الاثنين، 21 مايو 2012

الإهــــانــــــــة ..


شباب المهجر (مقالات) بقلم: ذ. إدريس بنعلي -- بماذا يمكن تفسير حرمان وزير من صلاحياته ومنحها لوزير آخر لمجرد أنه تجرأ على الأخذ بزمام الأمور وبادر إلى اقتراح دفتر تحملات جديد لقنوات الإعلام العمومي لم يرق لموظفين يخضعون مبدئيا لسلطته؟ بماذا يمكن تفسير إعفاء المسؤولين السابقين عن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري برسالة هاتفية قصيرة؟ وكيف يمكن أن نفهم كيف تمكن رئيس مصلحة في قناة تلفزية من إركاع وزير؟ هذا ما يسمى الأهواء. وهذه ممارسة سائدة في الثقافة السياسية المخزنية. وقد كان الملك الراحل الحسن الثاني واضحا بشأن هذه النقطة حين قال: "إذا لم يرغب أحد في أن يصبح وزيرا، فإني سأنادي على سائقي"..../...


وإذا كانت الأهواء تعني في هذا المقام اتخاذ القرارات بكل حرية دون الرجوع إلى هيئة منتخبة أو نص قانوني واضح، فإن هذا السلوك في الدول الديمقراطية والمتحضرة يسمى بالاحتقار، وإن كان المقدم عليه شخصا حظي بتصويت كوني.

يفضي الاحتقار إلى الإهانة، التي تعني نزع صفة الكرامة عن الآخر. إنها شرور تعاني منها الحياة السياسية العربية، وهي نفسها التي أخرجت الجماهير للتظاهر في الشوارع بحثا عن الكرامة. الربيع العربي تجسيد حقيقي لهذه التطلعات والطموحات.

كنا نعتقد أن تنزيل الدستور الجديد سيعيد هذه الكرامة ويبرز ثقافة جديدة وسلوكات جديدة، غير أن البداية لا تنبئ بذلك. أكثر من ذلك، ثمة أسباب حقيقية تبعث على القلق من المستقبل، ليس لأن الدستور الجديد لا يمنح سلطات أقوى للحكومة وحسب، بل لأنه يفتح الباب على مصراعيه لسوء المعاملة والتعسف . وعلى الذين اعتقدوا في الأشهر الثلاثة الأولى من عمر الحكومة الحالية أن ثقافة سياسية جديدة قوامها المسؤولية والشفافية واحترام صلاحيات الوزراء قيد التشكل، أن يراجعوا حساباتهم. عليهم أن يقطعوا مع الأوهام ويتيقنوا من أن المخزن ليس مستعدا للتسامح بشأن المبادرات والإصلاحيات التي يبادر إليها بنفسه.

الرسالة واضحة. الويل للوزير الذي يبادر إلى تحمل مسؤولياته ويأخذ بزمام المبادرة ويلتزم بالإقدام على الإصلاحات دون أن يأخذ مسبقا برأي حكومة الظل. فما جدوى تنظيم الانتخابات إذا كانت شرعية صناديق الاقتراع لا تمنح الحق في اتخاذ القرار؟
 
الصفعة التي تلقاها حزب العدالة والتنمية ستهز، بكل تأكيد، هذا الحزب، إذا كانت لديه بقية من عزة وكرامة. كيف يمكن التقدم أمام الرأي العام وادعاء الحكمة بعد الذي حدث؟ وإذا لم يبادر العدالة والتنمية إلى الرد بجدية على هذه الإهانة، فليكن متيقنا من أنه وقـّع بيان موته السياسي.

لن يثق أحد بعدها في قدرة هذا الحزب على الحكم وتدبير شؤون البلاد. لم يعد ممكنا إقناع عموم المواطنين بإطلاق التصريحات النارية إذا استعملت مفرقعات نارية بها بلل. والسير على هذا المنوال حكم نهائي باختفاء الحزب من الساحة السياسية ونزع صفة فاعل في التغيير عنه. ألم يكن يجدر بحزب العدالة والتنمية أن يعترف بعدم قدرته على المضي قدما في الحكم ويخلي المكان للقوى الشعبية المستقلة القادرة على الدفاع عن أفكارها وفرض برنامجها؟

ماذا نفعل في الحكم إذا لم نكن نتوفر على الإرادة والمقدرة والشجاعة الكافية للدفاع عن أعمالنا وأنشطتنا؟ لا شيء عدا إهدار الفرص وتلويث الساحة السياسية بتفكير عفا عنه الزمن من خلال إطلاق تصريحات قديمة واعتماد تدبير فوضوي.

تتملكنا أيضا رغبة في التساؤل عن جدوى تنزيل الدستور الجديد إذا لم تتوفر إرادة عميقة في التغيير؟ الإجابة بسيطة: ربح الوقت وزرع الأوهام.

يا لها من فوضى! ويا له من انعدام وعي إذا ساد الاعتقاد بأن الربيع العربي، في تجلياته المغربية، مجرد سحابة صيف عابرة ستختفي من الأجواء بمجرد هبوب الرياح. صحيح أن هذه الحيل قد تبدو وسيلة للالتفاف على الصعوبات المطروحة وخداع الخصم، لكن هل تدخل حقيقة في إطار الدينامية التاريخية الساعية إلى منح البلاد بديلا جديدا ذا مصداقية؟

 
يبدو لي أن المغرب يحتاج إلى أشياء كثيرة أكثر أهمية من مجرد دمى بلاستيكية من أجل تأثيث الفضاء. وقد أبدى المغاربة نفورا واشمئزازا من نخب مكبوح جماحها وزعماء يصنعون من أعلى. المشهد السياسي المغربي مليء بالجبناء وضعيفي الإرادة. لا مجال لعقد آمال كبرى، فقد انضاف العدالة والتنمية إلى اللائحة. هذا الأخير الذي جعل المواطنين يعتقدون أنه حامل مشروع، فإذا به يحصر دوره في كونه حامل ماء.

ليس هذا مجيدا. كيف يمكن للعدالة والتنمية أن يقبل بالطريقة التي يعامل بها حاليا، ثم يدعي أنه في مستوى تطلعات الشعب؟ يجب الإقرار بأن الحكومة تحتاج إلى استرجاع كرامتها المستهزَإ بها لكي تتمكن من الولوج إلى عالم المصداقية. بتعبير آخر، مؤسف القول إن مزبلة التاريخ تنتظر الحكومة الحالية.




  

ليست هناك تعليقات: