الأربعاء، 7 مارس 2012

الظاهر والمخفي في علاقات بغداد والرياض


خلال الاسبوعين الماضيين، حدث اكثر من تحول في مسيرة العلاقات العراقية ـ السعودية، فبعد أيام قلائل من إعلان الرياض تعيين سفير غير مقيم لها في العراق بعد اكثر من عشرين عاما من القطيعة الدبلوماسية بسبب غزو نظام صدام لدولة الكويت في صيف عام 1990 ولم ينهها سقوط ذلك النظام في ربيع عام 2003، زارها وفد أمني رفيع المستوى ضم مستشار الامن الوطني العراقي فالح الفياض، والوكيل الاقدم لوزارة الداخلية عدنان الأسدي وضباط أمن ومخابرات كباراً، ومن ثم أدلى وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل بتصريحات بدت في ظاهرها ايجابية بشأن العراق.../…


ما الذي حصل حتى يتبدل ايقاع العلاقات بين بغداد والرياض، والتي اتسمت طيلة الاعوام التسعة المنصرمة بقدر كبير من الاحتقان والتشنج والتأزم، وعدم استعداد الرياض لفتح كوة ولو صغيرة في جدار القطيعة وفقدان الثقة مع بغداد، بل على العكس من ذلك كانت تسعى بشكل دائم وحثيث الى ارباك الاوضاع ومحاولة افشال مجمل العملية السياسية في العراق، عبر دعم الجماعات الارهابية المسلحة ماليا وإعلاميا وايديولوجيا؟.

ما زالت الرياض من اشد المعارضين لاسقاط الديون عن العراق في الوقت الذي اسقطت الكثير من الدول الأجنبية كل او معظم ديونها عنه، وما زالت تنظر بكثير من الريبة والتوجس وعدم الارتياح لادارة الحكم في العراق بسبب وجود المكون الشيعي ودوره الرئيسي في المفاصل المختلفة، وعلاقات العراق الجيدة في المجالات السياسية والاقتصادية مع ايران، وقبل ثلاثة اعوام ذكر سياسي عراقي رفيع المستوى زار الرياض والتقى مسؤولين كبارا هناك من بينهم وزير الخارجية سعود الفيصل، انه سأل الأخير "لماذا هذا الموقف المتشدد والمتصلب من قبلكم تجاهنا"، فما كان من الوزير السعودي إلا أن يرد عليه دون تردد "ما دامت إدارة الأمور لديكم تسير بهذه الصورة فلن يتغير موقفنا، وهذا قرار الملك  "!.

وكان الفيصل قد أدلى في عام 2005 من العاصمة الاميركية واشنطن بتصريحات صحفية أعرب فيها عن قلق بلاده من تقارب العلاقات بين الحكومة العراقية التي يهيمن عليها الشيعة ـ حسب قوله ـ وبين إيران، معتبرا ان الدستور العراقي الجديد، قد يقسم البلاد ويضعف السنة، وان يتجه صوب الحرب الاهلية.

وحتى المبادرات السعودية تجاه العراق، كما هو الحال مع مؤتمر مكة عام 2006، ومبادرة الملك عبد الله لجمع الفرقاء السياسيين العراقيين بعد الانتخابات البرلمانية العامة ربيع عام 2010، لم تجد لها صدى طيباً، لأن الجانب الآخر من الصورة كان سلبياً جداً، اذ لم تكن الرياض بعيدة عن مشاهد القتل اليومية بواسطة السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والانتحاريين في مختلف مناطق العراق، وهذا ما كانت تتحدث عنه وسائل الاعلام والمحافل السياسية، وهو ما جعل الرأي العام العراقي بشكل عام يحمل الكثير من المشاعر والانطباعات السلبية عن دور الرياض في الإخلال بالأوضاع الأمنية وتوسيع دائرة الخلافات والتقاطعات بين القوى السياسية العراقية.

والان عند هذه النقطة، لا يبدو ان متغيرات حقيقية في المواقف والتوجهات السعودية قد طرأت على الواقع، بيد أن ظروفا خارجية أكثر منها داخلية ربما تكون قد استجدت، لا سيما ما يتعلق بالملف السوري، دفعت الرياض الى تبني تكتيك معين يساهم في تحشيد أكبر وأوسع جبهة ضد دمشق، وفي نفس الوقت ضد طهران.

ولعل الرياض وجدت في القمة العربية وسعي الحكومة العراقية الى عقدها في بغداد هذا العام بعد ان أُرجئ عقدها العام الماضي، فرصة سانحة لإملاء بعض من شروطها ومطالبها بصورة مباشرة او غير مباشرة، وربما بعض التغيرات في الموقف العراقي حيال سوريا، جاءت منسجمة بمقدار معين مع مواقف متشددة للرياض والدوحة، قرئت من قبل اوساط ومحافل سياسية عديدة على أنها جزء من الثمن الذي ينبغي ان تدفعه بغداد حتى تستضيف القمة، ويكتب لها النجاح المعقول بحضور الزعماء العرب أو من يمثلهم بأعلى المستويات فيها.

والرياض مثلما يقول بعض المعنيين، لم تفكر في يوم من الأيام بحضور قمة عربية تعقد في بغداد في ظل المشهد السياسي العراقي الراهن، ولم تفكر حتى في تركها تنجح الى حد ما، بيد أن ما جعلها تتعاطى إيجابيا مع ذلك الأمر، هو ان القمة ستكون محطة أخرى لعزل سوريا بدرجة أكبر عن محيطها العربي، حيث إنه لن يسمح لها بالمشاركة فيها بحجة ان عضويتها معلقة في جامعة الدولة العربية، أضف الى ذلك فإن الرياض تأمل في الحصول على أمور اخرى، كأن يكون إطلاق سراح بعض رعاياها المعتقلين في السجون العراقية بتهم تتعلق بالإرهاب، ولعل هذا ما حصل مؤخراً، اذ إنه بحسب مصادر عديدة وافقت الحكومة العراقية عقب زيارة الوفد الامني العراقي للسعودية على اطلاق سراح عدد من الارهابيين السعوديين! ناهيك عن ان الرياض تسعى الى تعديل بعض موازين القوى السياسية في العراق لمصلحة حلفائها الذين ترى أنهم باتوا مهمشين الى حد كبير.

وفي ظل هذا الحراك "التكتيكي" تكاد تغيب أية مؤشرات على نوايا سعودية حقيقية لاصلاح واقع العلاقات مع العراق، واغلاق الملفات المفتوحة ومعالجة القضايا العالقة، وربما كانت طريقة عرض الحوار الذي أجرته صحيفة " عكاظ" السعودية شبه الرسمية مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مؤخراً دليلا بسيطاً على ذلك الأمر، علما ان اية وسيلة اعلامية سعودية حتى وان لم تكن رسمية لا يمكن ان تحيد عن سياق التوجهات والمواقف الرسمية للمؤسسة السياسية العليا في المملكة، ولعل الكثيرين يتذكرون ما تعرض له الصحفي السعودي ونائب رئيس تحرير صحيفة "اخبار العرب" السعودية الصادرة باللغة الانجليزية جمال خاشقجي، حينما كتب مقالا امتدح فيه المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني تحت عنوان "على السنة تقبيل يد السيد السيستاني"، حيث وصل الامر الى طرده من منصبه !.

صحيفة "عكاظ" السعودية، وصفت رئيس الوزراء العراقي في مقدمة الحوار الذي اجرته معه بأنه سفاح، وحاولت ان ترسم صورة سودواية قاتمة للعراق بقولها "ان الوضع في العراق ما زال سوداويا، وأنه يظل خطيراً رغم كل المحاولات لاقناع الزائر والاستثمارات العربية بأنه أصبح أكثر استقرارا، وأن المالكي حاول تجاهل مخاوف احتمال وقوع تفجيرات هنا وهناك، وانه لم يجب بشكل مباشر عن اسئلتها بشأن علاقة بلاده المميزة مع ايران ."

ويبدو ان الصحيفة السعودية اختصرت واختزلت في مقدمتها طريقة التفكير السعودية حيال العراق، والنظرة العامة في مختلف الاوساط السياسية والاعلامية والدينية والثقافية هناك، والتي يشوبها الكثير من الخطأ، وترتكز في جانب كبير منها على مبدأ الخداع والتضليل والتحريض.

ولا شك أنه ما لم تتبدل القناعات والرؤى والتقويمات، ومعها النيات، فإن أي حديث عن تحولات ومتغيرات ايجابية وبناءة في مسيرة العلاقات بين بغداد والرياض لا قيمة له ولا جدوى منه.

·       بغداد – (الانتقاد)

ليست هناك تعليقات: