الأحد، 11 مارس، 2012

المــــــلك المفتــــــرس (2)


المغرب بقرة الملكية الحلوب
(مقتطقات من كتاب الملك المفترس)

اعداد: ياسين شرف (بتصرف) -- لفهم إلى أي حد تحولت الدولة المغربية لبقرة الملكية الحلوب، علينا الرجوع 35 سنة إلى الوراء، وبالتحديد إلى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، أي إلى عهد الطاغية الحسن الثاني. فمنذ جلوسه على عرش أسلافه المقبورين سنة 1961 لم يكن يمتلك الملك حينها سوى 4 قصور معدة للاقامة: قصر الدار البيضاء الذي تمت توسعته واعادة ترميمه بشكل واسع، قصر الرباط، قصر افران، وأخيرا الاقامة الملكية بدار السلام في ضواحي الرباط.. وكان الملك حينها مهتما فقط بمجده ورفاهيته وطريقة عيشه.../...


لكنه سرعان ما قرر البدأ ببناء قصر فخم جديد بمدينة طنجة شمال المغرب حيث لم يكن يقيم فيه أو حتى يزوره بالمرة طوال 35 سنة من حكمه. ثم بنى بعده قصرا آخر في اكادير والذي أقام فيه مرة واحدة فقط لمدة 24 ساعة وهو الأمر الذي كلف خزينة الدولة ما قدره 160 مليون دولار. بعده، وتحت اشرافه المباشر، اشتغل حوالي 3.000 حرفي من خيرة التقنيين والبنائين والصناع التقليديين وغيرهم في بناء قصر جديد آخر بمراكش، ثم قصر فاس، ثم قصر مكناس، ثم قصر تطوان، ثم قام ببناء قصر ثاني بأكادير لم يقم فيه مطلقا، ثم قصر بأرفود.. وعلى شاطىء البحر بالصخيرات بنى قصرا فخما آخر، وعلى بعد 40 كيلوميتر جنوب العاصمة هيأ اقامة فاخرة بحدائق غناء واسطبلات راقية كان يضع فيها أجمل الخيول التي كان يقتنيها بمبالغ خيالية من مختلف أرجاء الدنيا بالاضافة إلى الخيول العربية الأصيلة التي كانت تهدى له من قبل ملك السعودية والشيخ زايد حاكم الامارات أو غيرهما من أمراء ومشايخ الخليج.

وبالنسبة لهذه الاقامة الأخيرة، عهد الهالك ببنائها للمهندس الفرنسي الشهير "أندري باكار" الذي نجح في جني ثروة ضخمة من أعماله قبل أن يثير سخط الملك وغضبه بسبب عجزه عن تحقيق طموحات فرعون الهندسية ونزواته الخيالية.


في بداية الثمانينات، قرر الطاغية الحسن الثاني انشاء وزارة جديدة تحت مسمى "وزارة القصور والتشريفات الملكية" على أساس أن تعمل باستقلالية من الناحية الوظيفية وتظل بعيدة عن الهيكلية الحكومية بشكل غير مفهوم. ولتحقيق ذلك، وضع على رأسها أحد الخدام المخلصين له المدعو عبد الحفيظ العلوي الذي كان يلقبه المغاربة آنذاك بـ "عينين الميرنا" نظرا لصغر حجم عينيه وسيلانها طول الوقت مما اضطره لإخفائها خلف نظارات سوداء سميكة كانت تضفي عليه سحنة من الغموض وكثيرا من الهيبة والوقار بل وتلقي في قلوب وزراء الحكومة الخوف والرعب من غضبه، فكان الجميع يتملقه ويخطب وده ويسعى لإرضائه حتى عندما كان يناديهم باسماء الحيوانات كالحمار والبغل مثلا.. يعد "الجينرال" عبد الحفيظ العلوي رجل مخزني بامتياز يجمع بين الكاريزما والشدة والدهاء الكبير لكنه رجل سوقي شتام لا يحترم أحدا، والويل كل الويل لمن حل به غضبه.. وبفضل هذه الشخصية الخاصة جدا تحولت القصور بقدرة قادر من ملكية الشعب إلى ملكية الملك الخاصة، وكانت تسير من قبل عبد الحفيظ العلوي مباشرة سواء فيما يخص تكاليف البناء والترميم والتجهيز والديكور أو تلك الخاصة بالتسيير.. وطبعا كانت اعتمادات التمويل تخصص من المداخيل العامة للخزينة وتندرج في حساب هذه الوزارة الشادة والمستقلة تماما عن جسم الحكومة.. أي أنها كانت تمول مباشرة من قبل دافعي الضرائب المغاربة من دون مراقبة أو محاسبة، وهو الأمر الذي لا يمكن القبول به حتى بمنطق المزرعة الخاصة. بل أكثر من ذلك، فلتجنيب الملكية أية نفقات تخص تكاليف هذه القصور، عمد الجينرال عبد الحفيظ العلوي إلى توظيف مختلف الأطر والعاملين في القصور الملكية بانتهاج أسلوب الاعارة، بمعنى أن كل العاملين في القصور الملكية هم موظفون رسميون تدفع رواتبهم وتعويضاتهم وتأميناتهم الاجتماعية وغيرها من الخزينة العامة للدولة وليس من راتب الملك.. وبهذا الأسلوب الانتهازي الخبيث، تم إلحاق الآلاف من أطر الدولة المكونة والمدربة من مختلف الوزارات والادارات بما في ذلك المالية والجيش والدرك والأمن وغيرهم في مناصب جديدة بالقصور الملكية كمحافظين ومقتصدين واداريين وأمنيين وحرس وغير ذلك...


غير أن جشع المؤسسة الملكية لم يكن ليكتفي بهذا النوع من التحايل المكشوف على مالية الشعب، فقررت الذهاب بعيدا في تطبيق هذه الاستراتيجية البشعة بفضل مبادرة رجل قزم ووصولي داهية هو الآخر يدعى عبد الفتاح فريج الذي عينه الملك كاتبا خاصا له بعد أن اكتشف دهائه واخلاصه وأعجب بعقليته المافيوزية. وبموجب منصبه الجديد هذا تحول الرجل إلى كاتم للسر الملكي بحكم اطلاعه على كافة الأسرار والخبايا المالية الملكية.. وعرف عنه ادمانه الشديد على الكحول وافراطه في الشرب ليل نهار مثله مثل الهالك "مولاهم" أحمد العلوي الذي كان يشرب اجازة ويسكي صباحا قبل الدخول على الملك، ويحكى أنه مرة استدعاه الملك إلى اجتماع للحكومة على عجل، فلما قدم في حالة يرثى لها، أمر الملك بوضعه في الحمام مع اجازة ويسكي إلى أن يستفيق ويلتحق باجتماع المجلس. عبد الفتاح فرج كان يقيم في فيلا فخمة بحي السويسي بالرباط، بها مسبح هوليودي لم يكن يستعمله بالمرة، لكن على جنابته كانت توجد ثلاجتان ضخمتان ممتلئتان بالشمبانيا الراقية وبافخر أنواع الخمور و المشروبات الروحية الباهظة الثمن.


فكرة عبد الفتاح فريج الجديدة كانت بسيطة للغاية لكنها جهنمية بمعنى الكلمة، ومفادها، أنه ما دامت المداخيل العمومية المكدسة بخزينة الدولة هي التي تمول "الملكية" فمن المناسب استغلال ذلك لإغناء الملك أكثر على حساب الشعب وليس تغطية احتياجات قصوره فقط.. لكن عبد الفتاح فرج بذلك، ومن دون أن يدرك الخطورة والأبعاد الكارثية لمثل هذه الاستراتيجية، فتح القمقم الذي ستنطلق منه عفاريت الفساد من الانس لتأتي على الأخضر واليابس في هذا الوطن الفقير المغتصب.. ذلك أن تطبيق مثل هذه الاستراتيجية على مستوى كل القصور الملكية في عهد الحسن الثاني، هي نفس الاستراتيجية الجهنمية التي سيقوم الملك الجديد محمد السادس بتطبيقها حرفيا 20 سنة بعد ذلك، لكن هذه المرة على مستوى الوطن كافة وليس القصور الملكية فقط.

  
لقد كان لولي العهد حينها الوقت الكافي لملاحظة وتتبع أسلوب تطبيق هذه الاستراتيجية ببساطة ملفتة.. فعبد الفتاح فريج كان يدير الهولدينغ الملكي المسمى "سيجير" والذي يعني بالاتينية "الملك". هذه المجموعة القابضة كانت تخدم حصريا زبونا واحدا فقط لا غير أي القصور والاقامات الملكية. هكذا تحولت شركة "تريماريوس" التابعة للهولدينغ الملكي ولا تزال إلى مزود رئيس وحصري للقصور والاقامات بالأثات الفاخر والديكور الفخم، وبموازات ذلك كانت كل المواد الاستهلاكية من غذاء وخلافه تأتي من الضيعات الملكية التي كانت تنتجها وليس من الأسواق العامة ، أي الضيعات الفلاحية التي يستحوذ عليها الملك والتي تقدر مساحاتها وفق الاحصائيات الرسمية بـ 12 ألف هكتار من أجود أراضي المملكة، لكن الواقع هو خلاف ذلك تماما، حيث تقدر المساحة الحقيقية الغير معلنة لهذه الضيعات بما لا يقل عن 120 ألف هكتار، ويوجد بها أجود أنواع المنتوجات الفلاحية من خضر وفواكه ومواشي وألبان وأجبان وغيرها المعدة للتصدير على حساب منتوجات الفلاحين المغاربة الصغار الذين لا يستطيعون الدخول في منافسة مع هذا النوع من الضيعات المزودة بأرقى وأحدث الوسائل التكنولوجية الممولة من خزينة الدولة. أما المواد الغذائية التي كانت تخصص للقصور والاقامات الملكية فتتم فوترتها بأعلى الأسعار من قبل شركة الملك لحساب وزارة القصور والتشريفات الملكية التي تدفع الثمن دون مراجعة من ميزانيتها المعتمدة والممولة من الخزينة العامة، أي من أموال دافعي الضرائب المغاربة. وتجذر الاشارة في هذا الصدد أنه جرت العادة منذ الهالك الحسن الثاني وإلى اليوم، أن تزود جميع القصور والاقامات الملكية يوميا بما يلزم من مواد وخلافه حتى ولو لم يكن موجودا فيها الملك.. وهذا هو عين التبذير، لأن ما يهم هو أن يستخلص الملك ثمن بضاعته من أموال الشعب بأغلى الأثمان حتى لو تم رميها بعد ذلك في القمامة.. في حين أن المفترض أن يدفع الملك حاجياته الاستهلاكية من راتبه الخاص الذي يتقاضاه من الدولة.

سنة 2011 كانت الفلاحة هي أهم عمود من أعمدة الاقتصاد الوطني، وهو القطاع الذي يخضع في مجمله إلى رحمة السماء، مما يعني أن المضاعفات السياسية لمثل هذه الوضعية كانت تمثل هاجسا مؤرقا للحسن الثاني الذي كان يقول: "إذا خيرت بين تقرير عن الأحوال الجوية وتقرير للمخابرات عن الوضع في البلاد فسأختار الأول لأنه يمكن أن يكون مؤشرا خطيرا على الاضطرابات الاجتماعية القادمة". لكنه في الواقع كان يولي نفس الاهتمام للإثنين معا.

في يوم من الأيام قرر الحسن الثاني مغادرة قصر افران والعودة للرباط بالسيارة مرورا بطرقات الأطلس الجميل، حيث كان يقود بنفسه سيارة فارهة من نوع "رويس رولس". وعلى بعد كل 10 كيلوميترات كان يغيرها بسيارة "كاديلاك" ثم أخرى من نوع فاخر وهكذا.. في قافلة معدة من 40 سيارة كانت تمر بسرعة فائقة على القرى والمداشر الفقيرة في المناطق الريفية المختلفة التي تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم فأحرى الحضارة.. حينها قال له كاتبه الخاص: "يا صاحب الجلالة، كنت ترغب أن تسافر في سرية، ولا أعلم من أخبر سكان القرى بسفركم هذا ليخرجوا بهذه الكثرة ويصطفوا على جنبات الطرقات ليحيوكم؟".. إنه بلد الكذب والنفاق يقول مؤلفا الكتاب، لأن كل العاملين مع الملك بمن فيهم عبد الفتاح فريج، يعلمون أن الملك لا يطيق أن يشعر بالوحدة أثناء سفره، وكان يحب رؤية فلول المغاربة الفقراء يحيونه على جنبات طرقات القرى والمدن التي يمر منها.. كانت الأوامر تصدر بعجالة إلى المسؤولين المحليين ليقوموا بتجييش الناس ووضعهم كالبهائم على جنبات الطرقات بعد تفتيشهم، فيظلوا ينتظروان مرور جلالته لساعات قد تدوم طويلا تحت لهيب الشمس الحارقة.. كل الممثلين المنوط بهم القيام بهذا النوع من الاخراج الملكي السخيف تعرضوا في يوم من الأيام لغضب الملك عندما كان يلاحظ شيئا لا يروقه، وكانوا يعلمون أنهم يغامرون بمستقبلهم في حال تقصيرهم في حشد الناس وتزيين الشوارع بصور الملك والرايات الحمراء وخلافه.. المهم هو نيل رضى الملك وهو يمر بشكل خاطف على امتداد مسافة الرحلة.. ذلك أن نظرة خاطفة من الملك كانت كافية لتقييم حجم الحشود والديكور وكل مستلزمات المسرحية.. فالمنطق العام لهذا الزيف كان يقوم على أساس زرع الخوف في المسؤولين الكبار والمحليين على حد سواء ما دام غضب الملك قد يكلفهم مستقبلهم المهني إلى البد.

اعداد : ياسين شرف (بتصرف)

يتبـــع...

المقالة المقبلة: (3)
"قطرات المطر كسبائك الذهب"

ليست هناك تعليقات: