الاثنين، 26 مارس 2012

انتحار أمينة.. لنعبر عن سخطنا


استأثر حدثان متباينان باهتمام الرأي العام في الآونة الأخيرة: انتحار الطفلة أمينة بالعرائش وتصريحات العامل السابق لسيدي بنور تجاه أحد أعضاء الحكومة.

بقلم : ادريس بنعلي -- يتعلق الأمر في الحدث الأول بفتاة قاصر وجدت نفسها في أسفل السلم المجتمعي بدون حماية، فتم تسليم مصيرها لمغتصبها. أما الحدث الثاني، فكان بطله رجلا يصنف مبدئيا ضمن خانة نخبة النظام، ومع ذلك سمح لنفسه بتشبيه وزير دولة بالكلب.../...


ظاهريا، لا يبدو أن ثمة علاقة بين الحدثين. غير أن اعتماد منطق السلم الاجتماعي في تحليلهما يقودنا، بكل سهولة، إلى اكتشاف العلاقة القائمة بينهما.

تتحدر الطفلة أمينة من وسط فقير لا يتمتع بأي حماية، وهذا ما جعل منها طريدة يسهل اقتناصها من قبل ذوي النفوس المريضة. بتعبير آخر، لم يكن الوسط الاجتماعي الذي ترعرعت فيه سوى غابة ملأى بحيوانات مفترسة مستعدة للتكشير عن أنيابها في وجه الضعفاء قبل الانقضاء عليهم. وعلى هذا الأساس، كان لزاما على الطفلة أمينة أن تقضي حياتها متخفية من أجل البقاء حية، لأن أي ظهور لها كان سيكلفها حياتها. كانت حياتها محكومة بقانون الغاب.

أما العامل سالف الذكر، فينتمي إلى الفئة الثانية من السكان الموجودين في هذه الغابة. تلك الفئة التي تملي على الآخرين قانون الغاب وتسنه وفق ما يخدم مصالحها. ترى هذه الفئة في بقية الفئات الأدنى منها مستوى فرائس وطرائد يجوز أكلها ويتوجب احتقارها. إحساس بالتعالي شائع لدى مسؤولينا. مسؤولون غير قادرين على تخيل وجود عالم قائم على احترام الإنسان. تشبعهم بثقافة السلطوية واحتقار الآخر يجعلهم عاجزين عن الاقتناع بإمكانية التفكير في العلاقات الإنسانية بشكل مغاير. ينبني تصورهم للأشياء على ثقافتهم والتكوين الذي يتلقونه. ثقافة وتكوين يقدمان عامة المواطنين في صورة كائنات يجب تطويعها ويتعين احتقارها دائما، حتى إن تمكن بعضهم من ارتقاء الدرجات وأصبح يتبوأ مراتب أعلى من أعوان السلطة أو بات رئيسهم بقوة القانون، كما هو الشأن في هذه الحالة على أساس أن وزير الدولة أعلى مرتبة من العامل، وفق منطق التراتبية الإدارية.

المؤلم حقيقة في هذين المثالين أن المجتمع المغربي لا يزال أمامه طريق طويل قبل ولوج عهد الحداثة. يتعين عليه، أولا، أن يقطع مع هذه الثقافة، التي تفرض على فئة من المغاربة تحمل المعاناة والخضوع للاحتقار، في الوقت الذي ينعم آخرون بحياة رغدة وينبرون لاحتقار الآخرين.

لا ريب أن مجتعنا قام على الظلم و"الأبارتايد الاجتماعي"، والتقاليد والتوافقات القائمة تساهم في استدامة هذه الوضعية. وضعية تتميز بـ"ديكتاتورية" المجتمع على الفرد وقوة التوافقات وثقل التقاليد، وهو ما يعمق مأساة وجراح الطبقات الموجودة أسفل السلم الاجتماعي، ويحكم عليهم بـ"حياة بئيسة ووحشية وقصيرة" حسب التعبير الشهير للفيلسوف هوبز.

إجمالا، يحتاج المغرب إلى ثورة ثقافية حقيقية ترتقي به إلى مستوى الأمم الحداثية المحترٍمة للإنسان. لا ينبغي أن نخفي واقعا مريرا لا يزال فيه "الإنسان ذئب أخيه الإنسان". فكيف يمكن إرساء دعائم حديثة قائمة على الإنصاف في مثل هذه الوضعية «الإنسان العادل، حسب الفيلسوف ألان، ينتج العدل رغما عنه لأنه يحمل العدل بداخله».

وفي  انتظار بلوغ هذا المستوى الراقي، يستمر كثيرون بيننا في العيش وفق منطق يلخصه الأديب الكبير شكسبير فيما يلي: "نعم، طالما أني فقير، سأظل مصابا بالخرَف، ولا أرى في الأغنياء شيئا عدا أخطائهم، وحين أصبح غنيا لن أرى في هذا العالم رذيلة أفظع من الفقر".

يجب أن تدفعنا مأساة أمينة الفيلالي إلى رصد حالات الظلم والحيف القابلة للجَبْر في مجتمعنا. وينبغي أن يكون الإحساس بالظلم الذي انتاب فئات عريضة من المغاربة بسبب هذه المأساة بمثابة «شارة» الانطلاقة لجميع النساء والرجال المتعطشين للحرية والمساواة.

يلزمنا ألا نترك الجناة يقلصون دائرة العلاقات الإنسانية ويفرضون قانون الغاب. لنعبر عن سخطنا.

ما وقع في العراش صدمة للذين يريدون بناء مغرب لجميع المغاربة. ولكن التاريخ نفسه يصنع بالصدمات المتتالية. وعادة ما تمكن هذه الصدمات من التقدم خطوات إلى الأمام شريطة الوعي بالتحديات المطروحة المتعين كسب رهانها. وهذه مسؤولية كل المؤمنين بمستقبل هذه البلاد.



 

ليست هناك تعليقات: