الأحد، 1 يناير 2012

"الحقيقة" تكشف أخطر عملية تواطؤ على "التجسس" : ...


بين "مجلس إسطنبول" وعواصم غربية : مذكرة من "مجلس إسطنبول" إلى حكومات غربية تتضمن ملاحق مصورة لأماكن عسكرية استراتيجية سرية تزعم أنها لإنتاج رؤوس حربية غير تقليدية

نشرت منظمة "هيومان رايتس ووتش" في السابع والعشرين من دجنبر الماضي تقريرا اتهمت فيه السلطة في سوريا بنقل المئات من المعتقلين السوريين إلى أماكن اعتقال سرية بعيدا عن أعين المراقبين العرب. وزعمت المنظمة أنها تلقت هذه المعلومات من ضابط أمن سوري. وقالت ما حرفيته إن ضابط الأمن أبلغها بأنه بعد توقيع سوريا على بروتوكول الجامعة العربية في 19 من الشهر الجاري " تلقى أوامر من مدير السجن الذي يعمل فيه بالمساعدة في عملية نقل مفاجئة للمحتجزين".../...

 وأضاف القول إنه "بين 21 و22 ديسمبر/كانون الأول تم نقل نحو 400 إلى 600 محتجز إلى خارج منشأة الاحتجاز التي يعمل بها إلى مراكز احتجاز أخرى". وقال المسؤول الأمني المزعوم "تمت عمليات النقل على مراحل (...) وكانت الأوامر الصادرة لي من مدير السجن هي إخراج المحتجزين المهمين"! أما بيت القصيد في القصة كلها فهي أن المسؤول المفبرك هذا ، وسنكشف أدناه لماذا هو مفبرك ، زعم بأن المسؤولين الذين نقلوا السجناء خارج منشأة الاحتجاز "أخبروه بأنهم نُقلوا إلى مصنع صواريخ عسكري في زيدل على مشارف حمص"!

وكان برهان غليون أعلن الخميس الماضي ، عقب لقائه مع الأمين العام للجامعة العربية ، أن عددا كبيرا من المعتقلين يتم إخراجه من السجون و" يوضع في ثكنات عسكرية وحاويات في سفن بعرض البحر في طرطوس ، وجزء منهم في الفرقة الثالثة ، وجزء آخر موجود في الفرقة 138 من أجل إخفاء وجودهم".

لسنا معنيين هنا بالحديث عن التخريف المتعلق بالفرقة 138 ، لسبب بسيط جدا هو أنه لا يوجد في الجيش السوري فرقة تحمل هذا الرقم! ما يعنينا هنا هو حديثه عن الحاويات البحرية ، وعلاقة ذلك بما قالته "هيومان رايتس ووتش" و بالمذكرة السرية الخطيرة جدا التي أرسلها "مجلس إسطنبول" لوزارة الخارجية الأميركية والخارجية الفرنسية والاتحاد الأوربي قبل نحو ثلاثة أسابيع ، وتمكنت "الحقيقة" من الحصول على مضمونها وعلى صور من بعض ملاحقها ، كما سنكشف أدناه . وهي مذكرة لا يمكن أن يضعها أي قضاء في سوريا ، مهما كانت طبيعته ، إلا تحت بند "الخيانة الوطنية والتجسس لصالح قوى أجنبية معادية وتزويدها بمعلومات تمس الأمن الوطني الاستراتيجي و أمن القوات المسلحة السورية"، آخذين بعين الاعتبار أن أي معلومة من هذا النوع تصل الولايات المتحدة تجد طريقها بشكل أتوماتيكي إلى تل أبيب!

لكن دعونا نبدأ بما زعمته "هيومان رايتس ووتش" ، ونكشف عن كذبها لجهة ما يتعلق بمصدرها.

أولا ـ يعرف أي شخص لديه ولو حدا أدنى من المعلومات عن الشؤون الأمنية و"الحقوقية" في سوريا أن مدير سجن لا يمكن أن " يأمر" مسؤولا أمنيا بنقل سجناء ، ليس إلى مكان آخر فقط ، بل حتى إلى المشفى ، والعكس هو الصحيح. إذ يعرف أي معتقل سياسي في سوريا أن مدير أي سجن ليس سوى مجرد " أمين مستودع" يحتفظ لديه بالمعتقلين الذين تحولهم له أجهزة الأمن ، ولا يستطيع في بعض الحالات نقلهم حتى إلى مشفى دون موافقة الفرع الذي اعتقلهم وأودعهم لديه، فكم بالأولى أن يطلب منه نقلهم إلى مقرات عسكرية ذات طابع استراتيجي!!؟ وينطبق هذا على السجون المدنية والعسكرية ، سواء بسواء. ولكن من هو مصدر "هيومان رايتس ووتش"؟ هذا ينقلنا إلى الفقرة الثانية.


ثانيا ـ مصدر "هيومان رايتس ووتش" ليس ضابط أمن سوريا ، بل وزارة الخارجية الأميركية ، وتحديدا جيفري فيلتمان ، نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط .

ليس فقط لأن مسؤولا في المنظمة المذكورة أخبرنا بالأمر منذ ثلاثة أسابيع ، كما سنبرهن بالأدلة والوثائق أدناه، بل لأن هذا المسؤول الذي أخبرنا بالأمر ، هو نفسه من كشف لنا محتوى مذكرة "مجلس إسطنبول" وأرسل لنا صورتين عن ثلاثة من ملاحقها "العسكرية"، وهو الذي كشف لنا في حينه أن الخارجية الأميركية هي من طلبت من " هيومان رايتس ووتش" بدء حملة إعلامية حول نقل المعتقلين إلى أماكن سرية بهدف تهيئة الرأي العام للخطوات اللاحقة المتعلقة بإثارة ملف الأسلحة الاستراتيجية السورية على الطريقة العراقية!

ثالثا ـ إن ما قاله غليون في تصريحه عن الحاويات البحرية ، وعن الفرقة 138 المزعومة، ورد حرفيا في مذكرة "مجلس إسطنبول" إلى الخارجية الأميركية، كما سنبرهن أدناه.

رابعا ـ إن حديث "هيومان رايتس ووتش" عن مصنع الصواريخ في " زيدل" ورد حرفيا في الفقرة الثانية من مذكرة "المجلس" المشار إليها.

هذا كله ينقلنا إلى موضوع المذكرة المعنية بحديثنا. ففي 12 من الشهر المنصرم تلقينا معلومات من ثلاثة مصادر ، أحدها " مكتب سوريا ولبنان" في الخارجية الفرنسية ، والثاني في قسم الشرق الأوسط بمنظمة "هيومان رايتس ووتش" ، والثالث من أوساط قيادة "المجلس " نفسه. وقد أكدت المصادر الثلاثة أن "المجلس" أرسل لوزارتي الخارجية الأميركية والفرنسية والاتحاد الأوربي مذكرة يزعم فيها أن النظام السوري نقل سرا آلاف المعتقلين إلى حاويات في عرض البحر تحملها زوارق وطوربيدات تابعة لقاعدتي "مينة البيضا" و "طرطوس" السوريتين . وقد حرصت المذكرة على التلميح الخبيث ( مفهوم المقاصد) إلى أن الخبراء الروس المرابطين في قاعدة طرطوس ربما يكون لديهم علم بذلك!

المذكرة زعمت أيضا أن المئات من المعتقلين " المهمين" ( التعبير نفسه ورد في بيان " هيومان رايتس ووتش"!؟) جرى نقلهم إلى مصنع "زيدل" للصواريخ ، وحرصت ليس فقط على تحديد مكانه ، بل وإرفاق ملحق مصور عن المصنع مع إحداثياته على خطي الطول والعرض!؟ كما وأشارت إلى أن بعض هؤلاء المعتقلين جرى نقلهم إلى مصنع آخر للصواريخ أيضا قرب بلدة السلمية في محافظة حماة ، على علاقة بالمصنع الأول. ولم تكتف المذكرة بذلك ، بل قالت إن قسما آخر من المعتقلين جرى نقلهم إلى مصنع " الزاوي" قرب منطقة مصياف في المحافظة نفسها.

الأدهى من هذا كله ، وما يؤكد أن الغاية من المذكرة ليس حقوق الإنسان ولا أي "بطيخ" من هذا القبيل ، بل المساهمة في " تركيب ملف" شبيه بالملف العراقي قبيل الغزو، هو أن المذكرة زعمت أن المصانع الثلاثة تحتوي على أنشطة بيولوجية وكيميائية ونووية محظورة دوليا ، وأن هذه المنشآت هي نفسها التي تطالب "هيئة الطاقة الذرية الدولية" بتفتيشها منذ سنوات!؟

النغم الأكثر وساخة الذي نفخته المذكرة في طنبورها القذر هو أن هذه المصانع ـ وكما قالت حرفيا ـ تضم "خبراء شيعة من إيران وحزب الله ، وهؤلاء قد يعملون على قتل المعتقلين لأن المعتقلين كلهم من السنة ، ولأن العاملين في هذه المنشآت كلهم من العلويين الذين لا يثق النظام إلا بهم"! ولمزيد من التحريض ، أضاف إليهم خبراء من روسيا وكوريا الشمالية!

"الحقيقة" ، وفور تلقيها هذه المعلومات ، عملت على إعداد تقرير بشأنها ووضعه في "السيرفر" بتاريخ الثاني عشر من الشهر الجاري ، بحيث لا يكون متاحا الوصول إليه من القراء إلا في الوقت المناسب. والواقع إنما كنا "ننصب كمينا" لمن وقف وراء "المذكرة" ، لإدراكنا بأن لسانه سيزل به لاحقا وينطق بما يشير إلى مضمونها ، أو أن جهة غربية ما ستقوم بتسريب محتواها. وهذا ما حصل فعلا ؛ فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على إرسال المذكرة، وفي يوم واحد، أطلق غليون تصريحه عن " الحاويات البحرية" ، فيما تكفلت " هيومن رايتس ووتش" بالحديث عن قضية " مصنع زيدل"! ولم يكن بإمكان غليون الاقتراب من أمر القضية الثانية (" مصنع زيدل" )، لعلمه المسبق بأن إثارة قضية هذا المصنع ربما تكون سببا لضربه وضربه أعضاء مجلسه كلهم بالأحذية في الشوارع السورية. فهو يعلم أن الأمر يتعلق بالأمن الوطني ـ الاستراتيجي لسوريا ، وليس بأمن السلطة ، وبنقل معلومات تخص هذا الأمن إلى جهات معادية ، فضلا عما ينطوي عليه ذلك من تحريض على غزو بلاده ومن سلوك لا يمكن لأي قاض وصفه قانونيا إلا بسلوك تجسسي فاضح وسافر لا ريب فيه.


·        المصدر : (الحقيقة)

ليست هناك تعليقات: