السبت، 7 يناير 2012

حكومة بنكيران …


التاريخ يعيد نفسه

بقلــم: إدريــس بنعلــي --  يعيد تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران والمشاورات التي مهدت لتعيين أعضائها إلى الذاكرة، قسرا، الظروف التي تشكلت فيها حكومة التناوب التوافقي في سنة 1998. ولا يوجد اختلاف بين التجربتين إلا على صعيد الوجوه والأشخاص. أما الثقافة السياسية فظلت على حالها كما لو أن عجلة التاريخ تعطلت.../...

والواقع أن العالم تغير بعد أن خلق الربيع العربي جوا جديدا يفترض شيوع ثقافة سياسية جديدة وتجديد النخب القيادية.

يتوجب علينا، من وجهة نظر اقتصادية، أن نراهن على حكومة قادرة على رفع تحديات ظرفية اقتصادية وطنية ودولية تزداد صعوبة يوما بعد آخر، وتوشك أن تدق فيها نواقيس الخطر: عجز الميزانية تعمق ليتجاوز 5 في المائة، والدين الخارجي بات يمتص أزيد من 23 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي الخام، وأصبح العجز هيكليا في الميزان التجاري، بالإضافة إلى ضعف تنافسية الاقتصاد وتقلص مخزون العملة الصعبة، حيث لم يعد يغطي سوى خمسة أشهر فقط من الواردات بعدما كان قبل ثلاث سنوات قادرا على تغطية الواردات لمدة 11 شهرا، وأخيرا الأزمة، التي تعرفها مجموعة من الدول، خاصة الأزمة الأوربية، والتي توشك أن تكون لها انعكاسات غاية في السلبية على الاقتصاد المغربي... كل ذلك معطيات تبين حجم التحدي الذي ينتظر الحكومة المعينة. من الناحية السيوسيولوجية، يمكن أن تلتقط بعض فئات المجتمع إشارة من انتخابات 25 نونبر الماضي تفيد بإمكانية تحقيق ارتقاء اجتماعي عبر صناديق الاقتراع. فقد سمحت هذه الانتخابات لفئة من الفقراء  بأن تمني النفس بتحسين ظروف معيشتها ورفع قدرتها الشرائية، ومكنت أيضا شبابا من حاملي الشهادات العاطلين من الحلم بالحصول على عمل يحصنهم من تدخلات قوات الأمن ويتيح لهم إمكانية الولوج إلى سكن لائق.

ومن وجهة نظر سياسية، ينبغي أن يطوي اقتراع 25 نونبر الماضي صفحة مضت ويدشن مرحلة حاسمة تتشكل فيها حكومة تتمتع بصلاحيات حقيقية، وتمتلك مشروعا محددا تكون على أتم الاستعداد لتنزيله على أرض الواقع.

إجمالا، يجب أن يكون التغيير عميقا وأن تكون الإصلاحات عاجلة وملموسة. فماذا يمكن أن ننتظر من هذه الحكومة؟

يبدو أن عدم انتظار المعجزات يبقى الشيء الأكثر أهمية في الوقت الراهن، ليس لأن الحكومة المعينة تفتقر للإرادة، وإنما لكون تركيبتها والسياق الذي ولدت فيه لم يتركا سوى هامشا ضيقا للتفاؤل. فماذا نلاحظ؟ حكومة متعددة ألوانها تفتقر إلى برنامج منسجم وتضم «وزراء سيادة» من نوع جديد. وزراء معينون رغم أنهم ينتمون أو على الأقل كانوا ينتمون إلى مجموعات «مهزومة»، وأمين عام حكومة لا سلطة لرئيس الحكومة عليه، ويمكن أن يفرض الإيقاع الذي يريده بخصوص تنزيل الإصلاحات وتفعيل القوانين (لا تنسوا أن حكومة عبد الرحمن اليوسفي عانت الكثير من قبل من سلوكات هذا القطاع حين فرمل تعديل قوانين وحال دون تفعيل نصوص قانونية أخرى)، وأخيرا، فريق حكومي خرج  إلى الوجود بفضل توافق لا يقوم على الحكم فقط، بل يتعدى ذلك إلى إرضاء رغبة السلطة في «مجموعة أفراد بأسنان طويلة وأفكار قصيرة».

باختصار، إنه مشهد مكرر،  فمن يراد خداعه؟  الشعب؟ لقد أجاب باللامبالاة والاحتقار. وصار هذا الأمر واضحا. ما عاد الشعب يهتم باللعبة السياسية إلا قليلا.

 
الشباب؟ لا ينتظر المعجزات، ولذلك يستمر في الاحتجاج، معلنا رفضه لنسق سياسي لا يلبي طموحاته.

الفئات المهمشة والمقصية؟ فقدت الثقة منذ زمن، وما عادت تنتظر الشيء الكثير من هذه الحكومة.

 
الخارج؟ الجواب واضح، ويتمثل في تصنيف المغرب ضمن قائمة الأنظمة السلطوية حين حل في المرتبة 119 في سلم الديمقراطية (حسب المعهد البريطاني).

كما أن شهرا من المساومات والتوافقات، التي مهدت لإعلان هذه الحكومة، اعتبر مؤشرا سلبيا. فقد تم التلويح أول الأمر بمبدأ الشفافية، ثم اندلعت في الكواليس معارك حامية الوطيس على المناصب الوزارية، وتمت المطالبة بتمتيع الحكومة بالاستقلالية، وبعد ذلك فرض على رئيسها مرشحون للاستوزار ورفضت أسماء اقترحها لتولي حقائب وزارية. ونتحدث عن نخبة جديدة وأفكار جديدة، ثم نعيد إلى الواجهة أشخاصا استُنفِدوا ولا يتمتعون بالشعبية مع الترويج لأفكار عفا عليها الزمن.

وفي الأخير، نخلص إلى الاستنتاج ذاته، ومفاده أن المخزن يسعى من خلال هذه البنية الحكومية إلى احتواء التغيير وحصره في حدود تسمح له بالبقاء سيدا للعبة السياسية.

وعلى أساس هذه السياسة، ستكون الدمقرطة التي نسعى إليها شكلية أكثر منها جوهرية. إذ يعمل المخزن من وراء هذه الواجهة الديمقراطية على تقوية حضوره في الشؤون العامة. بتعبير آخر، كيف يمكن تفسير مضاعفة عدد مستشاري الملك والمهام التي أنيطت بهم في مختلف ميادين الحياة العامة؟

لا يحتاج الفرد إلى خبرة في المناورة السياسية ليفهم أن السيناريو الذي يتم تفعيله في الوقت الراهن مماثل لما اصطلح على تسميته في وقت سابق بالتناوب التوافقي.

واضح أن المخزن يعمل على ربح الوقت دون أن يحسن، بدون شك، تقدير التحولات التي يعرفها العالم في الوقت الراهن. عالم لم يعد يقبل مناورات من هذا القبيل، خصوصا أنه تم تجريبها وأثمرت نتائج يعرفها الجميع.


·        بقلــم :  إدريــس بنعلــي

ليست هناك تعليقات: