الأحد، 1 يناير 2012

كيف تحولت إسبانيا من حكم استبدادي الى حكم ديموقراطي ؟

بقلم : محمد القباج

لقد تحولت إسبانيا من حكم استبدادي بغيض، إلى ملكية يرلمانية ديمقراطية بكل ما للكلمة من معنى، وقد أنجز ذلك التطور الهائل خلال شهور (عامين تقريبا!) ولم يتطلب قرونا أو عقودا!.. وقبل الخوض في سرد تلك الأحداث المفصلية التي ساهمت في تحول اسبانيا الديكتاتورية في عهد فرانكو الى ملكلية برلمانية دستورية وديموقراطية، يجب أن نشير الى أن نمط الحكم في عهد فرانكو كان مبني على مبدأ الطغيان أي " خوف الشعب " حيث يتحول الجميع الى عبيد يطيعون أوامر العسكر وهم صاغرون.../...


وهذا النمط من الحكم لا يحتمل أي نوع من المعارضة خصوصا مع استفراد الحاكم فيه بالقرار و اجتماع السلطات الثلاث في يده فلا معنى للقوانين أو الدستور فيه لأنه يجعل من النظام بشكل عام و الحاكم بشكل خاص هو الخصم و الحكم في نفس الوقت. أما عندما تم التحول من نمط الحكم الاستبدادي الى نمط الحكم الديموقراطي واستنشق الشعب نسيم الحرية، تحول الناس عن اسلوب الطاعة والامتثال للأوامر الفوقية الى طاعة القوانين الانسانية العادلة التى شارك كل أفراد المجتمع في صنعها لتعبر عن سيادتهم وخياراتهم، فتم الفصل بين السلطات الثلاثة " التشريعية - التنفيذية - القضائية " باعتبار أ، استقلالها هو أكبر ضمان لاحترام الحرية الشخصية من قبل الجميع (الدولة والأفراد).

أما بالنسبة لكرونولوجيا الأحداث المحورية التي أفرزت هذا التحوّل الذي نتحدث عنه، فيمكن تلخيصها كالتالي:

- موافقة «المجلس الوطني الاسباني» على قانون الجمعيات السياسية (16 كانون الأول/ديسمبر 1974).

- فرانكو يظهر علنا لآخر مرة، في العيد التاسع والثلاثين لرئاسته للدولة (أول تشرين الأول/أكتوبر 1975).

- على فراش الموت، فرانكو يعين ابنته كارمن خليفة له!

- وفاة فرانكو (24 تشرين الأول 1975).

- تنصيب خوان كارلوس ملكا (22 تشرين الثاني/نوفمبر 1975).

- تجمع مؤشرات على غموض المستقبل (منتصف 1976).

- اليسار ينظم تظاهرات ضخمة من أجل الحريات السياسية والعفو عن المسجونين السياسيين (الأسبوع الثاني من تموز/يوليو).

- رئيس الوزراء سواريز يتبنى استراتيجية السرعة ويقدم إلى المجلس الوطني التعديلات القانونية اللازمة لحرية الأحزاب ( 14 تموز 1976).

- تفاقم إضرابات المعارضة في محاولة ضبط مسيرة التحول وإعداد مسودة قانون الإصلاح السياسي ( 23 آب/أغسطس 1975).

- جبهة المنظمات الديموقراطية تطالب بضرورة إطلاق حرية الأحزاب وإنهاء احتكار الحكومة للإذاعة المسموعة والمرئية (4 تشرين الثاني 1976).

- مناقشة قانون الإصلاح السياسي في المجلس النيابي ( 16-18 تشرين الثاني 1976).

- الموافقة على قانون الإصلاح السياسي بأغلبية 95 في المئة ( 15 كانون الأول 1976).

- المحكمة العليا تقضي بشرعية الحزب الشيوعي (8 نيسان/ إبريل 1977).

- إجراء الانتخابات النيابية تحت القانون الجديد (15 حزيران/يونيو 1977).

- افتتاح المجلس النيابي الجديد (22 تموز 1977).

- تقديم الدستور الجديد إلى المجلس النيابي (حزيران 1978).

- التصديق على الدستور الجديد (31 تشرين الأول 1977).

و يلاحظة أن التحولات الجذرية التي جرت في إسبانيا في انتقالها من الاستبداد إلى الديمقراطية تمت كلها حين كان البلد من بين الدول الأقل نموا وأكثر تخلفا على مستوى أوروبا، وهذا ان دل على شيء فهو يدل على ثلاث أشياء هامة، هي :

أولا: أن الاستبداد والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرف نقيض من حرية الإنسان ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن سعيه للمجهول، ويجعله أسيرا بيد الجهل والتخلف..
ثانيا: ما يفند و يدحض الأقاويل التي يروج لها بعض المحسوبين على الأنظمة ادسكتاتورية قصد تكريس الفساد والاستبداد و تبريره، بكون أن الوصاية على الشعب هي أمر ايجابي ومن الصالح العام، بدعوى أن الشعب لم تنضج بعد لكي يتحمل مسؤولياته وينحول إلى مصدر للسلطات. والحقيقة أن هاته الشعوب المستضعفة أظهرت على مدى التاريخ أنها أكثر نضجا من مستبديها، و التحول الاسباني دليل على ذلك، و هناك نماذج أخرى في نفس السياق أيضا.

ثالثا: الدور المحوري الذي تلعبه عملية ممارسة حق التنظيم في شقه الخاص بالتجمع (التظاهر والإضراب) وصولا إلى العصيان السياسي والمدني، في مواجهة أنظمة الاستبداد. فما وصلت له إسبانيا من تحول في طبيعة نظام الحكم يرجع فيه الفضل الكبير الى حركة مجتمعية ناضلت لانتزاع حقوقها بعدما أيقنت أن تطور الأنظمة يستلزم النقد البناء و ليس الدعاية الكاذبة و مظاهر تهليل و التبجيل و الخنوع الزائف والرضوخ للأمر الواقع كما لو أنه منزل من السماء.


ملحوظة : في الصورة أعلاه خطاطة توضح الفروق القائمة بين الدستور الاسباني و الدستور المغربي، وظهر الفرق جليا بين نظامين من الملكية الأول برلماني ديمقراطي والثاني استبدادي وقروسطي فاسد.

·        بقلم : محمد القباج

ليست هناك تعليقات: