الاثنين، 9 يناير 2012

تحليل سياسي : إنهـا الحـرب بالوكالــة


لا يعرف المؤرخون بدايةً محددةً لظهور الحرب بالوكالة، لكنهم يجمعون على أنها قديمة قدم التاريخ، وتُعرّف الحرب بالوكالة على أنها تلك النشاطات القتالية التي تقوم بها دولة أو منظمات مسلحة أو ميليشيات مقاتلة داخل دولة ما أو على حدودها نيابة عن دولة أو جهة مستفيدة تقف وراء تلك الأعمال وتدعمها.../... 

إن ما يشهده الوطن العربي اليوم من اضطرابات تطور بعضها ليصبح فعلاً مسلحاً، ما هو إلا تطبيقٌ واضحٌ لاستراتيجية الحرب بالوكالة، التي رُسمت معالمها ووضعت خطواتها ومراحلها وحُددت أهدافها وساحاتها واختيرت أدواتها ووقودها في الغرف المغلقة عقب الفشل الأمريكي في أفغانستان والعراق، وهي ترمي فيما ترمي استبدال أنظمة الحكم بأنظمة ترتبط عضوياً مع الغرب الأمريكي والغرب الأوروبي والكيان الصهيوني، وبشكل يكفل المصالح الحيوية للغرب في تلك الدول، ويضمن الأمن المزعوم للكيان الصهيوني. وقد حمل هذا المخطط الاستعماري الجديد اسماً رمزياً هو "الربيع العربي" الذي يعني : قيام الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بخلق المناخ الربيعي الملائم للبراعم الناشزة، الموالية للغرب، والتي تعتبر جزءاً من النسيج الوطني في الدول العربية كي تنمو نمواً سرطانياً، يطيح بالأنظمة السياسية في الدول التي ينمو فيها ، ليأتي دور الغرب في تفصيل أنظمة بديلة حسب المواصفات التي يريد، وعلى المقاس الذي يحدده ويناسبه .

 لقد تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب هذه الاستراتيجية، عقب رسوخ القناعة لديهم بأن العدوان المباشر، والحروب المدمرة على الطريقة الأفغانية والعراقية لم تعد مجدية، وغير مضمونة النتائج، لارتفاع تكاليفها المادية وخسائرها البشرية، ولأن الشعوب في تلك الدول لم تركن للاحتلال ولم تخضع لقوانينه، بل لجأت للمقاومة التي تحرم قوى الغزو من الأمن والاستقرار، طالما هي موجودة على أراضي تلك الدول .

كما وجدت الدول لغربية أن استراتيجية الحرب بالوكالة هي السبيل الأمثل لتحقيق أطماعها في الوطن العربي بتكاليف زهيدة، لاسيما في ظل الأزمات المالية والاقتصادية التي عصفت ولا تزال بالولايات المتحدة وحليفاتها، والتي أقعدتهم جزئياً عن تنفيذ أطماعهم الاستعمارية بقوة السلاح والاحتلال المباشر. ففضلا عن كون الحرب بالوكالة غير مكلفة ماديا قياساً بالعمليات الحربية الواسعة، فإنها تعفي الدول التي تشن هذه الحروب من تكبد الخسائر، ولاسيما البشرية، هذا عدا عمّا تخلّفه تلك الحروب المدمرة من نقمة الرأي العام في الدول المحتلة، والتي تؤدي لاشتعال المقاومة الشعبية المسلحة لمواجهة الاحتلال .

 أما التدخل على الطريقة اليوغوسلافية والليبية فهو حالة خاصة ربما لا تتكرر مرة أخرى، ذلك لأن مثل هذا التدخل الذي أُلبس ثوب الإنسانية من خلال تسميته "التدخل الإنساني" أو "التدخل لحماية المدنيين" يحتاج لغطاء دولي لم يعد بالإمكان الحصول عليه بنفس السهولة التي تمت في السابق، لانكشاف أهدافه ومراميه العدوانية، وافتضاح تجاوزاته وأساليب تنفيذه التي لا تمت للإنسانية وحماية المدنيين بصلة . كما أن مثل هذا "التدخل" المكلف ماديا بحاجة لمن يسدد تكاليفه ويدفع فواتيره، لاسيما في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية التي تلف العالم، وتعصف بالأنظمة الرأسمالية على وجه الخصوص .

 إن وجود بعض المنظمات الدولية والعربية كأدوات طيعة بيد الغرب، إضافة لبعض الدول والأحزاب والتكتلات وحتى الأفراد الغارقين حتى الأذنين في عمالتهم للغرب، سهّل تنفيذ استراتيجية الحرب بالوكالة، وجعلها فعالة على نحو أفضل مما لو لم تكن تلك الأدوات متاحة لها . لذا اعتمد الغرب بزعامة الولايات المتحدة هذه الاستراتيجية وأعد لها جيداً . ومع الشروع بتنفيذها، وحضر أدواتها، إعلامياً وسياسياً وعسكرياً ولوجستياً، لأن هذه الأدوات تمثل له وقود الحرب . وفي الجانب الآخر ضغط وقاطع وحاصر وضلل وهدد وتوعد الدول التي اعتبرها ميداناً للنشاطات الهدامة التي يمارسها عملاؤه ومأجوروه فيها، تلك النشاطات التي ترمي لاستنزاف وإضعاف مقدرات تلك الدول، تمهيداً لاستبدال أنظمة الحكم فيها برؤوس تُسبّح بحمد أمريكا و"إسرائيل" في الغدو والآصال .

وبالنظر إلى الدول التي مر عليها "الربيع العربي"، فخلّف الخراب والشقاق والفتن، نلحظ تشابهاً واضحاً لمراحل تنفيذ حرب الوكالة، مع بعض الاختلافات التي فرضتها خصوصية كل حالة منها . فهي تبدأ عادة باستثمار حدثٍ عرضيٍّ أو مفتعل، لتبدأ أجهزة الإعلام المغرضة الموالية للغرب بتضخيم هذا الحدث والمبالغة في أسبابه وتداعياته، مع توجيه اللوم وأصابع الاتهام بشكل مباشر أو غير مباشر للنظام القائم، وتحميله المسؤولية عن هذا الحدث "الجلل" . وفي الوقت نفسه تنطلق الأبواق في الفضائيات المرتبطة بالمخطط الغربي لتشن حملات التشهير والتضليل والتحريض والضخ الإعلامي، التي تتصاعد وتائرها تدريجياً، يترافق ذلك مع الإيعاز للعناصر الموتورة المرتبطة بالأجهزة الغربية للشروع بالتحريض الداخلي واستقطاب البسطاء وضعاف النفوس والخارجين عن القانون لتنظيم الاحتجاجات التي سرعان ما يتحول جزء منها - بفضل العناصر المأجورة والإعلام المضلل - إلى جماعات مسلحة تنال من أمن الوطن والمواطن . وحينما تتصدى السلطات المختصة لتلك النشاطات، يُتّهم النظام بممارسة القمع والقتل والاعتقال وانتهاك حقوق الإنسان، وتُفرض بعد ذلك العقوبات من كل حدب وصوب للضغط على النظام والتضييق على المواطنين أملاً في تأليب الجماهير على النظام وخلق هوة بينهما، حينئذٍ ينشط صانعو الفتن والدسائس، وتتكالب المنظمات الدولية التي تدعي حرصها على حقوق الإنسان، وتسارع بإدانة السلطات والنظام، وتدعو المجتمع الدولي للمقاطعة والتدخل لإسقاطه، وهي في هذه الحالة لا ترى إلا ما ترغب في أن تراه، وتغمض عيونها عما دون ذلك.

تلك هي ملامح الحرب بالوكالة التي ينصب، من أجل استكمال حلقاتها، شخصيات مطعون في ولائها الوطني لتكون في الواجهة الأمامية، تؤازرها ميدانياً عناصر منحرفة مأجورة أو مضللة، لتخريب بلدانها وإلحاقها بالركب الاستعماري نيابة عن المستعمرين . إن استهداف هؤلاء لاستقرار أوطانهم ومحاولاتهم زعزعة الأمن فيها، واستنزاف اقتصادها، وتخريبها مادياً ومعنوياً، وشق وحدة البلاد وإشاعة الفوضى، والخروج عن القانون، وخلق الفتن والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد، كل هذه الأفعال يؤديها هؤلاء لقاء مكاسب آنيةٍ رخيصة، أو مقابل وعودٍ مؤجلةٍ بمنحهم امتيازاتٍ مرتقبة.

 بعد هذا العرض لجوانب "الحرب بالوكالة" التي تشهد بعض البلدان العربية نماذج منها، يبرز السؤالُ الأهم الملحّ: ما الحل؟.

في الحقيقة، لا يوجد حل سحريٌّ لهذه الظاهرة الخطيرة التي تتضافر فيها جهودُ دولٍ عظمى، وأرصدةٌ ماليةٌ سخية، ومنظماتٌ دوليةٌ منحازة، وعديد من الأنظمة العميلة، وإعلامٌ مضللٌ رخيص، وجوارٌ يتفاوت بين عدوٍ متربصٍ وصديقٍ متآمرٍ وشقيقٍ عاجز، وحربٌ نفسيةٌ مستمرة، وعناصرُ خائنةٌ مأجورة، وسلاحٌ يتدفق عبر الحدود، وأعمالُ عنفٍ دموية، ومخططاتٌ ونوايا شريرةٌ تتبدل حسب المواقف . كل هذه الفعاليات تلتقي عند هدف واحد عنوانه النيل من الدولة المستهدفة، لإسقاط نظامها السياسي واستبداله بآخر يدار بالـ"ريموت كونترول"، حسبما تهوى أفئدة اللاعبين الكبار، في الغرب الاستعماري البغيض .

وبعد أن تداعت أو اهتزت بعض النظم السياسية في الدول العربية التي تفتحت في أراضيها ورود "الربيع العربي" السوداء المسمومة . وبالنظر إلى مايحدث في سورية، آخرِ قلاعِ العرب، التي تأبى أن يسحق وردها ذلك الربيع الغربي المصطنع، يبرز واضحاً أن سورية تتعرض لمؤامرة عالمية، استنفرت لأجلها قوى عالمية وإقليمية، وجُندت لخدمتها طاقات الإعلام المضلل، فضلا عن استخدام أسلحة التهديد والضغوط السياسية والاقتصادية والمعنوية، والدعم السخي المادي واللوجستي لوقود المؤامرة وأدواتها . والهدف من كل ذلك هو إخضاع سورية، والنيل من خطها الممانع المقاوم . لكنها وبعد انقضاء قرابة العشرة أشهر على صمودها الأسطوري، لا تزال في أوج قدرتها على الصمود.

لقد قلنا أنه ليس هناك حلٌ سحريٌ لهذا الشكل من الحرب بالوكالة، التي امتد أوارها إلى سورية،

لكن ذلك لا يعني عدم وجود حلول ليست سحرية، لكنها فعالة إذا حَسُنَ تطبيقها وأُتقن أداؤها . وهذه الحلول سيقف العالم طويلا عندها لتشريحها ودراسة مفرداتها، وكشف عناصر القوة فيها، وربما ارتقت إلى مصاف النظريات الناجحة لمواجهة النشاطات الهدامة، التي هي جزء من استراتيجية الحرب بالوكالة .

لقد وضعت سورية يدها على مفاتيح هذه المؤامرة، وفككت "شيفرتها"، واعرفت الحلول الكفيلة بإسقاطها، واعتمدت تلك الحلول استراتيجية مضادة في إدارة أزمتها الطارئة.

لقد كان تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي مع دولٍ عظمى تقف على الضفة الأخرى للضفة التي يقف عليها الغرب، خياراً صائباً بدد احتمالات التدخل العسكري، ولجم الجهود التي تبذلها الدول الاستعمارية في المحافل الدولية لانتزاع قرارات تدين أو تمس أمن واستقرار سورية .

كما كان للكفاءة التي تميزت بها الدبلوماسية السورية وهي تدير المعركة الدبلوماسية في المحافل الدولية والعربية، أثر في إحباط المحاولات لجر سورية إلى بيت الطاعة . فقد قدمت نموذجاً مميزاً في الأداء، تمكنت من خلاله شرح الموقف الرسمي من الأحداث، بشكل فضح افتراءات الأعداء، وأبطل مفاعيلها بعد كشف زيفها وهشاشة مرتكزاتها القانونية .

كما كان للإعلام الوطني، المنظور والمقروء والمسموع، المتسم بالشفافية والموضوعية والعقلانية، دوره الملموس في التصدي للحرب النفسية والإعلامية المغرضة . لتحصنٌه بدرع الحقيقة، والصدقية، الأمر الذي أغضب الغرب "المدافع عن حرية الرأي واحترام الرأي الآخر" فقام بمنع وصول الكلمة السورية الحرة إلى بلاد الحرية المزعومة .

وتلعب الإصلاحات السياسية والدستورية والإدارية والقضائية والاقتصادية أهم الأدوار في تحصين المواطن من كل استهداف للتأثير على قناعاته وقلب ولائه الوطني إلى الجانب المضاد. لقد كان للإصلاحات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية، والشروع الفوري في تطبيقها، وقع السحر في تعزيز الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع، وتصليب منعته، والارتقاء بقدرته على الصمود، رغم اتساع حجم الهجمات، وشدة الضغوط، وصعوبة العقبات.

وإذا أردنا التطرق لدور الجيش العربي السوري في تعاطيه مع الأزمة، فلابد من القول إن ماقام به جيشنا يستحق كل التقدير، لما أبداه من قدرة فائقة في التصدي لحماية البلاد من الأخطار، الداخلية منها والخارجية، ولما بذله من ثمن من دم شهدائه، كرمى لترب الوطن وسلامة مواطنيه . ولإفشاله كل المحاولات المحمومة التي سعى إليها الأعداء للنيل من وحدته وتماسكه، حين راهنوا على انشقاقه وتفككه، فسقطت رهاناتهم، وأثبت أنه جيش الوطن ودرعه الحصين .

إن استمرار الحياة العامة في ظل الأزمة، وسيرها بالشكل المعتاد، وتوفير المستلزمات الضرورية للمواطن، لاسيما المواد الغذائية المدعومة، هو من أهم أعمال المؤسسات الحكومية المختصة خلال الأزمة، فهي تعزز ثقة المواطن بنفسه وبقيادته، وبالقدرة على تخطي المحنة وتجاوز آثارها السلبية، وتسهم في ترسيخ الشعور بحضور الدولة واستقرارها، وتكرس الإحساس بالأمن والطمأنينة اللازمين لاستقرار المجتمع واستمرار دورة الحياة الطبيعية في البلاد . وبالنظر لما وفرته المؤسسات الوطنية خلال الأزمة، نلحظ ذلك بوضوح.

إن الجبهة الأهم في معادلة الصراع هي الجبهة الداخلية، فهي عامل التوازن والاستقرار، ومعيار الصمود، ولقد أعطت الجبهة الداخلية السورية مثالاً في تماسكها ووفائها للوطن، فهي التي كانت تهبّ لتغطي ساحات سورية على اتساعها وامتدادها، في العديد من المناسبات، تنديداً بالمؤامرة وتأييداً لخطوات الإصلاح ومسيرة البناء.

تلك هي مفردات الصمود، وعناصر دحر المؤامرة، التي واجهت بها سورية أزمتها على شتى الصعد، فهل من شكٍ بعدئذٍ في أنها ستجتاز محنتها، وتسقط رهان المتآمرين ؟! .

·        بقلم : محمد إسماعيل حديد

ليست هناك تعليقات: