الجمعة، 16 مارس 2012

كيف تم تهميش الريف اقتصاديا؟


بقلم : محمد الغلبزوري -- مباشرة بعد  معاهدة الخيانة "ايكس ليبان" التي وقعتها ″الحركة الوطنية″ مع المستعمر، والتي بموجبها حصل المغرب على استقلاله الشكلي ، اتضحت معالم السياسة الإقصائية  للحكومة المركزية  اتجاه  منطقة الريف، والتي تجلت أنذاك  في تجاهل الدور الريادي الذي كان  يقوم بها أبناء الريف في الدفاع عن الوطن ، خصوصا المنخرطون في صفوف جيش التحرير المغربي  المتمركز  بشكل كبير في الريف، والذي كان يطالب باستمرارية تحرير البلاد من المستعمر حتى خروج آخر جندي أجنبي منه. الموقف الذي كان يسانده الأمير محمد بن عبد لكريم الخطابي من المنفى.../...

وكانت لتك  السياسات ″ المصلحية″ والإقصائية التي نهجها النظام المغربي وحليفه حزب الاستقلال دورا كبيرا في اندلاع  انتفاضة الريف ″عام اقبرن″ بقيادة رحاج سلام امزيان ضد النيات  الخبيثة  ″للوطنيين ″ بقيادة  علال الفاسي. والذين استفادوا من   كل مزايا ″المغرب المستقل″ ، من مناصب حكومية و إدارية  و أراضي خصبة وإحكام القبضة على مجموعة من الشركات التي أحدثها المستعمر....

ولضمان تلك الامتيازات استعملت الدولة بقيادة ″ولي العهد″ الملك الحسن الثاني وبتواطؤ مع ″مليشيات″ حزب الاستقلال كل الوسائل الغير المشروعة من اجل القضاء على انتفاضة الريف 1958-1959  بما فيها  القتل والاغتصاب والإحراق واهانة كرامة الريفيين...

وبعد نجاح الدولة في القمع العسكري لإنتفاظة الريف، فكر الملك الحسن الثاني في بداية الستينات في الانتقام من الريف عن طريق سياسة أخرى وهي أكثر خطورة عن سابقاتها و هي سياسة  تهجير أبنائه وتشجيع زراعة المخدرات والتهريب بالمنطقة . ولهذا سنبين في هذا المقال إلى أي حد أستطاع النظام إحكام قبضته بواسطة الثالوث: الهجرة، المخدرات، التهريب على المنطقة وتهميشها.


1.    الهجرة
بداية من منتصف الستينات منح المغرب للريف وضع استثنائي فيما يخص تسهيل  مسطرة الحصول على جواز السفر(passeport) مقارنة مع المناطق الأخرى، تلك  التسهيلات كانت الهدف منها تهجير أبناء الريف إلى الخارج والتخلص منهم بدعوى أنهم ″متمردون″ و″فوضويين″، هذا ما أسفر إلى هجرة عدد من الريفيين إلى الخارج خصوصا إلى ألمانيا وهولندا ثم بعد ذلك إلى فرنسا.

وبعدما أعلنت  الدول الأوربية عن  عدم رغبتهم في المهاجرين المغاربة وفرضت عليهم تأشيرة العبور(visa)، التجأ المغرب في بداية التسعينات إلى تشجيع نوع آخر من الهجرة، ويتعلق الأمر بالهجرة السرية عبر قوارب الموت  ووسائل أخرى  والتي كانت عواقبها أكثر خطورة  على منطقة الريف.

كما عمل المغرب على تهميش الريف وعزله عن باقي مناطق المغرب عن طريق حرمانه من كل البنيات التحتية بما فيها المحاور الطرقية، و تم إغلاق مجموعة من المعامل التي كانت توجد فيه خاصة في إقليم الحسيمة( معامل تصبير السمك)، مما ساهم في هجرة أبناء الريف إلى مختلف المناطق المغربية..

وان كانت الهجرة بصفة عامة بمختلف أنواعها ( الخارجية والداخلية) كانت لها وقع ايجابي على المهاجرين، الذين استطاعوا أن يحسنوا من  وضعيتهم المادية. إلا أنها،  كانت لها عواقب وخيمة على المنطقة، حيث أن الريف فقد عدد كبير من أبناءه الذين كانوا سيشكلون أساس أو منطلق أي تنمية في المنطقة خصوصا وأننا نعرف ان   بدون وجود العنصر البشري لا يمكن أن نتحدث عن أي تنمية في المنطقة خصوصا وأن هذه الأخيرة لا تتوفر على الشروط الضرورية  لاستقبال مهاجرين  من مناطق أخري.

كما أن نسبة كبيرة من  العملة الصعبة المحولة  إلى المنطقة من طرف الجالية الريفية المقيمة  بالخارج  لم تستفد منها المنطقة، بل  وجهت  للاستثمار في  مناطق أخرى من المغرب، أما النسبة القليلة الموجهة إليها  أستثمرت إما في المجال العقاري الذي كان لها دور في الارتفاع الصاروخي لثمن العقار في الريف مما ساهم في عدم الاستقرار فيه. أو إلى الاستهلاك اليومي والذي ساهم بشكل كبير في خلق نوع من الاتكالية في الريفيين وخلق شعب  ضعيف وغير منتج .

كما أن تلك التحويلات من العملة الصعبة لا يمكن أن يعول عليها  في المستقبل من أجل تنمية الريف، لأن المنطقة فقدت الجيل الثالث ونصف الجيل الثاني  من المهاجرين المقيمين بأوربا ، بفعل أن الروابط التي تربطهم بالمنطقة تنعدم بالتدرج ، وأصبحوا يفضلون وجهات أخرى لقضاء عطلتهم الصيفية بدل من الريف.


2.    المخدرات والتهريب
 من المعلوم أن الممتهنين لزراعة المخدرات أو الاتجار فيها و المهربين للسلع الأجنبية  سواء من سبتة أو مليلية أو من وجدة يجلبون أموالا طائلة من أنشطتهم ، إلا أنها  أموالا غير مشروعة. ومن أجل إضفاء الشرعية عليها غالبا ما يلجئوا إلى عملية تسمى غسيل الأموال أو ″ تبييض الأموال″ والتي كانت لها آثار اقتصادية جد خطيرة على منطقة الريف، والتي يمكن تصنيفها إلى ما يلي:

-         الأثر على المستوى الاقتصاد المهيكل: إن الأنشطة المرتبطة بالمخدرات والتهريب تدخل في إطار الاقتصاد الغير المهيكل وفي الأنشطة الغير المشروعة، وانتشارها بشكل كبير بالمنطقة يساهم في خلق منافسة غير مشروعة مع  الاقتصاد المهيكل الذي يؤدي الضرائب ويصرح بالعاملين للضمان الاجتماعي، وهذا ما يفسر هروب المستثمرين من الريف لأنهم لا يستطيعون مواجهة ومنافسة الاقتصاد الغير المهيكل. الشيء الذي ساهم في انتشار البطالة فيها بنسبة مرتفعة مقارنة مع باقي المناطق.

-         الأثر على المستوى الماكرو- اقتصاديmacro- économie : بحيث يهم مستويات الإنتاج والاستهلاك وإعادة توزيع الدخل والاستثمار، بحيث وجود السيولة المرتبطة  بالمخدرات والتهريب بكثرة في المنطقة مقارنة مع نسبة الإنتاج يؤدي إلى التضخم الذي يؤدي بدوره إلى انخفاض قيمة النقد وبالتالي ارتفاع الأسعار. ومن جهة أخرى فكلما تأثرت الأموال المرتبطة بتلك الأنشطة بحملة من الحملات إلا وتقلصت السيولة في المنطقة ومن ثم مجموعة من الأنشطة المرتبطة بها، والكل يتذكر الحملة( تصفية الحسابات) التي شنتها وزارة الداخلية على أباطرة المخدرات في الريف سنة 1996 والتي أثرت بشكل سلبي على المنطقة خصوصا على التشغيل. كما أن الحملة  التي تمت فيما يعرف بقضية ″ابن الويدان″ قد كان لها اثر سيئ على طنجة وتطوان والريف بصفة عامة، وعرفت المنطقة ركودا واضحا.

-          الأثر على مردودية الأسواق ومردودية العمل كعامل من عوامل الإنتاج: إن أباطرة المخدرات ومهربي السلع غالبا ما يستثمرون أموالهم في مشاريع لايكترثون بدرجة أولى بعائد استثماراتهم وأموالهم بقدر ما  يهمهم إضفاء الشرعية على أموالهم، وهذا الأمر هو الذي جعل كثير منهم يضخون أموالا طائلة في مشاريع يجمع الجميع على أنها غير مربحة، وهذا يتجلى بالخصوص في مجموعة من محطات البنزين الموجودة بالريف وكذا المقاهي من الطراز الرفيع. من خلال الاتجاه إلى هذه المشاريع نكتشف بان مالكيها لا يكون هدفهم هو  الربح بقد ما يكون إضفاء الشرعية على أموالهم، وهذا ما يؤثر سلبا على المستثمرين الحقيقيين الذي لا يمكنهم منافسة هؤلاء والمغامرة بمشاريعهم في المنطقة وبتالي يتجهون إلى المدن الأخرى.

-         الأثر على ارتفاع الأسعار: إن تجار المخدرات بالمنطقة غالبا ما يتجهوا إلى مشاريع سريعة الربح كالعقار التي لا تحتاج بالضرورة للمرور عبر الفاتورات والشركات المسجلة، بل تكفي فيها العقود العدلية والأداء النقدي، بعيدا عن أعين المراقبين والمتتبعين، وبالتالي نجد اثمنة العقار في الريف جد مرتفعة بنسبة أربعة أضعاف مقارنة مع الجهات الأخرى، الشيء الذي يستحيل معها للطبقة الضعيفة والمتوسطة الحصول على سكن لائق، مما  سبب في ارتفاع نسبة الهجرة من الريف إلى المناطق الأخرى. والشيء الخطير هو أن نرى أن سماسرة العقار زعفوا إلى اغلب الأراضي الفلاحية والغابوية  الموجودة بالريف( النكور مثلا)  مما سيؤثر سلبا  على التنمية المستدامة بالمنطقة .

ويمكن أن نقيس على هذا المنوال أثمنة المواد الأخرى حيث أن آليات السوق لا تلعب في مثل هذه الحالات، فكيف أن توجد بمدينة الناظور مثلا سيارات فارهة- يفوق ثمنها المليون درهما- تخرج من توها من معامل ألمانيا، بينما لا تجد عدد مماثلا لها في ألمانيا نفسها الذي يضاعف مستوى العيش فيها ست مرات مثيله بالريف.

ونفس الشيء ينطبق مثلا على  بعض العادات الاجتماعية مثل ″صداق الزواج″ الذي يتعدى  مقداره في الريف  في كل الحالات 20000 ألف درهم بل يصل في بعض الحالات إلى 200000 ألف درهم وتكاليف حفل ″الزفاف″ الذي يتعدي 50000 ألف درهم، بنسبة تضاعف أكثر من عشر مرات في بعض مناطق المغرب ، مما يجعل الزواج شبه مستحيل  على الطبقات الضعيفة بالريف.

-         الأثر السيئ على قيمة العمل: إن انتشار أموال الغير المشروعة بكثرة بالريف أدى إلى خلق فئة من الريفيين لا تقنع بالأجر القليل، فالذي يشتغل في تجارة المخدرات آو تهريب السلع أو الهجرة السرية ويربح الكثير لا يمكنه أن يرجع إلى العمل بأجر 60-90 درهم في اليوم مثلا. ولعل هذه العقلية من بين المؤثرات الحقيقية على ثمور ثقافة العمل في كثير من أوساط الشباب الباحثين عن الربح السريع. وكل هذا ساهم في  انسحاب فئة من الطبقة المنتجة إلى الخلف حيث أصبحت طبقة غير منتجة تعيش على الإنتظارية والبحث عن الربح السريع وعلى المساعدات التي تأتي من عائلاتهم من الخارج.

كما أن  ارتفاع أسعار العقار و المواد الاستهلاكية ساهم في الخلل وعدم  التوازن بين الطبقات الاجتماعية بالريف ، ونجد أن الطبقة المتوسطة التي تلعب دور محوري في  دورة الاقتصاد وفي التوازن بيت الطبقات الغنية والفقيرة قد تقلصت بشكل كبير في اتجاه الطبقات  الضعيفة.

-         الأثر على تفشي الظواهر المرضية في المنطقة كارتفاع الرشوة والزبونية....فتجار المخدرات لا يتراجعون أمام أي عوائق ومصاعب، فالمال بالنسبة إليهم هي السبيل إلى كل شيء سواء هو مشرع أو محرم. فحسب إحصائيات تفشي ظاهرة الرشوة في مدن المغرب تأتي مدينة الناظور في المرتبة الأولى ثم طنجة، تطوان، الحسيمة، وجدة...وبالتي ليس هناك سبيل لبناء اقتصاد واستثمار حقيقي في في المنطقة في ظل انتشار هذه الآفات الخطيرة.

-         الأثر على تشويه العمل السياسي في المنطقة: منذ الاستقلال ولوبيات المخدرات هي التي تتحكم في القرار السياسي في الريف وهي التي تكون جميع المجالس المنتخبة بالريف، وحتى التمثلية في البرلمان، فأكثر من 90 في المائة يحصل عليها هؤلاء الأباطرة عن طريق شرائهم للأصوات، وغالبا ما يكون هدفهم الحقيقي هو الحصانة البرلمانية ونسج علاقات مع المسؤلين في الرباط عوض التفكير في تنمية المنطقة.


خلاصة القول، إن سياسة التهجير والمخدرات والتهريب ما هي إلا وسائل استخدمها النظام المخزني لكبح المواقف الرجولية للريفيين بدءا بمواقف الأمير مولاي موحند وقادة انتفاضة  1958- و1959 و 1984...

وان كانت هذه الوسائل أغنت بعض أبناء المنطقة، إلا أنها ساهمت في تهميش المنطقة وعزلتها وتشويه سمعة أبنائها. ولهذا يبقى المدخل الأساسي للتنمية الحقيقية للمنطقة والمصالحة معها هو إقرار حكم ذاتي للمنطقة حتى تستطيع الاستفادة من جميع ثرواتها (الطبيعية والبشرية والمالية) ومن موقعها الإستراتيجي المتميز. كما يجب هيكلة كل الأنشطة الاقتصادية الموجودة بها (الاقتصاد الغير المهيكل) مع العمل على تقنين زراعة المخدرات والتي ستصبح من بين أهم الثروات التي سيعتمد عليها اقتصاد المنطقة (ستساهم في التنمية الفلاحية و التجارية والسياحية).

إن بناء اقتصاد ريفي قوي وانعكاساته الايجابية على المجال الاجتماعي، سيساهم بدون شك في وقف هجرة أبناء الريف إلى الخارج والى الداخل ، كما سيساهم في عودة الجالية الريفية بأوربا إلى المنطقة، خصوصا وان أغلبية دول أوربا تعرف أزمة في في السنين اللأخيرة (اسبانيا، ايطاليا)...


·       بقلم : محمد الغلبزوري
Med.elghalbzouri@gmail.com


ليست هناك تعليقات: