" أو ما يتعلق بالماعون (7) الذي اختارته السورة كعنوانا لها، والذي يحيل علي موضوعها الرئيس، ألا و هو التكذيب بالدين.

2      لكنه سيكون من المفيد التذكير هنا، بمحاولتين تفسيريتين استثنائيتين تفطن أصحابها إلي هذه المعضلة، فحاولا معالجتها دون المغامرة حد انتقاد ما ورد في الثرات من تناقض. لكن مقارباتهما التوفيقية حتى لا نقول "الترقيعية" لم تنجح في إجلاء  الغموض ورفع التعارض، مع الحفاظ علي وحدة المعني في السياق الموضوعي للسورة. يتعلق الأمر بسيد قطب وبالدكتور محمد عابد الجابري، مع الإشارة إلي أن "في ظلال القرآن" لسيد قطب تعتبر خواطر جامحة علي هامش القرآن وليس تفسيرا بالمفهوم المتداول تراثيا.  أما د. محمد عابد الجابري، فلا يمكن اعتباره مفسرا بل أستاذا باحثا مجتهدا، يتناول قضايا الإسلام ومعاني القرآن من منطلق المنهجية العقلانية دون التحرر من قيود واكراهات النقل إجمالا.

الأول إذن هو سيد قطب الذي اعتبر في تأملاته من خلال "في ظلال القرآن"، أن سورة الماعون مكية في بعض الروايات ومكية مدنية في روايات أخري لم يشر إليها، مرجحا أن تكون الآيات الثلاث الأولي مكية في حين اعتبر الباقيات مدنية. هذا مع إقراره بأن السورة كلها وحدة متماسكة، ذات اتجاه واحد، لتقرير حقيقة كلية من حقائق هذه العقيدة.  يقول: "مما يميل بنا إلي اعتبارها مدنية كلها". وهو بذلك يعني مسألة "المنافقين" التي تعتبر من المواضيع المتأخرة التي أثيرت في المرحلة المدنية، جاعلا من الآية: " الذين هم يراءون"  قطب الرحى الذي يدور حوله موضوع السورة المركزي. في حين أن ما أرادت تقريره السورة في هذه المرحلة الثانية من الوحي المكي وفق ما يستفاد من السياق التاريخي والموضوعي للسورة كما سبقت الإشارة، هو التركيز علي الذي " يكذب بالدين"، أي بالبعث والحساب، باعتباره الركن الثاني في الدين بعد التوحيد، علما أن السورة لم تستعمل كلمة المنافقين كما وردت في سورة البقرة لعلاقة النفاق بالعقيدة، أو بالذين يدعون ظاهريا الإيمان بالله فيما هم مشركون في الباطن.  في حين أن الرياء الوارد في السورة موضوع التحليل يقصد به رياء الناس عامة، خاصة المشركين، ولما يكن الرسول (ص) وقتها يدعو بعد إلي التوحيد الذي يعتبر الركن الأول في الدين.  ولعل تركيز سيد قطب علي قضية النفاق، واعتباره من الخصال التي لم تكن معروفة في الجماعة المسلمة في مكة، هو الذي ذهب به لمحاولة تبرير مدنية الآيات الأربع الأخيرة دون سند من مرجع يعتد به.  كما أنه من غير المنطقي مسايرة سيد قطب في حديثه عن كيان اسمه "الجماعة الإسلامية" في هذه المرحلة المبكرة جدا من الرسالة – وفق ما ادعي في تعليله-  وهي مرحلة دقيقة سابقة لمرحلة الهجوم علي عبادة الأصنام و مرحلة الدعوة إلي عقيدة التوحيد.. ناهيك عن أن نوافقه في ما علله بالنسبة للسهو عن الصلاة باعتباره يتعلق بالصلاة المفروضة إذا أخدنا بالروايات التي تقول بان السورة نزلت في أبو جهل. لكن إن كنا من جهة، لا نوافق سيد قطب فيما ذهب إليه من أن الساهون عن الصلاة هم المنافقون الذين لا يقيمونها خالصة لله و إنما رياء الناس، وذلك للأسباب التي سبق تفصيلها،  فإننا نوافقه من جهة أخري،  في تفسيره لكلمة الماعون ب: "منع العون" عن الناس للارتباط الاسم بالمصدر، بدل منع أداء فريضة الزكاة كما ادعي معظم المفسرين من دون حجة من نص أو سند من منطق.

أما الثاني، فهو الدكتور محمد عابد الجابري، من خلال ما ذهب إليه في كتابه "فهم القرآن الحكيم"، حيث أشار في تقديمه لشرح سورة "الماعون"، إلي أنها من النصوص التي اختلف المفسرون في شرحها، لوجود مسافة بين مبناها ومعناها، يعمرها ما  تراكم في ذهن المفسر من تصورات، تستمد وجودها ومفعولها من مراحل  متأخرة عن زمن النص.  فيقول صراحة: " إن الأمر يتعلق بقراءة نص بما لم يكن قد تقرر بعد"، ويشير إلي أنه برغم انتباه و تنبيه جل المفسرين إلي ضرورة الاستعانة بأسباب النزول، إلا أن ميلهم إلي ربط كل آية بسبب نزول خاص، حتى ولو كانت هذه الآية مرتبطة بما قبلها مندرجة تحت سبب نزوله، قد أوقع الكثيرين منهم تحت طائلة النظرة التجزيئية، التي كثيرا ما تؤدي إلي مآزق يصعب الخروج منها كما هو الحال في تعاملهم مع سورة "الماعون".

        وفي الوقت الذي اعتبر د. الجابري السورة بمثابة كيان واحد لا يمكن الفصل فيه بين ما بعد قوله تعالي "فويل للمصلين" و بين ما قبله، وذلك لوجود فاء العطف التي تفيد الترتيب والتعقيب والمشاركة، كما تفيد علاقة السببية بين السابق واللاحق، بين المعطوف والمعطوف عليه، من جهة، مؤكدا، أن لا شيء في السورة يصرف معني الصلاة إلي المعني الاصطلاحي الشرعي (ركوع وسجود) من جهة أخري، خصوصا وفريضتا الصلاة والزكاة،  لم تكونا معروفتين بهذا المعني الشرعي في المرحلة التي نزلت فيها هذه السورة. الأمر الذي يحملنا وفق قوله: "إلي اعتبار المعني اللغوي وحده". لكنه بدلا من أن يفسر كلمة "الماعون" لغة كما يقترح، ذهب إلي تأويل كلمة "الزكاة" بمعني "الصدقة". أي أنه ترك الكلمة القرآنية الأصل واشتغل علي تأويل المؤول، فلم يأتي علي كلمة "الماعون" بذكر من شرح أو تفسير، و لا كلف نفسه عناء شرح كلمة "دين" التي هي محور السورة برمتها. وفي الوقت الذي عاب علي المفسرين تجزئة المعني، لم يقدم لنا د. الجابري، تفسيرا موضوعيا شافيا، مترابط المبني ومتناسق المعني.  لكن الجديد الذي أتي به د. الجابري، بالنسبة لكلمة "الصلاة"، هو قوله: "أما الصلاة،  فيمكن أن يكون المقصود بها في السورة هو الدعاء أو العبادة علي العموم أو الصلاة كما مورست في العهد المكي – مرتان في اليوم – وأن عدم أدائها يعني بالتالي، عدم مراعاة المضامين الاجتماعية في العبادة، ومن بينها الرأفة باليتيم، والحض علي طعام المسكين". وهو قول لا يستقيم مع شروط المرحلة، ولا يتساوق مع بيداغوجية مراحل الدعوة التي تحدثنا عنها هنا.

     أوردنا هذا النموذج علي سبيل المثال لا الحصر، و ذلك للتدليل علي معضلة فهم النص المقدس التي نواجهها اليوم بالاعتماد على التفاسير التي يزخر بها الثرات حد التخمة، بسبب تراكم نفس المعاني تقريبا وتكرارها من عصر إلي عصر، مع الاقتصار علي منهج النقل علي حساب العقل و آليات النقد، في الوقت الذي كان يدرك فيه هؤلاء الأعلام المفسرون والمؤولون للنص المقدس، أن الرسول (ص) لم يفسر القرآن لحكمة ربانية اقتضت أن يضل النص مفتوحا ليقرأ من عصر الي آخر، علي ضوء مستجدات العلم وتطورات التجارب الدينية من جهة، و لقناعة الرسول (ص) بأن القرآن يفسر بعضه بعضا من جهة أخري.  ناهيك عن أن النص المقدس، يعتبره الله تعالي كاملا غير منقوص، وفيه بيان كل شيء من حيث المعني، وشامل لكل القضايا من حيث المحتوي والمضمون. 

أما من جهتنا فنرجح بالنسبة ل "الصلاة" المعنى الذي يوحي به مصدرها (صلة)، أي صلة العبد بربه و التي لا تكون إلا عن طريق (العمل الصالح) أي الركن الثالث من أركان الدين، والذي تدخل فيه  جملة المضامين الاجتماعية والانسانية المتعلقة بالعلاقات والمعاملات، لأنه بهذا المعنى نكون أمام الثالوث الذي يمثل أركان الدين كما حددها الله في قرآنه وسبق أن تناولناها في بحثنا المشار إليه تحت عنوان "الحقيقة الدينية".. بمعنى أن للدين ثلاثة أركان: (الايمان بالله) و (الإيمان باليوم الآخر) و (العمل الصالح). وكون سورة الماعون تتحدث عن المكذب بالدين فالبتالي يعتبر من لا يحظ على العمل الاجتماعي الصالح كإطعام اليتيم ويمنع العون عن الناس الذين يحتاجون له يكون من المرائين (المتكبرين) الذين لا يؤمنون باليوم الآخر (يوم الدين) ويسهون عن صلتهم بالله (الصلاة) فلا يحافظون عليها (أي الصلة). وحيث أن هذه السورة هي من أوائل ما أنزل الله على رسوله بمكة قبل تشريع الصلاة والزكاة بمعناها الاصطلاحي المتعارف عليه في المرحلة المدنية من الوحي،  وقبل أن يأمره تعالى بالجهر بدعوة التوحيد، فنكون بالتالى أما منظومة مفاهيمية أولى يوضح من خلالها الله تعالى لرسوله ماهية الأركان الثلاثة التي يقوم عليها الدين القيم الذي ارتضاه الله لعباده كافة منذ بداية الخلق وإلى نهاية العصور والدهور.  

      بعد ما أوردناه حول "الشهادة" و "الصلاة" و "الزكاة"، وبعد أن تبين لنا أنها ليست من أركان الإسلام كما يدعي الفقهاء، بل من مقتضيات الإيمان كما يؤكد الله تعالي ورسوله، نعود لحديث الأركان الذي أورده البخاري ومسلم وقتصرا فيه على ذكر أركان خمسة فقط هي (الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج) لنتسائل عن سبب عدم إدراج ركن "الجهاد" و ركن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ضمن أركان الإسلام؟


الجهـــاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
 أما "الجهاد"، فمن الطبيعي أن يقره ابن الأنباري في تعريفه السالف الذكر والمتضمن في المنجد العربي كركن أساسي من أركان "الإيمان"، وليس من أركان الإسلام كما ذهب الي القول، لما نص عليه كلام الله تعالي من وجوبه في أكثر من سياق موضع وسياق، باعتباره فرض عين علي كل مؤمن إذا فسر بمعني السعي والمجاهدة، وفرض كفاية إذا تعلق الأمر بالقتال من باب الدفاع عن النفس وصد المعتدي.  فمثل هذا المعيار في تصنيف الفروض له ما يؤيده من القرآن. اذ لا يعقل أن تصنف الالتزامات الخمسة المفروضة حسب حديث البخاري ومسلم باعتبارها أركانا، من دون إدراج القتال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك، ضمن هذه الأركان علي سبيل المثال لا الحصر.  
لأن ما كتبه الله علي عباده المؤمنين وبينه بوضوح في قرآنه المجيد، هو أكثر من أن يختزل في الأركان الخمسة من فروض وواجبات ليس بينها فرض واحد يتعلق بحق المسلم في اختيار حكامه وتقرير مصيره. فالله الذي شرع هذا الدين عندما يقول: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة: 183. أو: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) النساء: 103. فهو يتوجه بأمره للمؤمنين خاصة، ولم يستعمل مصطلح المسلمين في قضية الفروض. ونحن هنا نتحدث عن نفس الإله الذي يقول في باب الفروض كذلك: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) البقرة: 216.

-         فلماذا يظهرون في الأركان فقط بعض ما كتب الله علينا ويخفون البعض الآخر؟

-         ولماذا يخلطون بين أركان الإسلام وأركان الإيمان برغم ما جاء به القرآن من بيان في هذا الشأن؟

هذا هو ما أراد قوله الصادق النيهوم عندما انتقد أطروحة "الأركان " الخمس التي روج لها الفقهاء خدمة للسلطة الزمنية التي يزعجها "النهي عن المنكر" و "الأمر بالمعروف" كأدوات سياسية للرقابة و المحاسبة والتقويم.  ويخيفها "القتال" لما يمثله من أخطار داخلية، حيث أن ثقافة المواجهة لا تكتفي بالدفاع عن حرمة الدم والمال والأرض والعرض ضد الأخطار الخارجية، بل تطال كذلك النظام الذي ينئي عن تطبيق شرع الله من أجل تحقيق العدل. ويستشهدون بالآيات التي وردت بالنسبة لأتباع الرسالات من توراة وإنجيل وقرآن: - (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون) المائدة: 44. - (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون) المائدة: 45. – (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون) المائدة: 47.  – (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) المائدة: 48.. والشرعة والمنهاج لا يعنيان تبدلا في أركان نفس (الدين) الذي  هو الاسلام من رسول لآخر باختلاف الأمم وتيغر الأزمان والحقب.

     هذه هي الخلفية الحقيقية من وراء انتشار ثقافة "الأركان الخمس"، التي حولت الإسلام في عهد بني أمية إلي دين مبتور، يهم علاقة الفرد الخاصة بربه، فلا يعطي المسلم سلطة الرقابة والمحاسبة على شؤون حياته العامة، ولا إمكانات القوة لحماية نفسه ومجتمعه، وضمان مستقبل عياله.. وكل ذلك، لأسباب لا علاقة لها بالدين، بل بالسياسة علي وجه التحديد.. فتاريخ الصراع علي السلطة في العالم العربي هو الذي كان من وراء اختزال الإسلام في الأركان الخمسة.  ويشهد هذا التاريخ، أن المعتزلة هم أول من تصدي لهذا النوع من الاختزال وغيره، فوقفوا في وجه الفقهاء منتقدين مناهجهم النقلية بسلاح الأدلة العقلية.

هذا الحراك الحيوي الكبير الذي كانت مادته النص وأرضيته واقع المسلمين، بدأ جهادا فكريا بالكلمة تحت شعار "التوحيد والعدل"، لكنه سرعان ما تطور إلي جهاد بالسيف ضد الظلم والقهر والاستبداد الذي كان يمثله العقل البدوي العربي، بعد أن تغيرت قواعد اللعبة السياسية من حكم الشورى علي قاعدة البيعة بالاختيار، إلي خلافة وراثية إقطاعية وملكا عضوض. وعلى هذا الأساس، وفي غياب الحرية الفكرية التي تتيح مجال العمل للمعارضة وفق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، استعمل أطراف الصراع الدين كسلاح في المواجهة، كل وفق تفسيره وتأويله للنص المقدس، من أجل تحقيق أهداف سياسية كانوا يرونها مشروعة، وكان اتهام الخصم بادرام نار الفتنة معناه من الناحية الدينية، أنه لا يمتلك الشرعية.. فبدأت الثورات الدموية منذ عهد معاوية واستمرت لأزيد من قرنين من الزمن بعد ذلك، بأشكال متفرقة، وتمثلت كما يذكر التاريخ، في مساهمة المعتزلة في ثورة قائدهم زيد بن علي (79 هـ) ضد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام (122 هـ). ومساهمتهم في ثورة الحارث بن سريع عام (126 هـ) ضد هشام بن عبد الملك. ومساهمتهم في الثورة التي قادها يزيد بن الوليد (86 هـ)، وكانت أول ثورة في الشام انتصروا فيها وأعادوا حكم الخلافة علي أساس مبدأ الشورى. ومساهمتهم في الثورة التي قامت بقيادة النفس الزكية (93 هـ) ضد الحاكم العباسي أبي جعفر المنصور. ومساهمتهم في الثورة التي قادها عبد الله بن الحسين (97 هـ)، والإسهام كذلك في الثورة الزيدية. وكان هدف هذه الثورات جميعها، هو تغيير الظلم والاستبداد، وإزاحة أئمة الجور والفسق والفساد عن الحكم. وبذلك تحولت المعارضة السياسية في غياب الشورى الحقيقية الي معارضة دينية، تستعمل الدين من أجل تحقيق أهداف سياسية، وأخطئت المعتزلة حين عمدت الي فرض مذهبها بالسلطان، وخاصة القول بخلق القرآن، وهو ما كانت تستنكره علي الفرق التي استأثرت بالسلطة من قبلها. ويذكر التاريخ أن هذه الفرقة الثائرة، بلغت أوج ازدهارها في عهد خلافة "المأمون" واستمر هذا الازدهار الي عهد "المعتصم"، كما امتد عزها الي أيام "الواثق"، حتى جاء "المتوكل عام 846 م، فجعل يحاربها شيئا بعد شيء، ثم اشتد عليها، وقرب أهل السنة الي بلاطه، وأقصي رجالات المعتزلة عن مناصبهم (تاريخ الفلسفة الإسلامية – هنري كوربان – ص: 172).

     وبغض النظر عن الجوانب السياسية التي كانت وراء اختزال الإسلام في الأركان الخمسة التي اعتمدها الفقهاء، فإننا ومن خلال مراجعة أعلام المفسرين حول المفهوم الشرعي للإسلام الذي يهمنا في هذا البحث، نصطدم بمعضلة الشروح الغريبة التي تضمنتها أمهات التفاسير عبر العصور.  والتي لا تختلف في شيء عما هو سائد من مفاهيم تأكد نفس المعني الذي ذهب إليه ابن الأنباري، من أن الإسلام دين جاء به محمد (ص)، وهو غير دين اليهود والنصارى. وسنكتفي هنا بسرد  مثالين من دون تعليق، لشرح معاني الآية 125 من سورة النساء وفق منهجية التفسير بالنقل التي كانت معتمدة في اجترار المعاني من زمن الي آخر من دون اجتهاد يذكر، عسانا ننجح في توضيح جزء يسير من معضلة سوء تفسير القرآن، ومدي انعكاس ذلك علي فهم عامة المسلمين لمراد الله بكلامه المنزل، الشيء الذي يؤثر بالضرورة في قناعاتهم الشخصية، ومواقفهم الجماعية، ويطبع بالتالي أسلوب تواصلهم وتعاملهم  مع الآخر علي أرض الواقع، لأن الإنسان بالنهاية هو وليد بيئته ومنتوج ثقافته:

-         أورد القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (671 هـ) ما مفاده: " أن الله فضل دين الإسلام على سائر الأديان.  و (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله):  معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة.  قال ابن عباس: أراد أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه. وانتصب (دِيناً): على البيان. (وَهُوَ مُحْسِنٌ): ابتداء وخبر في موضع الحال.  أي موحد فلا يدخل فيه أهل الكتاب، لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السَّلام.  والمِلّة الدين.  والحنِيف المسلم". وواضح أن هذا النوع من التفسير لا علاقة له بالقرآن، لا من حيث المبني ولا المعني، فلا فائدة من الوقوف عنده.

-         أما ابن كثير، فقد قال في مؤلفه "تفسير القرآن الكريم" (774 هـ) ما نصه :   "قال قتادة : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: ( لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ). وقال كذلك : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ..) الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان، وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم، وقال: (لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ.. ) الآية ". وهذا نوع آخر من التفسير الذي لا علاقة له بمراد الله من دينه وفق ما هو واضح من القرآن.

     لكن مثل هذه التفاسير المجانبة للصواب، وغيرها كثير، لا تصمد أمام الكم الهائل من الآيات الصريحة التي تؤكد علي وحدة مفهوم الإسلام كدين بالنسبة للأنبياء والرسل كافة كما سبق القول.  ذلك أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا له أجره عند ربه ولا خوف عليه ولا هو يحزن.  هذه هي (الأركان الثلاثة) التي وضعها الله تعالي ودعي الجميع الي ضرورة الإيمان بها بغض النظر عن زمانه ومكانه وانتمائه العرقي أو الطائفي أو المذهبي أو غيره من التصنيفات التي لا معني لها في ميزان الدين عند الله.  يقول تعالي:

-         (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة: 62.

     وبديهي أن نفهم من سياقات النصوص القرآنية الكثيرة، أن مدلول العمل الصالح، هو تنفيذ أوامر الله  التكليفية، بالامتثال لكل ما ورد من فروض شخصية، ووصايا تحدد المسؤوليات العائلية، والواجبات الاجتماعية، وطبيعة العلاقات الإنسانية، من جهة،  مع اجتناب الظلم، و المحرمات، وكل أشكال الفساد من باب التقوى، من جهة أخري.  هكذا اقتضت الحكمة الإلهية تنظيم العلاقات الإنسانية في كل أبعادها تسهيلا لمهمة الإنسان في تجربته الأرضية، في حين ذهبت التفسيرات اللاهوتية والإيديولوجية الي تقسيم الخلق في الدين وإقصاء كل من لا يشاطرهم نفس الفهم الخاطئ، بوصمه بالكفر حينا، والضلال أحيانا... 

     هكذا عرف الله دينه الذي سماه الإسلام، فأقر أركانه الثلاث الواجبة (التوحيد – الإيمان بالبعث – القيام بالعمل الصالح)، ليصح إسلام المسلم ويتقوي إيمانه بالممارسة العملية علي الأرض، فيثبت أجر عمله عند الله تعالي، ويضمن بذلك الخلاص المنشود يوم الحساب والجزاء. لكن من جهة ثانية، إذا كان هذا الفهم، وفق حقيقة الأركان الثلاثة الواردة في الآية 62 من سورة البقرة، يعد فهما نظريا صحيحا للإسلام كما أقره الديان نفسه، فيحق لنا بالتالي طرح مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تفرض نفسها في إطار تصحيح ما نعتقد أنه يمثل الفهم العام السائد الذي لدينا حول الدين:

-         هل تعتبر اليهودية والنصرانية والإسلام أديان ثلاثة مختلفة، أم أنه من وجهة نظر القرآن يتعلق الأمر بثلاث رسالات متعاقبة في إطار نفس الدين المسمي (إسلاما)؟.

-         هل الإسلام هو دين محمد (ص) حصريا كما يقول الفقهاء، وبالتالي لا يمكن أن يعتبر مسلما من لم ينطق بالشطر الثاني من الشهادة بقوله (أن محمدا رسول الله)؟

-         هل "الأركان الخمس" التي أقرها الفقهاء هي حقا أركان لا يقوم الإسلام من دونها، وبالتالي فكل من لا يصلي ويصوم ويزكي ويحج بالطريقة التي نعرفها اليوم لا يمكن أن يكون مسلما؟

-         وبمعني أكثر وضوحا: هل "الأركان الخمس" التي ذكرها حديث البخاري وغيره، هي المعيار الشرعي للحكم علي إسلام الناس قديما وحديثا؟  

     خلاصة القول، أن فروض العبادة إنما هي أعمال تمثل مقتضيات الإيمان بالنسبة للمؤمنين كافة منذ أن شرع الله الدين لعباده والي أن يرث الأرض ومن عليها.  فالصلاة والزكاة والصوم والحج تعتبر فروضا تم إقرارها منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، وليست خاصة بمحمد (ص) والمسلمين من أمته كما يعتقد البعض، والآيات القرآنية حبلي بهذا المعني الذي يؤكد وحدة الدين ووحدة فروض العبادة مع الاختلاف في شكل ممارس هذه الطقوس من أمة الي أخري.

     بعد أن أجبنا عن هذه الأسئلة مجتمعة من نصوص القرآن المختلفة، وبينا الاختلاف والتعارض القائم بين ما يقوله الفقهاء وما يؤكده الله تعالي صاحب هذا الدين، سيكون من المفيد تفصيل القول فيما له علاقة بالجوانب المشتركة التي تشكل الأساس الجامع لمختلف الرسالات السماوية، التي تندرج في إطار الدين الواحد الذي سماه الله إسلاما، ونقصد بذلك ما قال عنه تعالي بأنه "شرع الله" للعالمين كافة قديما وحديثا.

وهذا هو موضوع البحث الذي يتضمنه الجزء االرابع من  باب "مفهوم الاسلام بين أقوال الله وأقوال الفقهاء" والذي سننشره قريبا بحول الله.

·        بقلــم : ياسيـــن شـــرف


ليست هناك تعليقات: