السبت، 10 ديسمبر 2011

صراعات الإسلام السياسي في نظام عربي جديد ..

الشيــخ راشــد الغنوشـــي
 الدول التي نشبت فيها الثورات، أو سمها انتفاضات أو اضطرابات أو فوضى، لن تعود إلى ما كانت عليه قبل نشوبها.. لن يعود من انخلع من حكامها إلى الحكم، ومن بقي فيه لن يطول بقاؤه، وستتحلل الطبقة السياسية القائمة، بعضها سيتحلل بالتدريج عبر انفراطات وانكشاف حجم تعفنها وضعفها وفسادها، وبعضها سيتحلل بتأثير اللا فعل واللا تجديد ذاتيا.../...


مرة أخرى، وفى أقل من عام، تلعب تونس دور بوصلة العرب فتشير إلى أحداث كبيرة على وشك أن تقع في المنطقة. كان البطل في المرة الأولى، الشاب البوعزيزي الذي اختار أن يحرق نفسه. لم يعرف هذا الشاب أنه بهذا الفعل يعطي الإشارة لتندلع سلسلة ثورات في جمهوريات العالم العربي. دور البطل في المرة الثانية قد يكون من نصيب الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، وقائد مسيرتها خلال الحملة الانتخابية وصولا بها إلى سدة الحكم بنسبة أصوات وصلت إلى حوالى 40 في المئة من مجموع أصوات الناخبين.

تابعت من بعيد منذ الثمانينيات، صعود حركة النهضة وزعيمها في وقت كان ظهور حركة إسلامية سياسية في تونس بالذات أمرا يصعب توقعه. ومع ذلك لم يأت نجاحها في الانتخابات الأخيرة مفاجأة كبيرة بالنسبة لي، فقد عشت معظم شهور السنة الفائتة أشهد أحداثا وتطورات غير مألوفة. كنت وما زلت أحد القلائل الذين قدروا أن الدول التي نشبت فيها الثورات، أو سمها انتفاضات أو اضطرابات أو فوضى، لن تعود إلى ما كانت عليه قبل نشوبها. لن يعود من انخلع من حكامها إلى الحكم، ومن بقي فيه لن يطول بقاؤه، وستتحلل الطبقة السياسية القائمة، بعضها سيتحلل بالتدريج عبر انفراطات وانكشاف حجم تعفنها وضعفها وفسادها، وبعضها سيتحلل بتأثير اللافعل واللاتجديد ذاتيا.

تصورت أيضا، مدفوعا بثقة شديدة بالأهمية التاريخية للأحداث والتطورات المتلاحقة، أن النظام الإقليمي العربي، وأعني به أنماط التفاعلات والامكانات والتحالفات والعقيدة السياسية - الاجتماعية السائدة، سوف يحصل على نصيبه من التغيرات العميقة، ولن يعود إلى ما كان عليه في عام 2010.

دعونا نسجل صراحة أنه لولا الثورات في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن لما ارتفعت مرتبات الموظفين في الدول التي لم تصل إليها الثورة، ولما أفرجت الحكومات عن مئات وربما آلاف المعتقلين السياسيين، ولما تعاقد بعض هذه الدول مع شركات أمن أجنبية أو دعا الدول الغربية إلى مضاعفة وجودها على أراضيها، ولما صدر قرار بدعوة كل من المملكة الأردنية والمملكة المغربية للارتباط بمجلس التعاون الخليجي وربما الانضمام إليه. أصف هذا القرار بالثوري لأنه يشذ شذوذا قاطعا عن المألوف في المبادئ التي قام عليها المجلس وخضعت لها ممارساته خلال العقود الثلاثة الماضية.

أقول لولا الثورات العربية لما ارتفعت إلى هذا الحد توقعات ومطالب فئات من شعوب الجزيرة العربية، بل لما تعاملت حكومة مملكة البحرين مع تقرير لجنة بسيوني بهذه الدرجة من التفهم والقبول.

لولا هذه الثورات لما أقدمت دولة قطر، متجاوزة تقاليد معروفة وممارسات عتيقة ومخاطرات جسيمة، على قيادة النظام الإقليمي العربي في غياب الأنظمة الجمهورية التي سقطت أو تكاد تسقط، برضى المملكة السعودية باعتبارها الدولة المؤهلة لوراثة القيادة من الدول الجمهورية. لن يكون دقيقا تماما القول بأن الهدف الوحيد من تولي دولة قطر مسؤولية القيادة في هذه المرحلة هو الزهو والتفاخر والحصول على مكانة أعلى لدى دول الغرب العظمى. وفي الوقت نفسه، لن يكون بعيدا عن الدقة القول بأن احد اهداف قطر، مشتركة مع شقيقاتها في دول الخليج، هو «التحكم في مسيرات الثورات العربية»، فلا تتدهور إلى فوضى إقليمية أو يتعاظم بريقها وجاذبيتها فتستمر نموذجا ومثالا يحتذى. ولا يخفي كثيرون اعتقادهم أنه في الأثناء يجري العمل من أجل استعادة بعض أوضاع ما قبل نشوب الثورات.

تعددت الاجتهادات عن مستقبل الجماعات الإسلامية في ظل ثورات لم يكن وراء نشوبها دافع أو تحريض ديني. وعندما جرت الانتخابات البرلمانية في تونس ثم في مصر لم يكن بين توقعات المراقبين أن تحصل الجماعات الدينية على النسب المرتفعة التي حصلت عليها. وربما بدا للوهلة الأولى أن بعض نتائج التصويت كان مفاجأة سارة للدول المحافظة في العالم العربي. وهو السرور الذي يشك بعض المتخصصين في شؤون المنطقة العربية والمذاهب الإسلامية في أن يدوم طويلا، دوافع هذا الشك عديدة وأقترح أن تدرس بهدوء وروية من كافة الأطراف المشتركة الآن في عملية رسم خريطة سياسية جديدة في المنطقة، يتوقعون مثلا:

أولا : أن التحديات الاجتماعية والسياسية والدولية التي ستواجه الجماعات الإسلامية التي فازت في الانتخابات وتستعد لتولي مسؤولية الحكم ستفرض عليها، إن عاجلا أم آجلا، إعادة النظر في كثير من المبادئ والأفكار التي قامت عليها في ظل ظروف القمع وقبل نشوب الثورات. والمعروف أن أغلبها كان يلتزم إرضاء النزعات المتشددة السائدة في بعض المجتمعات المحافظة، وقد يحتاج إلى دعمها المالي فور توليه السلطة.

ثانيا : ان المحافظة على وحدة المجتمعات في الدول المحافظة الواقعة على هامش حزام الثورات العربية وأكثرها حافل بأقليات طائفية وعرقية وعلمانية وليبرالية، يستدعي «صحوة» دينية على مستويات متعددة وليس فقط على مستوى الاجتهاد والتفسير والتطبيق.

ثالثا : اشتعال المنافسة الحامية بين المدارس الفكرية الإسلامية حول الأحقية في قيادة الإسلام العربي في المرحلة القادمة واحتمال أن تتدخل فيها طبقات حاكمة. يشير الدكتور وليد قمحاوي في مقال نشره مؤخرا في «القدس العربي»، إلى أن الفرصة حانت ليسترد «الإسلام العربي» مكانه الذي تنازل عنه في سنوات الجمود أو التخلف الفقهي لمدارس وحركات إسلامية آسيوية. هذه العودة في حد ذاتها ستكون عاملا أساسيا في إطلاق عملية صحوة أو نهضة إسلامية حقيقية آثارها قد لا تكون أقل أهمية من الآثار التي تنتج عن الثورات العربية.

رابعا : المنطقي أن الأحزاب السياسية المدعومة دينيا أو ذات المرجعية الإسلامية سوف تبقي على مؤسسات مدنية حديثة تساعدها على ممارسة شؤون الحكم ومواجهة مشاكل العصر. بعض هذه المؤسسات العصرية قد يتعايش مع المؤسسات التقليدية الدينية المهيمنة على السلطة. بعض آخر سيجد صعوبة هائلة في التعايش معها، الأمر الذي قد يتسبب في صدامات ونزاعات من نوع لم تألفه الدول الخارجة لتوها من ثورات ومنها تنتقل هذه الصدامات والنزاعات إلى النظام العربي ككل، ومنه ربما إلى أقاليم إسلامية مجاورة.

أجد صعوبة في الاقتناع بأن التيارات الدينية المشبعة بروح الثورة ومتعطشة إلى نهضة إسلامية حقيقية سوف تقنع بانتصاراتها النسبية التي تحققت بفضل الثورات العربية وصمودها الطويل ضد الاستبداد. لذلك كان اهتمامي كبيرا بالوثيقة التي ورد فيها حديث الشيخ راشد الغنوشي في واشنطن يوم 30 تشرين الثاني الماضي. ففي اللقاء الذي أجراه هناك في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى القريب جدا من قيادة الحركة الصهيونية ومواقع اتخاذ القرار في إسرائيل والولايات المتحدة، وجه زعيم حركة النهضة الإسلامية تحذيره للممالك العربية من أن :

"العام المقبل سوف يشهد نهاية عهد الأنظمة الملكية في العالم العربي".

·       جميــل مطـــر (الميادين)

ليست هناك تعليقات: