السبت، 3 مارس 2012

فصل المقال فيما بين «اتحاد المغرب» و«العربي» من اتصال


بقلم : (*) د. إدريس جنداري -- عندما اندلعت ثورات الربيع العربي من تونس، انطلقت الحناجر العرقية مهللة بشعارات جوفاء، تسعى إلى إفراغ المد الثوري من شحنته الحضارية العربية الإسلامية، بادعاء أنها ثورات شمال إفريقيا. لكن انتقال اللهيب فيما بعد إلى اليمن والبحرين وبعدهما سوريا، فند هذه الادعاءات العرقية، وأثبت بالدليل أنها ثورات، تحمل هوية عربية إسلامية أصيلة، وهي بذلك لا تجد تفسيرها في الفايسبوك، بل أكثر من كل ذلك، هي ثمرة التطور الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي... الذي عاشه العالم العربي بمشرقه ومغربه، منذ عصر النهضة وإلى حدود الآن.../...


هكذا لم يشكل المغرب العربي في مده الثوري استثناء في علاقته بالمشرق العربي، بل كانت الثورة تعزف إيقاعا واحدا، متحدية الحدود الوهمية التي وضعها الاستعمار لتشتيت وحدة الشعوب العربية، التي عاشت لقرون، في ظل وحدة حضارية، كانت تتحدى دائما إكراهات الجغرافيا.

وبعد نجاح ثورات الربيع العربي في اجتثاث جذور الأنظمة الديناصورية الحاكمة منذ عقود، ضدا على إرادة الشعوب العربية، انتبه كل المحللين والدارسين، إلى أن الشعوب العربية، ما زالت تتنفس عبق الحضارة العربية الإسلامية، التي وحدتها لقرون، وذلك رغم الاستئصال الحضاري الذي مارسه الاستعمار، وكرسته الأنظمة التسلطية التي حملت مشروعه لعقود، مستكملة بذلك المشروع الاستعماري، الذي كان يهدف إلى تمزيق الأمة الواحدة، إلى دويلات/ طحالب، لا تمتلك جذورا حضارية، تمكنها من مقاومة الاستئصال الاستعماري.

وقد كان واضحا منذ البداية، أن من يستطيع قطف ثمار الربيع العربي، هو من يمتلك مشروعا سياسيا، يكون قادرا على رد الاعتبار للمقومات الحضارية التي توحد الشعوب العربية مشرقا ومغربا. ولذلك، فقد كان واضحا منذ البداية، أن الحركات الإسلامية هي الأقرب إلى هذا الرهان، لأنها أقامت مشروعها السياسي، على أساس محاربة كل مظاهر الاستئصال الحضاري، التي مارسها الاستعمار وأذنابه من الأنظمة التسلطية الحاكمة. وفي المقابل، كان التيار القومي ومعه التياران اليساري والليبرالي، تيارات مكشوفة أمام الرأي العام العربي مشرقا ومغربا، لأنها همشت في مشروعها السياسي، ما يؤسس للخصوصية العربية الإسلامية، بل ذهب بعضها إلى محاربة هذه الخصوصية، بادعاء أنها سبب في التخلف الحضاري.

كل من يمتلك حس التحليل الفكري والسياسي، والموضوعية العلمية، يدرك هذه الحقائق الساطعة، إلا إذا أخذته نزعة ذاتية وركب رأسه، زاعما أنه مركز الكون ومنبع الحقائق، فهو بذلك سيصم أذنيه وسيغمض عينيه، ليترك خياله ينسج عالما من الأحلام الجميلة، التي ستحدث أثرها النفسي، وستهز النفس هزا، بعد أن تشعرها بلذة نرجسية لا مثيل لها لكنها تبقى، في الأخير، أحلاما حتى وإن كانت أحلام يقظة.

مقام هذا الحديث- طبعا- يرتبط بالاقتراح الأخير الذي تقدم به وزير الخارجية "الإسلامي" المغربي "سعد الدين العثماني" في اجتماع لوزراء خارجية دول المغرب العربي في الرباط، حينما اقترح إسقاط كلمة "العربي" من "اتحاد المغرب العربي" ليصير "الاتحاد المغاربي"؛ معتبرا أن إسقاط العربي سيكون بمثابة رد الاعتبار للأمازيغ الذين يتواجدون بكثرة بجميع بلدان الاتحاد، وهذا ما اعتبر "العثماني" أنه سيُفهم بأنه إقصاء لهم. وللإشارة فقط، فقد قوبل هذا المقترح برفض التونسيين والجزائريين والليبيين، ليتم سحبه في الأخير بعدما لم يلق إجماعا.

قبل الدخول في مناقشة هذا المقترح "الغريب" لا بد أولا من إبداء الملاحظات التالية:

أولا، لا أظن أن السيد "العثماني" يمثل أحدا بمقترحه هذا، فالحزب الذي ينتمي إليه، يعتبر من المدافعين على الهوية العربية الإسلامية للمغرب، بل قد وصل إلى السلطة- كغيره من الأحزاب الإسلامية- لأن مشروعه السياسي، يقوم على أساس رد الاعتبار للمقومات الحضارية العربية الإسلامية للهوية المغربية. وفي نفس الإطار فالسيد "العثماني" لا يمثل بمقترحه هذا، التوجه السياسي للدولة المغربية، التي أكد دستورها الأخير في تصديره على "تعميق أواصر الانتماء إلى الأمة العربية والإسلامية، وتوطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة"، كما أكد في الفصل الخامس من الباب الأول: "تظل العربية اللغة الرسمية للدولة". وبالضرورة لا يمثل السيد "العثماني" بمقترحه هذا، الشعب المغربي الذي يفتخر بانتمائه العربي الإسلامي، ويعتبر نفسه امتدادا للحضارة العربية الإسلامية في الغرب الإسلامي، وأخيرا، لا يمثل السيد "العثماني" بمقترحه هذا، رموز النضال الوطني الذين ناضلوا من أجل مغرب عربي موحد، من علال الفاسي صاحب "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي ارتبط اسمه بميثاق لجنة تحرير المغرب العربي بتاريخ 5 يناير 1948، ومات ودفن في قاهرة المعز، في عز المد القومي الناصري.

ثانيا، ليس من حق السيد "العثماني" أن يفرض وصاية شخصية- لا يمثل فيها سوى نفسه- على الشعب العربي في المغرب العربي، خصوصا إذا كان الشعب الجزائري قد قدم أكثر من مليون شهيد، في مواجهة السياسة الاستعمارية ودفاعا على امتداده الحضاري العربي الإسلامي، ونفس المسار النضالي، خاضه الشعب الليبي تحت قيادة المجاهد "عمر المختار" حفاظا على استقلاله وهويته العربية الإسلامية، كما أن الشعب التونسي يعلمنا دروسا بليغة، في استماتته ضد المخططات الاستعمارية، التي مثلها "الحبيب بورقيبة" بعيد الاستقلال، واستمر "بن علي" في المحافظة عليها بعد ذلك، لكن السقوط المدوي لهذا النظام الفاشي كان إعلانا بسقوط مخططاته، وإعلانا لانتصار الإرادة الشعبية، التي قادت إلى الحكم، الوطنيين الذين استماتوا في الدفاع عن هوية تونس العربية الإسلامية.

ثالثا، يجب على السيد "العثماني" أن يعرف أن مقترحه- الذي قد يكون عن حسن نية- يمثل جوهر المشروع الاستعماري في المغرب العربي، بحيث سعت فرنسا إلى استئصال دول المغرب العربي، من امتدادها الحضاري العربي الإسلامي، ليسهل إلحاقها بالمتروبول الاستعماري، وهذا ما حدث بشكل مدروس مع الجزائر، التي حولها المستعمر إلى إقليم تابع تحت اسم "الجزائر الفرنسية"، لكن الامتداد الحضاري العربي الإسلامي للشعب الجزائري حطم هذه المؤامرات، ونجحت المقاومة الوطنية أخيرا، في طرد المستعمر الغاشم وإفشال مخططاته.

بعد إبداء هذه الملاحظات، يمكن أن نتساءل مع السيد "العثماني": إذا كان الشعب المغربي، الذي أوصلكم إلى السلطة وقلدكم منصب الممثل لسياسة بلده الخارجية، إذا كان يؤمن إيمانا راسخا بهويته العربية الإسلامية، وهذا ما جعله يصوت بقوة على مشروعكم السياسي، ألا يعتبر اقتراحكم هذا خذلانَ للإرادة الشعبية التي وضعت ثقتها في مشروعكم؟

لقد بعث الرئيس التونسي الجديد، السيد "منصف المرزوقي" مجموعة من الإشارات: كانت تؤكد كلها، رهانه الكبير على نجاح مشروع المغرب العربي، وهو الذي ناضل لعقود من أجل تونس عربية حرة ومستقلة في قرارها السياسي، فعلى من كنتم تراهنون، لتمرير مقترحكم الشخصي؟

لقد بعث السيد العثماني، قبل تقلده لمهام وزارة الخارجية، الكثير من الإشارات التي تتناقض مع توجه حزبه، وكذلك مع التوجه الرسمي والشعبي للمغرب، فيما يخص قضية الهوية المغربية، وذلك ما عبر عنه بخصوص موقفه من ترسيم الأمازيغية، وكذلك بخصوص موقفه من مسألة الحكم الذاتي في الريف. وقد كانت جميع هذه الإشارات توحي منذ البداية، بأن السيد "العثماني" يعبر عن موقف هو أقرب إلى الحركة العرقية الأمازيغية، أكثر ما يعبر عن موقف حزبه أو عن الموقف الشعبي والرسمي للمغرب. ولذلك فإننا لا نستغرب صدور هذا الموقف من وزير الخارجية الجديد، إذا استحضرنا مواقفه السابقة.

لكن ما يجب على السيد "العثماني" أن يلتزم به، في علاقة بمنصبه الجديد، هو منطق السياسة الخارجية المغربية، حيث ظل المغرب يدافع بقوة على العروبة في المحافل الأممية، سواء كمكون ثقافي أو كمكون لغوي. ويمكن أن نستدل بالمجهود الكبير الذي قام به الوفد المغربي من أجل ترسيم اللغة العربية في الأمم المتحدة. فقد عرض المندوب المغربي على اللجنة الخامسة للأمم المتحدة، النص القاضي بترسيم اللغة العربية أمميا، بعد المفاوضات مع الأمانة العامة للأمم المتحدة ومع الوفود، والتي استغرقت مدة غير يسيرة، وساندته في ذلك الدول العربية، بالإضافة إلى خمس دول من آسيا، ست دول من إفريقيا، سبع دول من أمريكا اللاتينية، ومن أوروبا وفدان هما يوغوسلافيا وفرنسا.

وهكذا اتخذت الجمعية العامة قرارها 219 الدورة 35 والذي تقرر فيه أن تتمتع اللغة العربية بنفس الوضع الممنوح للغات الرسمية الأخرى، وإدخالها في الهيئات الفرعية للجمعية العامة، في أجل لا يتعدى الأول من يناير 1982. وتمت المصادقة على المشروع بالإجماع. "نص المحاضرة التي قدمها الدبلوماسي المغربي الأستاذ رشيد لحلو، نظمتها الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية- فرع الرباط- بالمركز الثقافي بأكدال مساء يوم الجمعة 10 فبراير 2012، تحت عنوان: اللغة العربية في أدائها الدبلوماسي".

ولذلك فإن ما ينتظره المغاربة من حزب قدم نفسه مدافعا على المقومات الحضارية للهوية المغربية، هو على الأقل، أن يستمر في نهج السياسة الخارجية لسلفه، إن لم يقدر على تطوير أدائه الدبلوماسي في هذا الاتجاه.

إن ما يجب على السيد "العثماني" أن يعيه في مهمته الجديدة، هو أن يكون قادرا على التمييز بين موقفه الشخصي، الذي من حقه أن يقتنع به ويدافع عنه، وبين الموقف الحزبي والشعبي والرسمي المغربي، الذي انتخب من أجل التعبير عنه في المحافل الدولية والإقليمية. وهذا التمييز المطلوب، هو ما من شأنه أن يقطع مع طابع الهواية، الذي يخلط بين المواقف والقناعات الشخصية، وبين المواقف الرسمية والشعبية، ويؤسس بالمقابل لعمل دبلوماسي حرفي، يكون قادرا على بلورة سياسة خارجية متوازنة، تعبر عن الاتجاه السائد داخل المجتمع.

ونحن لا نعدم في المغرب رموزا وطنية ذات أصول أمازيغية، استطاعت باتساع أفقها الفكري، أن تفصل بين النزعات العرقية المنغلقة، وبين الانتماء إلى الهوية المغاربية بأصولها العربية الإسلامية. وهذا ما سعى المجاهد الكبير "عبد الكريم الخطابي" إلى ترسيخه من خلال بيانه حول دوافع تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي، وذلك حينما يؤكد: "إننا أسسنا لجنة مهمتها تحرير المغرب العربي المسلم من ربقة الذل والاستعباد ومن نير الاستعمار البغيض"؛ وكذلك حينما يؤكد: "على كل فرد من أفراد شعب المغرب العربي أن يتحدوا اتحادا لا تشوبه شائبة، وينبذوا نهائيا كل ما من شأنه أن يؤدي إلى أدنى خلاف أو نزاع، وأن يوحدوا جهودهم المادية والأدبية، حتى نستطيع أن نقوم بواجب تحرير شعبنا ووطننا وإنقاذهما من وطأة الاحتلال بالقضاء على الدخيل" "انظر: محمد عبد الكريم الخطابي- بيان حول دوافع تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي- القاهرة 5/ 1/ 1948".

إن مشروع المغرب العربي، قبل أن يكون مشروعا سياسيا، هو في الأساس مشروع حضاري، يمتد لأكثر من اثني عشر قرنا، منذ تأسيس أول دولة مغربية مع الأدارسة، ومنذ لحظة التأسيس هاته، بدأت تتشكل الهوية المغاربية في تناغم مع الامتداد الحضاري العربي الإسلامي، ولذلك كان المغرب واحدا، بأقصاه وأوسطه وأدناه، لأنه في الأساس تكتل حضاري يتجاوز مخططات السياسة والسياسيين، فهو يجمع بين الشعوب ويوحدها لقرون. ورغم توالي الموجات الاستعمارية، فقد استعصى تفكيكه حتى على يد دهاقنة الاستعمار الفرنسي، الذين نظروا إلى هذه الوحدة الحضارية، كحاجز أمام طموحاتهم الاستيطانية.

·       العرب أون لاين
__________________
 * كاتب وباحث أكاديمي مغربي

ليست هناك تعليقات: