السبت، 31 ديسمبر، 2011

وانكشــف الزيــف


تفاءل البعض، وربما قاعدة مهمة من الشعب، بما عُرف مطلع العشرية المنصرمة بـ"العهد الجديد"، فسعيا منه لكسب رصيد شعبي ركز المخزن على قضايا اجتماعية واستهدف الفئات الشعبية الفقيرة والمهمشة من خلال مؤسسات رفعت شعارات محاربة الفقر والهشاشة وفك العزلة والتخفيف من معاناة فئات معينة كالفتاة القروية وذوي الاحتياجات الخاصة. في مجال آخر سعى النظام لمغازلة الحقوقيين بإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة دون أن ترقى لتحديد المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وبالأحرى محاكمتهم، مثلما جاءت مدونة الأسرة ورفع نسبة النساء في البرلمان لدغدغة المنظمات النسائية. .../...
 
واجهات اشتغل عليها النظام وحضرت بقوة في الإعلام والخطاب السياسي لتسويق صورة مشرقة عن مغرب عهد جديد لخص مشروعه في واجهات تدشين مؤسسات ومرافق تمني الشعب بتحويل البؤس نعيما والفقر غنىً والبطالة شغلا! ولم تكن الواجهة السياسية لتغيب عن الاهتمام، لذلك، وتجاوزا للإفلاس السياسي الذي أنذرت به نسب المشاركة في استحقاقات شتنبر 2007 إذ لم تتجاوز 20% بعد طرح البطائق الملغاة، أقدم النظام على مخطط لإعادة ترتيب المشهد السياسي موظفا ابن دار المخزن وخبيرها صديق الملك الذي صرح غداة انتخابات 2007 التشريعية أنه سيتفرغ لخدمة المشروع الملكي تخليقا للحياة السياسة وقطع الطريق على الإسلاميين، معتدلين ومتشددين، الذين يهددون المسار الديمقراطي الذي انخرط فيه المغرب، فكان أن أُنشئ حزب صديق الملك، وعُبِّدت له الطريق ليكتسب شرعية شعبية خطط لها المخزن وحملت بصماتها انتخابات 2009 الجماعية.

سارت الأمور كما يشتهيها النظام، إلا أن قدر الله تعالى هيأ أسباب الربيع العربي، فتهاوت رؤوس استبداد وتصدع بنيان أخرى، ولم يكن المغرب استثناءً، فغدا ما رآه المخزن وخطط له أضغاث أحلام، وانحناءً للعاصفة ومجاراةً لمسارات ثورتي تونس ومصر سمح بتصدر الإسلاميين "المعتدلين"، كما يحلو للنظام تسويقهم خارجيا، استحقاقات 25 نونبر التي جرت تحت عيني وزارة الداخلية، استهلاكا لرصيدهم الشعبي وامتصاصا لغضب الشارع وكشفا لعجزهم التدبيري المرتقب لشؤون البلاد، مثلما عجز من سبقوهم لتحمل مسؤولية الحكم دون صلاحيات وضمانات.

اليوم، وبعدما ما صُرف من ثروات وما بُذل من جهود وما تطلبه ذلك من زمن، هل تحققت التنمية؟ هل حورب الفقر؟ هل تراجعت البطالة؟ هل ترسخ العدل والإنصاف؟ هل تحقق الانتقال الديمقراطي بما هو تداول على السلطة وفق قاعدة المحاسبة والمساءلة؟ هل استؤصل الفساد واستغلال النفوذ والتمكين للريع الاقتصادي والامتيازات؟ هل تُسند المهام والمسؤوليات بناءً على الكفاءة؟ هل توفرت أسباب الكرامة في حدها الأدنى؟

حسبنا جوابا ما يصدر من تقارير عن منظمات دولية تتفق حول تقهقر مغرب المجلس الوطني لحقوق الانسان في مجال الحريات والحقوق العامة. وتقهقر مغرب مبادرة التنمية البشرية ومحاربة الفقر والإقصاء في مؤشرات التنمية، حيث تراجع 16 درجة في سلم التصنيف الدولي الذي وضعه تقرير التنمية البشرية لعام 2011، وصنف المغرب ضمن الدول العشر التي سجلت أدنى نسبة من أوجه الحرمان البيئي في الفقر المتعدد الأبعاد، وبلغت نسبة الحرمان بالمغرب 45 بالمائة. وتقهقر مغرب هيئة الشفافية ومحاربة الرشوة ليكون "رائدا" في توفير أسباب مأسسة التعاطي للرشوة. أما في مجال الدمقرطة، فقد صنف مغرب الانتقال الديمقراطي وتفعيل الدستور "الجديد" ضمن "الأنظمة الاستبدادية" بمعدل 3,83 على عشرة حيث احتل المرتبة 119 متراجعا بثلاث درجات عن السنة الماضية في التصنيف الذي وضعته مجلة "إيكونوميست انتلجنس يونيت".

المشروع المخزني اليوم على المحك، وعشرة شهور من الحراك الشعبي كانت كافية لزعزعة بنيته، ورغم ما يتظاهر به من رباطة جأش وتماسك فقد فعلت فيه هتافات "الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد" فِعلها؛ نالت من هيبته وتكسر لدى عامة الشعب حاجز الخوف الذي نماه وراهن عليه منذ عقود، واكتسب الاحتجاج شرعيته الميدانية ولا قِبل للنظام بكبحه إلا أن يفتح على نفسه بابا إن كُسر لن ينصلح، وارتفع منسوب الوعي السياسي، ولن تنطلي على الشعب المناورات والإجراءات الشكلية، وغدا الجميع يدرك يقينا ألا سلطة لحكومة كيفما كان رئيسها إسلاميا كان أو يساريا، مثلما يدرك أكثر من أي وقت مضى ألا نية للنظام في التغيير ولا إصلاح من داخل المؤسسات.

حصحص الحق وانكشف زيف الشعارات، وضاق مجال المناورات، ولم يعد من خيار إلا الرضوخ لمطالب الإصلاح والتغيير الحقيقيين.


·        المصدر : (كلمة العدل والاحسان)

ليست هناك تعليقات: