الجمعة، 30 ديسمبر 2011

فـــي البحـــث عـــن المعنـــي


القرآن بين الفهم الموروث والفهم المتجدد

     بقلــم : ياسيــن شــرف -- من الثابت أن قلة قليلة من المسلمين اليوم تهتم بفهم الدين انطلاقا من دراسة موضوعية لنصوص القرآن الكريم، بل السائد أن الفهم الذي لدينا حول الدين، مصدره الأساس هو ما يزخر به الثرات من شروح وتفاسير، هذا في الوقت الذي نؤمن كمسلمين أن معاني القرآن المجيد، باعتباره نصا مفتوحا، لا يمكن أن تختزلها أسفار التفاسير المستوردة من ثقافة القبور، ولا تقف بحال من الأحوال عند أفهام فقهاء اللغة والمتكلمين، الأموات منهم والأحياء علي حد سواء…/...

ذلك لأن القرآن ببساطة، وكما قال عنه صاحبه: (إن هو إلا وحي يوحي) النجم: 4.  وبالتالى، فكل ما يمكن أن يفيدك به كائن من كان من معاني في هذا الشأن، لا يعدو أن يكون مجرد وجهة نظر بالنهاية. أو بعبارة أدق، خلاصة ما فهمه المفسر من كتاب الله في زمانه. هذا القول مفاده، أنك ستتلقى منه معاني ظاهر الآيات في حدود علمه ومستوي فهمه، وهو ما لا يعني المعني الذي أراد الله أن يوصله إليك شخصيا عن طريق الوحي المباشر كما يقول تعالى: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أم يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علما) طه: 114. هذه الآية الكريمة كما تبوح بذلك كلماتها، تعني أنك أنت المعني مباشرة بالوحي وليس الفقيه المفسر، مهما بلغ علمه وادعي الكلام بلسان الله، لأنه لا رهبانية في الإسلام من جهة، ومن جهة أخري يقول تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتي يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) التوبة: 6.  ومفاد ذلك: أن الله خلقك وأعدك خصيصا لتنوب عنه في قراءة قرآنه، والفصل بين حروفه وكلماته، وفق ما ذهب إليه ابن عربي في تفسيره لهذه الآية.  كما أنك في الوقت الذي تبدأ فيه بقراءة القرآن، في تلك اللحظة بالذات، تدخل في اتصال مباشر مع الله، وتبدأ بتلقي الوحي بقلبك من خلال نوره... وهذا هو الإعجاز الحقيقي الكامن في كلام الله، والذي نعتقد كمؤمنين أنه صالح لكل مكان وزمان، وأنه موجه للعالمين من دون استثناء. وإلا، فسيصبح التقيد بتفسير السلف، ضرب من العبث والتناقض  مع ما ندعيه من أن القرآن الكريم " نص مفتوح" للقراءة والتدبر بدون قيود أو حدود: (أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها) محمد – آية 24.

     هذا الكلام لا يعني نبذ التراث وراء ظهورنا، والتنكر لجهود العلماء الذين اشتغلوا علي المعني في بحثهم المضني عن الحقيقة، بل لا بد من الاستفادة من نتاجهم دون الوقوف عنده واعتباره حقيقة نهائية، لأن كلام الله وحده هو عين الحقيقة دون سواه، كما أن علمه تعالى هو عين ذاته، وبالتالى فلا حد له.. وإذا كانت الحقيقة الإلهية مطلقة في سموها، فهي بالنسبة للباحثين عنها نسبية، لها أوجه عدة وجوانب عديدة، منها الظاهر الذي تعطيه معاني الألفاظ في أصل وضعها، والتي وقف عند حدها أصحاب منهج النقل من أهل الظاهر، ومنها المرموز الذي يستخرج عن طريق التأويل العقلي بأدوات المجاز والكناية التي برع في استعمالها المعتزلة، ومنها الباطن وباطن الباطن الذي لا يدرك إلا بواسطة قذف نور الوحي في الروع كما يجزم بذلك الصوفية، ومنها الحد الذي يفهم من الآية وحدها، والمطلع الذي يفيد معني الآية المتشابهة بعد إرجاعها إلى محكمها، لقوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب) آل عمران: 7.

     وملخص القول، أن أسرار المعاني القرآنية لا تدرك من الوهلة الأولي، بل تتكشف مجزئة حينا بعد حين.. عن طريق المثابرة والمجاهدة وتراكم المعرفة، فتنير عتمات القلب، وتبدد حجب الجهل في العقل رويدا رويدا.. وكل ذلك، حسب درجات التقدم في فهم كلام المتكلم وقصده من الكلام، ومستوي تقبل المخاطب لهذا الكلام، وقدرته علي استيعاب المعرفة بمفهومها الشمولي، لأن العلوم تكمل بعضها بعضا. وهناك حديث مشهور عند الشيعة مفاده: "أن للقرآن ظهرا وباطنا ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن أو سبعين بطنا". وبهذا المعني، تقدم اللغة العربية شاهدا بليغا علي تعدد الأسماء لدي الشيء الواحد أو الكائن الواحد، كالسيف والفرس والرمح أو الأسد والفرس كما يلاحظ علي حرب في مؤلفه (الأختام الأصولية والشعائر التقدمية – المركز الثقافي العربي – ط: أولي – ص: 48)، ويشير بالمناسبة إلى أن أبو العلاء المعري كان يتباهي بأنه يعرف ما لا يعرفه سواه (أي أن للكلب سبعين اسما). فما بالك بالمعاني التي تعطيها تركيبة الألفاظ في العبارات؟. وبالمقابل، لدى السنة حديث مشهور مفاده: "أن القرآن أنزل علي سبعة أحرف"، وفسر تفاسير عديدة، منها عدد القراءات، ومنها أن أنواع المباحث القرآنية سبعة هي: "أمر وزجر وتبشير وتحذير وقصص وأمثال وحكم"، وجميعها تفيد تعدد مستويات المعاني.

     فالقرآن وان كان قد نزل بلسان عربي مبين كما يقول تعالى في سورة الشعراء، آية: 195، إلا أنه نص سهل وممتنع في نفس الوقت كما يجمع علي ذلك دارسوه، وميزته الأساس أنه حمال للأوجه كما قال عنه الإمام علي (ر). فمن جهة، يكون القرآن مرآة مصقولة صافية يري كل من يسبح في بحر آياته، انعكاس وجه صورته، عارية ليس بينه وبينها حجاب، إذا كان القصد هو استلهام ما فيه من أفهام و معاني. لكن من جهة أخري، يصبح القرآن حمال للأوجه، إذا كان الهدف هو البحث فيه عن مؤيدات هذا الرأي أو ذاك.. لأن الإنسان بالمحصلة، هو الذي يحدد طريقة تعاطيه مع النص المقدس، وفق حاجته والهدف الذي يسعي من ورائه، وفي حدود مستواه، وحسب أسلوبه الخاص في تعامله مع الأمور والمشكلات. كما أن جوهر معانيه، لن تجدها في قواميس العرب مجتمعة، ولا في قواعد نحوهم وقوالب بلاغتهم التي وضعت في عصر التدوين بعد نزوله بمئات السنين.  لأن القرآن وفق هذه الحقيقة الموضوعية، هو كتاب مبارك، ألفاضه معدودة لكن معانيه غير محدودة. وبسب هذا الغني الكبير والمتجدد للمعاني، يعتبر القرآن أصل غير خاضع للحصر في قوالب الزمن التاريخاني الذي لا وجود له إلا في مخيلة بعض المحدثين (بسكون الحاء ونصب الدال)، ولا في الإيديولوجيات المغلقة التي تشتغل علي النص بآليات الشرح اللغوي أو المبحث الكلامي "العقلاني"، من أجل تدجين الناس، لتحقيق أهداف سياسوية محضة.

     وإذا كان بعض الباحثين العلمانيين العرب علي وجه الخصوص، يحاولون بمناسبة وبغير مناسبة إضفاء الطابع التاريخاني علي القرآن، فان المهتمين  بالدراسات المقارنة من المستشرقين الغربيين مثلا، قد تفوقوا عليهم في هذا الجانب، وتجاوزوهم بمراحل عندما خلصوا إلى أن النص القرآني، لا يهتم بمسألة الكرونولوجيا التاريخية كما هو الحال بالنسبة لباقي الكتب المقدسة، ومرد ذلك في تقديرنا، إلى أن نفس (بفتح النون والفاء) الله الأقدس حين تفجر في المدى اللامتناهي، تحول من رموز وإشارات لدنية، إلى كلمات وعبارات بشرية، لكنه لم يخضع بالمطلق من حيث الجوهر إلى سلطة الزمن الأفقي الكوني، ولا لمنطق الزمن التاريخي البشري السياسي والاجتماعي. بمعني أن القرآن ليس نصا تاريخيا يروي الأحداث ويستنطق الفاعلين فيها، لأن الله وحده هو خالق الانسان وصانع الأحداث والمؤثر فيها، أو بتعبير الصوفية: (الله هو الفاعل الوحيد في الوجود) أو كما ترجمه فلاسفة التاريخ: (الله هو الفاعل في التاريخ)، وذلك بدليل قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) الصافات: 96. وقوله سبحانه: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) الأنبياء: 35.

     ولأن كلام الله هو كلام صامت كما يقول د. عبد الكريم شروس في كتابه "القبض والبسط النظري للشريعة"، فهو يعطي لكل من يستنطقه الجواب الشافي لمعالجة مشكلات الحاضر بقدر حدود السؤال وطاقة استيعاب السائل، الذي يفترض فيه ابتداء فهم الواقع وتعقيداته، قبل البحث له عن حلول ملائمة في كلام الله الحي الدائم، بدل الاكتفاء باستيرادها جاهزة من أفهام الأمم الغابرة لتلبيسها علي حاضر مختلف ومغاير. يقول تعالى في سورة البقرة، آية: 134: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون)، ونفس الآية تتكرر بحروفها ومفرداتها في الآية: 141 من نفس السورة، من باب التأكيد علي خصوصية التجربة الآنية، وأهمية المسؤولية الجماعية باعتبارها فرض كفاية كما يستشف من صيغة المخاطبين بالآية، أو المسؤولية الفردية باعتبارها فرض عين وفق ما يستفاد من سورة المدثر، الآية: 38 (كل نفس بما كسبت رهينة). وبذلك تكون الأعمال من خلق الله خيرا كانت أم شرا، ويكون الكسب للعبد في حدود حرية الاختيار الضيقة التي رسمت له، والتي يستحيل أن تخرج عن مشيئته تعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) الانسان: 30. أو أن تتعارض مع إرادته سبحانه: (دو العرش المجيد * فعال لما يريد) البروج: 15 – 16.  

     والقرآن باعتباره كلمات صادرة عن النفس الإلهي الأقدس، هو نص ينبض بالحياة، نص لا هو بقديم فيصنف في خانة التراث، ولا هو بمحدث فيقال عنه أنه معاصر، لأن القدم والحدوث صفتان لا تصحان في حق الله تعالى الذي لا يقاس وجوده أو علمه بزمن.  القرآن برزخ له وجهان، وجه لجهة الله من حيث القدم ووجه لجهة الخلق من حيث الحدوث، بالمفاهيم البشرية للزمن. أما بالنسبة لله تعالى، فلا وجود لزمن بمفهوم الماضي والمستقبل، هناك فقط "الآن"، أي الحاضر بمفهوم "المدي" اللامتناهي... وكل شيء منذ الأزل والى الأبد يحدث الآن.. من دون قبل ولا بعد، ومن دون تعاقب للحظات، وكل ذلك من غير "كيف؟"  أو "لماذا؟" كما يقول ابن عربي، لأنها أسئلة مستعصية علي الإدراك بالعقل البشري المجرد. وهو ما عبر عنه آينشتاين بما مفاده، أن من يقف في قبة الكون، يخرج عن إطار المكان والزمان.

     والقرآن نور مبين وهدي للعالمين، يؤكد واضعه بما لا يدع مجالا للشك، أنه هو سبحانه وتعالى من تكفل بجمعه و قرآنه و ببيانه: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه و قرآنه * فإذا قراناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) القيامة: 16-17-18-19.  ومفردة "ثم" في مبتدأ الآية الأخيرة، تعني الاسترخاء في الزمن، أي أن "المعني" سيتكفل الله ببيانه ولو بعد حين، لكن فقط من خلال المثابرة علي قراءة القرآن والاجتهاد في تدبر آياته، باعتباره رسالة مفتوحة ومباشرة للعالمين ما دامت السماوات والأرض.  يقول ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة – ص: 69): "القرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه علي طرق النظر". وبذلك، يكون المنهج الرباني الذي حثنا الله تعالى علي إتباعه، يقوم علي ثلاثية (القراءة و التدبر و العمل). لأن التلاوة وحدها وان كانت تجلب الحسنات، فهي لا تكفي لحل معضلات الواقع، ولا تصنع مؤمنا قويا فاعلا ومؤثرا في محيطه.. كما أن مسألة الفهم والتدرج في المعرفة الدينية وفق المنهج القرآني تبدأ بالحواس فتنتقل إلى العقل، لكنها بعد حين، تستقر في القلب الذي يمثل لب الإنسان وجوهره. ولقد ورد في القرآن الكريم ذكر "القلب" بوصفه محلا لفعل "العقل" و "البصيرة"، قال تعالى: (ألا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها) محمد: 24. وقال كذلك: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور) الحج – آية 44.  وفي سياق نفس المعني، يخبرنا سبحانه بحقيقة قليلا ما ننتبه إليها: (فإنه نزله على قلبك بإذن الله) البقرة: 97.  هذا القول مفاده أن المخاطب بالقرآن هو قلب الإنسان حيث عرش الرحمن: (خلقت السماوات والأرض فلم تسعني، و وسعني قلب عبدي) كما جاء في الحديث القدسي.  والقلب هنا لم يأتي بالمعني اللغوي الذي يفيد العضلة التي تضخ الدم في الشرايين، بل بمعناه الاصطلاحي الذي يفيد الجوهر اللطيف باعتباره لب كيان الإنسان الباطن: (عقل و نفس و روح).  وبهذا المعني كذلك،  ورد في الأثر عن الرسول (ص): "ألا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" البخاري ج 1 ص 20. 

     وطبيعي والحال هذه، أن تختلف الأفهام والمعارف الدينية وفق مستوي المتقبل المعرفي، ومدي اجتهاده، وتذوقه للتجربة الروحية، وتفاعله مع المعاني ظاهرها وباطنها علي حد سواء: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) الزمر: 9.  أي أن الذي يسبح فوق الماء، لا يمكنه أن يكتشف ما يوجد في الأعماق من كنوز المعاني... كما أنه لا يجب لسبب من الأسباب أن تدير للقرآن ظهرك فتجعله مهجورا... لأن الرسول (ص) يتبرأ أمام الله يوم القيامة ممن أدار ظهره لكلام الله في الحياة الدنيا: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) الفرقان: 30.

     لقد أرادك الرسول (ص) أن تقرأ كلام الله المسطور ليساعدك في فهم كلامه المرسوم في صور هذا العالم الذي هو مجلي لكلمات الله الثابتة في علمه الأول. وحيث أن القرآن هو كتاب الله المرقوم الذي يشمل آيات إعجازه في الكون والخلق من غيب وشهادة، ويعتبر وبالتالى نور وهداية للعالمين، من حيث أنه حق مطلق بدليل قوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) الإسراء: 105.  فان أقصي ما يمكن أن يصل إليه الإنسان في فهمه للحقيقة، لا يعدو أن يكون فهما نسبيا، يتساوق مع مستواه العلمي ومداركه المعرفية وتجاربه الروحية، واستعداده النفسي لتقبل ما فتح الله عليه من فهم. أو كما قال الإمام علي (ر): " إلا فهما يأتيه الله عبدا من عباده ".  وبالتالى، فانه من الاستحالة ادعاء القدرة علي تفسير القرآن أو تأويله من قبل كائن من كان، حتى لو اجتمع لذلك علماء الأرض جميعا، باعتراف رجال الدين المسيحيين والباحثين المستشرقين الذين فشلوا في ذلك، وهذا هو عين الإعجاز.

     وعلي سبيل المثال، فكتاب الله لم يأتي مقسما إلى أبواب وفصول، والمفسرون الذين خلصوا إلى أن كل سورة قرآنية علي حدة، تشكل وحدة مستقلة لجهة المعني العام الذي تطرحه، قد جانبوا الصواب فيما ذهبوا إليه، لأن تفكيك وتحليل معاني السور القرآنية وفق ترتيب النزول، لا يؤيد مثل هذا النوع من الاستنتاج..  فالسور التي نزلت في المرحلة المكية الأولي علي سبيل المثال، تتمحور جميعها حول قضية واحدة هي البعث والحشر والقيامة، أي يوم الحساب والجزاء الذي يسميه القرآن: "يوم الدين". وهذا هو المعني العام المشترك الذي تتناوله تلك السور، باعتباره الحقيقة الجوهرية الأولي التي ركز عليها النص المقدس في تلك الفترة المبكرة من الرسالة، بغض النظر عن السياقات المختلفة التي وردت في إطارها من باب دعم المعني وإسناده...  كما أن تكرار الحديث عن الأنبياء والرسل بالاسم في أكثر من سورة ومناسبة، لم يكن الهدف منه التأريخ لمراحل معينة من قصة الحق والخلق، بل المحور الأساس الذي كانت تدور حوله الأحداث حصريا، هو التذكير بوحدة الحقيقة الدينية المتمثلة في الإسلام، وإقرار مبدأ الأحدية، أو عقيدة التوحيد، برغم اختلاف الرسل وتنوع الرسالات، وذلك من خلال تبيان المعاني اللطيفة التي تفيض بها حقيقة "لا اله إلا الله" عبر مختلف المراحل البشرية، من نوح إلى محمد هبوطا، ومن محمد إلى نوح صعودا، دون اهتمام لمسألة الكرونولوجيا التاريخية التي تبدو بلا قيمة تذكر من وجهة النظر القرآنية، اللهم باعتبارها مثلا يضرب للموعظة ليس إلا: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) النور آية 34.  فما يهم بالنسبة للرسالة القرآنية، هو التجربة الدينية الآنية بالتحديد، الفردية والجماعية، لا تفاصيل التجارب التاريخية الدقيقة للأمم السابقة، كما أكد تعالى في سورة البقرة، من خلال الآية: 134 التي سبق ذكرها.  

     والفقهاء الذين زعموا قديما، القدرة علي تفسير القرآن من منطلق تمكنهم من آليات اللغة، قد أخطئوا وأدخلوا الأمة نتيجة لذلك في إشكالات وتناقضات ومآزق حضارية وأخلاقية لم تستطع الخروج منها إلى يومنا هذا. وسيأتي تفصيل ذلك في حينه من خلال مقارنة بعض المعاني الغريبة والتأويلات العجيبة التي وردت في أمهات التفاسير، وشكلت وعي الأمة عبر مختلف العصور، مع حقيقة المفاهيم البسيطة التي يطرحها القرآن نفسه.

     لكننا لا ننكر بالمناسبة، انه بالنسبة للإنسان الذي يقرأ القرآن لأول مرة، سيلاحظ باستغراب، أنه أمام نص قديم ومعقد، يبدو ظاهريا غير منظم، ويحتوي علي الكثير من التكرار، كما أنه يفتقر إلى التسلسل والتناسق، وسيلاحظ كذلك الاختلاف علي مستوي الأسلوب، والتباين علي مستوي المعني، بل وأحيانا التضارب الظاهر علي مستوي الارتباط العام ما بين مختلف سور الكتاب وآياته، المكية والمدنية، وتداخل بعضها في البعض الآخر. ناهيك عن المضمون المشحون بالذكر والإرشاد، والوعد والوعيد، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، ومستلزمات العقاب والجزاء، وظروف الرحمة وشروط الغفران، ومقتضيات التصديق والالتزام بمناهج العبادات، وقوانين الأحكام، ومسالك المعاملات، ومنهج الأخلاق... بالإضافة إلى قصص الأنبياء، وذكر الأولين من الأمم القديمة والحضارات البائدة... لكن مع تكراره لقراءة القرآن وتدبره لآياته ومفرداته، ينجلي عنه ضباب الجهل شيئا فشيئا، وتتكشف لبصيرته حجب الحقيقة، لتتبدي له مفاتن المعاني، عارية كجسد جميل مكشوف تحت أنوار مصابيح العرفان الباطني،  مبددة عتمات الضلال الكامنة في القلب والعقل، فينتهي به المسير من دون أن يدري.. من السير إلى الله الذي له نهاية، كما يقول الصوفية، إلى السير في الله بلا نهاية... انه نظام المعاني في خضم ما يبدو أنه فوضي الجمل والكلمات. ولعل أجمل ما قيل في القرآن، أنه فضاء معتم لا متناهي، تحاكي فيه الآيات النجوم المضيئة في قبة السماء، في ليل دامس الظلمة حالك القتامي، وهي كلها تشير إلى طريق الحقيقة، ومن لا يفقه قراءة مواقع النجوم سيضل الطريق، أو كما يؤكد الصوفية: "من لا يفقه الإشارة، لن تدله العبارة". 

     من هذا المنطلق، سوف لن نهتم هنا بالنقاش الأكاديمي الذي أثير من باب الترف الفكري في الدراسات النقدية الحديثة، حول جدلية الغموض والوضوح،  وعلاقة النص المقدس بالواقع واختلافه مع غيره من النصوص، إلا فيما له علاقة بتفاعل النص مع الثقافة أو العكس. كما أنه في حالة القرآن بالتحديد، سيكون من العبث الحديث عن اختلاف أو تضارب في المعني من داخل النص ونحن نسعى لتوضيح بعض المعاني الثابتة فيه، بالاعتماد علي مفاهيم من خارجه، والتي تأثث العديد من التفاسير التي تزخر بها المكتبة الإسلامية حد التخمة.  وحسبنا في اعتماد هذا المنهج، ما ورد من قوله تعالى في سورة النساء - آية 82"أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافا كثيرا". وهو ما يفيد استحالة التناقض أو التضارب أو الاختلاف في المعني المجرد العام تحديدا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمفاهيم القرآنية التي تعتبر احدي أوجه الإعجاز، وليس أسلوبه فقط كما اعتقد أصحاب ثقافة النص في السابق. ولا نري إطلاقا بأن الكيفية التي يخالف بها النص المقدس نفسه، بما يتبين سواء من خلال المضمون، أو علي مستوي اللغة و الصياغة بين القرآن "المكي و المدني"،  أو أيضا فيما يشار إليه جدلا باعتباره "ناسخ و منسوخ" في اختلاف الأحكام، لها علاقة بمفهوم "الإختلاف" الوارد في الآية 82 من سورة النساء كما يزعم المعارضون.. لأن الأمر بالنهاية يرتبط باختلاف مستويات الفهم لا باختلاف الحقائق الثابتة. ولأن النص المقدس بالنسبة للمؤمن يتضمن الحقائق المحكمة والمتشابهة، فان الاختلاف مرده سوء فهم معاني الآيات المتشابهات المتفرعة عن الآيات المحكمات التي تمثل الحقائق النهائية المتضمنة في أم الكتاب كما قال تعالى. (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) آل عمران: 7.    


·        بقلــم : ياسيــن شــرف

ليست هناك تعليقات: