الأربعاء، 14 مارس 2012

مؤامرة الاستبداد ضد نضال ساكنة بني بوعياش


شباب المهجر (المناضل/ة) -- يبدو أن صدر الاستبداد يضيق أكثر فأكثر، وتسبيق الجزرة على العصا ومناخ "التسامح" مع النضالات الشعبية الذي فرضه انحناء النظام أمام عاصفة الثورات الإقليمية، حلت نهايته. وظهر للجماهير جليا، أن ما كان يرتسم على وجه نظام الاستبداد ليس ابتسامة وتفهما لمطالب الشعب، بل تكشيرا للأنياب وتسنحا لفرصة الانقضاض على حركات النضال.../...


يبدو أن ما كان يقصده مداح الاستبداد من كل التلاوين (ليبراليين ويساريين مزيفين وإسلاميين)، بـ"الاستثناء المغربي" في التعامل مع النضالات الشعبية، هو أن هذه النضالات لم تصل بعد من التفجرية والكفاحية ومحدودية سقف المطالب مقارنة مع دول "الربيع"، ما يضطر النظام للتعامل معها على غرار تعامل مبارك وصالح والقذافي وبشار.

فقد ظهر زيف هذا الاستثناء وبان دوره "الإعلامي الموجه للاستهلاك الخارجي" ولتخبيل الجماهير، أكثر من مرة في مناطق مست فيها نضالات الجماهير بأسس النظام الاقتصادي؛ في اليوسفية وخريبكة وآسفي. في هذه المدن حيث وصل نضال المعطلين درجة تعطيل آلية الإنتاج الرأسمالي، توارت أسطورة الاستثناء والتعامل السلمي مع النضالات، وظهر أن فصائل التدخل السريع والقوات المساعدة لا تختلف عن بلطجية مبارك وشبيحة الأسد ومدرعات القذافي..

نجاح الاستبداد في تدبير الوضع بتمرير الدستور المرقع وتجديد البرلمان وواجهة الاستبداد الحكومية- حيث حلت اللحية محل الذقن الحليق- سمح للاستبداد بالخروج من حالة الانتظار والتخوف من انفجار الوضع في حالة قمع شامل على غرار دول أخرى...

بسرعة حل شعار "استعادة هيبة الدولة"، محل شعار "الاستثناء المغربي".. وتوعد رئيس الحكومة بإخلاء الساحات العمومية من اعتصامات المعطلين لأنها "تمس بهيبة الدولة"، تهديد نفذته الفصائل المسلحة للاستبداد بتدخلات قمعية ضد المعطلين بجميع المدن.. حملات أسفرت عن أحكام بسجن مناضلي إطارات النضال ضد البطالة.

طبعا، فالحكومة التي لا تملك عصا سحرية لتوفير منصب شغل للمعطلين تملك هذه العصا لتوفير زنزانة لهم داخل السجون.

وتحت حرب إعلامية استباقية تبين نضالات الكادحين على أنها "مخططات جهنمية" لتقويض أمن المملكة السعيدة من طرف متطرفي اليسار والإسلاميين، خاض النظام حربا طاحنة ضد كادحي تازة.


حرب طبقية طاحنة ضد كادحي بني بوعياش

بعد الانتهاء من حملات هدم مساكن الكادحين وقمع نضالاتهم. توجهت "المحلات السلطانية" نحو مدينة بني بوعياش في أقصى شمال المغرب للتنكيل بأبنائها المصرين على النضال بشتى أساليبه الجماهيرية والسلمية من أجل مطالب، طالما كرر النظام وخدامه الليبراليين إيمانه بعدالتها ومشروعيتها وأن مغرب ما بعد الدستور والانتخابات سيشهد تلبية لا مثيل لها لهذه المطالب.

لكن يظهر أن بناء مستشفى بالمدينة, وتعميم تزفيت الشوارع والأزقة والإنارة العمومية.. وغيرها من المطالب الاجتماعية البسيطة، أكثر تكلفة من نقل فصائل كاملة من قوات القمع وآليتها الثقيلة (طائرات الهيليكوبتير وقاذفات المياه...)، حتى تفضل الحكومة خيار القمع على خيار الاستجابة لمطالب الساكنة.

وظهر أن "استعادة هيبة الدولة" محفز كبير "للعمل الحكومي"، فسرعة نقل قوات القمع وآليتها تضاهي بآلاف المرات تحرك الحكومة لإنقاذ منطقة منكوبة بالفيضانات أو تراكم الثلوج..


مؤامرة خسيسة لاجتثاث النضال الاجتماعي بالمدينة

لأن النظام لم يستطع إنجاح تكتيكه القديم القاضي بعزل المناضلين الأكثر إقداما عن باقي الجماهير، كي يسهل قمع الحركات المناضلة، التجأ إلى "التآمر" المفضوح واللجوء إلى أساليب الاختطاف التي ادعى النظام طي صفحتها.. ففي ليلة 02 مارس، أقدمت عناصر مجهولة الهوية باقتحام باحة مسجد المركز ببني بوعياش وقامت باختطاف "البشير بنشعيب" أحد مناضلي حركة 20 فبراير بالمدينة. الاختطاف بررته الدولة بكون المناضل البشير متورط في عدة أعمال إجرامية وكان حسب وكالة "لاماب" :"مبحوثا عنه منذ 2004"، لكن ما لن تستطيع الدولة تبريره هو منع الدولة من اعتقاله بالطرق التي يقرها القانون منذ 2004، بدل اللجوء إلى الاختطاف سنة 2012 لتزج به في السجن مع المتورط الحقيقي في عمل إجرامي متمثل في قتل كمال الحساني؟

هذا الاختطاف أطلق موجة عامة من السخط والاستنكار، لتنتفض المدينة على وقع احتجاجات واعتصامات وإضرابات عامة مستمرة من أجل إطلاق البشير..

وانطلقت صباح اليوم الاثنين 05 مارس 2012، مسيرة احتجاجية من مدينة بني بوعياش في اتجاه المحكمة الابتدائية بالحسيمة التي تبعد عن آيث بوعياش بأزيد من 24 كلم سيرا على الأقدام، حيث كان سيعرض "البشير" على قاضي التحقيق، وبعد أن تم منعها من طرف قوات القمع من الاستمرار توجهت إلى بلدة أجدير حيث رفع المحتجون علم الجمهورية الريفية فوق مقر "عبد الكريم الخطابي" المتهدم.


الهجوم على المدينة

بعد أن ظهر للنظام إصرار سكان بني بوعياش على النضال من أجل مطالبهم وإطلاق سراح المناضل المختطف، ازداد إصراره على سلوك نهج القمع الشامل.

كعادته، سبق الاستبداد هجوما إعلاميا على مناضلي المدينة فادعى أن التدخل جاء "بناء على مجموعة من الشكايات تقدم بها مواطنون من مدينة بني بوعياش إثر تضررهم جراء قطع الطريق الوطنية رقم 2 الرابطة بين إقليمي الحسيمة وتازة وإغلاق المحلات التجارية. ومنعهم من قضاء أغراضهم الإدارية بسبب اعتصامهم بمعية أشخاص آخرين أمام باشوية المدينة ومقر الجماعة".

استجاب النظام "لشكايات تقدم بها مواطنون".. بينما صم آذانه عن مطالب رفعتها كل ساكنة المدينة لمدة تناهز العام. كما برر الاستمرار في قمع سكان المدينة بالاستجابة لمطلب الأعيان ومنهم رئيس المجلس البلدي في اجتماع مع "الشرقي الضريس" الوزير المنتدب لدى الداخلية، حيث التمسوا منه إعادة الهدوء "والطمأنينة" إلى المدينة..

هكذا هو تتحالف الحكومة، التي أتت إلى الواجهة بمبرر محاربة الفساد، مع ممثلي الفساد ومنهم رئيس البلدية الذي ناضل سكان المدينة لمدة عام من أجل محاسبته، كما اتهمه مستشارون جماعيون (من الأصالة والمعاصرة) في وثيقة استقالتهم بـ"الإختلالات" و"الخروقات" الخطيرة في ميدان التسيير الإداري والمالي لجماعة بني بوعياش... إذا كانت حكومة العادلة والتنمية تحارب الفساد بهذه الطريقة.. فكيف ستكون طريقة تشجيعه إذن.

بدأ الهجوم/ المؤامرة على المدينة، بعد منتصف ليلة الأربعاء 7 مارس حينما شرعت قوات القمع بمختلف تلاوينها في مداهمة أحياء بلدة بني بوعياش لفض المعتصمات الكائنة بمقر المكتب الوطني للكهرباء وبلدية بني بوعياش.

شملت عملية "إعادة الهدوء" للمدينة تكسير العظام وتهشيم الرؤوس ومداهمة المحلات التجارية وتخريبها وسرقة الممتلكات وإشعال النيران في المقاهي والهجوم على المنازل بحثا عن المناضلين الذين فضلوا الهروب إلى الجبال بدل التوجه إلى المستشفيات حيث يتم اعتقالهم.. كل ذلك في مجهود "لاستعادة الهيبة" والاستجابة لشكاية تقدم بها مواطنون تضرروا من جراء قطع الطريق وتعطيل المصالح.. لقد عالج الاستبداد هؤلاء المواطنين بالتي هي الداء.

كانت حصيلة الهجوم إضافة إلى المعطوبين اعتقال 22 "مواطنا" وتعذيبهم بالمخافر، بالإضافة إلى مظاهر العقاب الجماعي للساكنة كضربهم في الشوارع. وبينما كان إعلام الاستبداد يفاخر بمنجزاته في حقل "حقوق المرأة"، بتركيزه على مبادرات جمعيات تنموية.. كانت النساء- عجائز وشابات- يتعرضن يوم 8 مارس للضرب والاعتداء والإهانة في شوارع مدينة بني بوعياش.

إن الهراوات والقنابل المسيلة للدموع من بين الوسائل التي يفضلها الاستبداد لتطبيق "الإصلاحات" التي ثمنها وزير خارجية فرنسا ويحض النظام على الاستمرار فيها.. في الوقت الذي لم ينس فيه "آلان جوبيه" أن يشكر بنكيران لحفاظه على مصالح فرنسا.. الإمبريالية طبعا.

استمرت المواجهات داخل المدينة طيلة أسبوع دافع خلالها الشباب بشراسة عن مدينتهم، حرب شوارع حقيقية استعمل فيها النظام كل ترسانته القمعية.. ومنع إعلامه من تناول ما يقع في المدينة حتى من منظور التشويه، فصمود المدينة لأكثر من أسبوع لن يستطيع إعلام مهما كان تزويره للوقائع أن يمنع تعاطف الكادحين معه.

وظهرت سلبية عدم وجود إعلام جماهيري مضاد، ينقل للكادحين حقيقة ما يجري في "واحة الديمقراطية" وسط "صحاري الاستبداد العربي".. ما عدا مجهودات الإعلام الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي..


ذخيرة كلامية

الاستبداد الذي نمق دستوره المرقع بديباجة تؤكد احترام المواثيق الدولية، أضاف إلى السلاح المادي من قنابل مسيلة للدموع والهراوات.. ذخيرة كلامية كاملة من سباب وقذف في أعراض المواطنين.

وكما حدث في إيفني 2008 كانت عبارات "أولاد الإسبان.. أولاد العاهرات"، بالإضافة إلى وصف الاستبداد الشهير لأبناء الريف بـ"الأوباش" وقع أكثر من وقع الهراوات. وهي عبارات تظهر حقيقة مشاعر "الأسياد" والحكام تجاه "شعبهم العزيز"؛ "حكرة" وامتهان للكرامة. هذه الإهانات التي يتلفظ بها أفراد التدخل السريع والقوات المساعدة، في حق الشعب الذي ينتمون إليه، تعبر عن حقيقة هذا النظام، نظام يستعمل أبناء الفقراء لسحق الفقراء بكعب الاستبداد الغليظ. نظام يستأثر بـ"الوطن"، بينما يتصارع الفقراء على الفتات والحواشي.


رهان التدخلات القمعية: استعادة "هيبة الدولة".. وتجفيف منابع الاحتجاج.

طبعا لم تكن "مصالح المواطنين المعطلة" هي ما يهم الاستبداد.. فطوابير المواطنين في المستشفيات العمومية والقرى التي لا تصل إليها الطرق وخدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب لا تحتل حيزا في مجال اهتمام الاستبداد... ما يهم الاستبداد هو هزيمة مدينة تقدم بنضالها المستمر نموذجا للمدن الأخرى، وبالتالي فيجب إلحاق الهزيمة بها، كي لا يفكر أحد باقتداء نموذجها.

كانت ذكرى انطلاق نضالات 20 فبراير محطة أخرى أظهرت مدى الانغراس الشعبي للحركة بالمدينة، فقد خرج آلاف المواطنين في مسيرة احتجاجية حاشدة يوم 20 فبراير الجاري، من وسط المدينة، لتتجه بعد ذلك صوب مدينة إمزورن، وسط شعارات قوية بعضها صريح والآخر ضمني، صدحت بها حناجر المتظاهرين الذين قطعوا أزيد من 10 كلم ذهابا وإيابا. وشهدت المدينة إضرابا عام على هامش المسيرة، حيث أغلقت جميع المحلات التجارية والمقاهي وكذا المؤسسات التعليمية والعمومية. كانت بني بوعياش المدينة التي خلدت الذكرى السنوية في يوم عمل، بدل يوم الأحد في المدن الأخرى.

توجد مدينة بني بوعياش في محور ساخن من النضالات الاجتماعية منذ انطلاق حراك 20 فبراير السنة الماضية، حيث عرفت المنطقة أكثر النضالات جماهيرية في كل من بوكيدارن وإمزورن والحسيمة بالإضافة إلى نضالات التنسيقية الإقليمية للمعطلين الذين تعرضوا لتدخل عنيف أمام مقر المجلس الجهوي، نتج عن إصابات في صفوف بعض المنتمين لفروع الإقليم.

وتتواصل نضالات سائقي الشاحنات منذ فبراير المنصرم واعتصامهم بالطريق الساحلي ضد "تعسفات، استفزازات" الدرك الملكي، والمتمثلة في استمرار اعتقال رخص السياقة المهنية، خاصة حالات رخص السياقة، التي يعتبرها المعتصمون مصدر رزق السائقين المهنيين بشكل تعسفي و بدون وجه حق.

في حين يستمر اعتصام سائقي الجرارات بمنطقة آيث يوسف وعلي منذ17 فبراير وقطع الطريق الوطنية رقم 2 على مستوى المدخل الشمالي لمدينة إمزرون يوم الجمعة 17 فبراير؛ ردا على ما أسموه بـ"تماطل" المسؤولين المعنيين في الإفراج عن جرارات كانت السلطات الأمنية قد حجزتها في وقت سابق، ويطالبون بحذف عقوبة المُصَادرة من القانون الجديد، وتخفيض ثمن الرخصة الذي يُقدر بـ 1000 درهم لمدة شهرين، و التخفيض من الإتاوات المتعلقة باستغلال الملك العام.

ونظمت تنسيقية الأساتذة العاملين بالوسط القروي، صباح يوم الجمعة 24 فبراير 2012 وقفة احتجاجية أمام مقر النيابة الإقليمية لوزارة التربية الوطنية تنفيذا للبرنامج النضالي الذي تم تسطيره والذي كان قد استهل بإضراب لمدة ثلاثة أيام ابتداء من 23 فبراير إلى غاية 25 من نفس الشهر، من أجل مطالب مرتبطة بهذه الفئة (توفير البنيات التحتية والسكن اللائق وإعادة النظر في معايير الحركة الانتقالية".

هذه الحركية النضالية التي تمس أغلب شرائح منطقة الحسيمة وقراها هي التي يحاول النظام القضاء عليها بهجومه على بلدة بني بوعياش، وليس الحفاظ على "مصالح المواطنين المعطلة".

وضعية الفقر المدقع وانعدام آفاق الاندماج المهني، باستثناء تجارة الكيف والتهريب والهجرة نحو أوروبا التي تقلصت نتيجة الأزمة المالية، تجعل من المنطقة- الموجودة على حواشي المجتمع البورجوازي- خزان بارود مهدد بالاشتعال وقد يحرق معه مجمل نظام الاستبداد السياسي والاستغلال الاقتصادي، ولذلك بعد أن فشل النظام لمدة عام على تبليل البارود، عزم على نزع الفتيل بالقوة.

وليس عبثا يرفع المحتجون شعار "ماشي بعيد، ماشي بعيد.. بني بوعياش سيدي بوزيد".. لذلك كان رهان القمع الأهوج؛ هو منع بني بوعياش من التحول إلى سيدي بوزيد المغرب، وليس مصالح المواطنين المعطلة.

شهدت معظم المدن المغربية وقفات تضامنية مع ساكنة بني بوعياش، وقام متضامنون ببلدة بوكيدران، فور ذيوع خبر دخول القوات الأمنية إلى بني بوعياش لفض الاعتصام، بقطع الطريق في المنطقة بمتاريس و إيقاد إطارات مطاطية في وسط الطريق بعد ساعة من التدخل، لمنع التعزيزات الأمنية التي بدأت تتقاطر على مدينة بني بوعياش.

إن نظام الاستبداد يستفيد من تشتت النضالات وطابعها المحلي وافتقارها إلى منظور سياسي واضح وبنيات تنظيمية ذاتية وديمقراطية. كما يستفيد من طبيعة القاعدة الاجتماعية للنضالات الجارية حاليا المقتصرة على مهمشي القرى المحرومين من الحدود الدنيا للخدمات الاجتماعية والمحرومين من الشغل، بينما لا زالت الطبقة العاملة المدينية خاملة نتيجة عقود من السيطرة البيروقراطية والتخبيل الليبرالي.

يعمل نظام الاستبداد على قمع منطقة دون أخرى، أي التفكيك التدريجي للتعبئات النضالية الكبرى القائمة بالبلد، فمن تازة إلى بني ملال ها هو يطحن ساكنة بني بوعياش. كل ذلك بتعاون طاقم سياسي سواء الموجود بالحكومة أو الموجود بالمعارضة، وتواطؤ بيروقراطيات نقابية فضلت إحداها الهجوم على المناضلين الكفاحيين بجهة الرباط بدل النضال ضد تهجمات الباطرونا ودولتهم على حقوق العمال.

إن تنسيق النضالات على المستوى الوطني أصبح ضرورة ملحة لا واجبا نضاليا يتمثل في الوقفات التضامنية مع المدن التي تتعرض للقمع.

·       كتبه : أزنزار

ليست هناك تعليقات: