الأربعاء، 23 مايو 2012

الملك المفترس .. (الجزء الخامس / الفصل الرابع)


مملكة الأصحاب واللئام


قال الشرايبي عن فؤاد الهمة صارخا في وجه محمد السادس: "سوف ترى، هذا الرجل سيقضى عليك يوما، إنه أسوأ من أوفقير"

أول زيارة قام بها محمد السادس إلى الخارج، كانت بدون أدنى مفاجأة إلى الديار الفرنسية. وقد جرت من 19 إلى 22 مارس سنة 2000 ، أي ستة أشهر بعد تنصيبه ملكا للبلاد، وذلك عقب زيارة خاصة دامت ما ينيف عن عشرة أيام، نزل فيها بالمنتجع الجبلي الفرنسي كورشفيل Courchevel ، حيث يمتلك هناك "شاليها" خاصا. لقد كان الرهان في منتهى الأهمية بالنسبة للملك الشاب، إذ كان يروم من جهة كسب ود الرأي العام الفرنسي، ومن جهة أخرى إبراز قطيعة واضحة بينه وبين عهد والده الموشوم بالانتهاكات الخطيرة والصارخة لحقوق الإنسان.../...

وقد اعتمد في تحقيق هذا المراد على بعض الشخصيات الفرنسية الموالية له، كالصحفي "جان ماري كافادا" الذي قام بتدبير لقاء غير رسمي بينه وبين زمرة من الصحفيين في أحد أفخم الفنادق الباريسية. وقد تهافت العديد من الإعلاميين المرموقين للمجيء إلى هذا اللقاء، يحدوهم فضول كبير للتعرف على الملك الجديد عبر دردشة مباشرة معه.

جرى ذلك فعلا في جو هادئ مريح اتسم بالبساطة والثقة المتبادلة، وبدل أن ينتهي اللقاء كما كان محددا له سلفا في وقت لا يتعدى خمس عشرة دقيقة، طال وتمدد إلى ساعتين ونيف...
أمام هذا النجاح، تشجع "جان ماري كافادا" وسأل فؤاد عالي الهمة، صديق طفولة محمد السادس، والوزير المنتدب في وزارة الداخلية، لماذا لا يرتب لملكه مع الصحفيين الفرنسيين لقاء رسميا على أكمل وجه؟

تفاجأ الهمة بهذا السؤال ورد على السائل بما معناه: " لا تفكروا في ذلك أبدا، فنحن نخشى إن فعل ذلك أن تشوه سمعته وتتضرر صورته...".

هذا الرد الغريب له من الدلالات ما يثير في المرء كثيرا من الحيرة والدهشة، وهو ما غذى بالفعل عددا من الإشاعات التي راجت حول ضعف وتواضع قدرات الملك الفكرية، كما أنه أشار إلى تغير واضح في البلاط، بحيث أن رجلا وازنا في بلاط الحسن الثاني تراجع فجأة إلى الصفوف الخلفية، ويتعلق الأمر هنا "بأندري أزولاي"، المعروف عنه تبجحه الدائم بجملة: " قال لي الملك...".


أزولاي هذا شيوعي قديم يحمل الجنسيتين المغربية والفرنسية، وسبق له أن اشتغل في المؤسستين "باريباس Paribas " و"أورو كوم Eurocom ،" وقد عرف عنه تألقه في مجال الأعمال واكتسابه لعلاقات جيدة ونافذة في الإعلام الفرنسي. عينه الحسن الثاني مستشارا له سنة 1991 ، وكان بذلك أول يهودي يحظى بالحصول على هذا المنصب، وقد عمل في السنتين الأخيرتين من عهد الملك الراحل على الدفع في اتجاه القيام ببعض الإصلاحات.


مطاردة الساحرات

منذ الشهور الأولى لتنصيبه على العرش، بدا أن من أولويات الملك الجديد المبادرة إلى الإعلان عن حرب مطاردة للساحرات ضد رموز العهد الحسني البائد.

وقد كان المستهدف الأول والرئيسي من هذه التصفية هو إدريس البصري، وزير داخلية الحسن الثاني الذي صال وجال في متاهات التحكم والطغيان على امتداد ثلاثة عقود، والذي اشتهر بألقاب مخزية لا حصر لها، من قبيل: "الصدر الأعظم"، و"رجل تنفيذ الأعمال الدنيئة" و"رمز سنوات الجمر والرصاص" إلى غير ذلك من النعوت التي كانت تطلق على ذلك المخلوق القصير الخنوع ذي البسمة الحيوانية الباردة، وصاحب الجلد الأسمر الملك المدبوغ من شدة تعرضه للشمس طوال حصص الكولف التي كان لا يكل أثناءها من الهرولة المتمسكنة خلف سيده.

لقد حشر هذا الوزير القوي أنفه البوليسي في العديد من الملفات السياسية والأمنية الحساسة للبلاد، علاوة على إحاطته الدقيقة بالحياة الخاصة للعائلة المالكة التي لم يكن ليحرم نفسه من متعة التجسس عليها أولا بأول لحساب ولي نعمته.

وهذا بالذات ما سيؤدي ثمنه غاليا بعد رحيل صانعه.

فقد جاء على لسان الأمير مولاي هشام، ابن العم الممقوت من الملك، والرجل الثالث من حيث التراتبية على خلافة العرش، بأن البصري استشعر أفول نجمه يوم ووري جثمان الحسن الثاني في التراب: " لقد وجدته محبوسا في غرفة ومحصورا بين جنرالين، أحدهما كان هو قائد الدرك الملكي الجنرال حسني بنسليمان، فشاهدتهما يعنفانه ويمنعانه من الخروج...".


لقد كان احتقار الجنرالين للبصري على نفس حجم الاحتقار الذي كان يكنه له محمد السادس، إذ كان يرى في وزير داخلية أبيه مجرد سجان سافل يتصرف كالعبد تحت أوامر سيده. وهكذا أقيل من مهامه، وانتهت أسطورته المقيتة يوم 9 نونبر 1999 .

وقد حكى عسكري سنين بعد ذلك أنه شاهد بأم عينه صناديق من الكرتون مملوءة بالوثائق والمستندات تغادر مقر وزارة الداخلية وتشحن في شاحنات و تتوجه إلى مكان ما.

هل أخذ البصري أسراره معه إلى الأبد؟

ذاك سر دفين ربما لن يهتك حجبه أحد أبدا...

لقد أنهى الرجل القوي حياته في المقاطعة السادسة عشرة بباريس وهو على حال مزر من الخيبة والمرارة. باستثناء أبنائه الذين دأبوا على زيارته، فإن بعض الصحفيين الفرنسيين كانوا يزورنه بين الحين والحين، وكانت تلك فرصته الوحيدة للتنفيس عن همومه وتفريغ حقده ضد محمد السادس وحاشيته.

ورغم أنه هدد مرات عديدة بكشف المستور عبر نشر مذكراته، إلا أنه على غرار الكثير من رجالات الحاشية لم يجرأ على تنفيذ تهديده. والمؤكد أنه لو فعل لكان حرر مسودة ضخمة طويلة.

وهكذا انطفأ في الظل يوم 27 غشت 2007 عن عمر يناهز الثامنة والستين، فنُقل إلى المغرب ودفن في مقبرة الشهداء بالرباط بعد يومين من وفاته. أما خادمه الوفي الذي تبعه إلى منفاه والذي كان يتكلف بتنفيذ كل المهام المطلوبة منه، فقد ترِك لمصيره الحزين في إحدى مدن فرنسا بدون مال ولا مُعين...

أحد الأعمدة القوية الأخرى للنظام السابق، عرف مصيرا أحسن بكثير من مصير إدريس البصري. محمد المديوري، المكلف بأمن قصور الحسن الثاني، كتبت عنه مجلة "تيل كيل" سنة 2000 ما يلي: "في ربيع سنة 2000 ، وبينما محمد السادس في زيارة رسمية لمصر، صدر بلاغ مقتضب من القصر يعلن بأن المديوري أعفي من مهامه كمدير للأمن الملكي. 


على غرار البصري، حشر المديوري أنفه في الحياة الخاصة لولي العهد ورصد كل حركاته وسكناته. وزاد في الطين بلة أنه مباشرة بعد وفاة الحسن الثاني، أقدم على الزواج بلطيفة أرملة الحسن الثاني أي والدة محمد السادس.

وحسب الصحفي جان بيير تيكوا Jean-Pierre Tuquoi الذي كان يعمل في صحيفة "لومند" الفرنسية، والذي نشر في سنة 2000 كتابا بعنوان "آخر الملوك" (Le Dernier Roi) وهو كتاب موثق أثار سخط القصر، فإن شخصين من رفاق ولي العهد كانا يستعصيان على الأمن الملكي. أولهما ضابط في الدرك الملكي برتبة قبطان في مثل سن سيدي محمد، كان يسمى قيد حياته مولاي عبد الرحمان، كتب له أن يفارق الحياة في حادثة سير غامضة الظروف، وثانيهما مواطنة باكستانية تسمى مريم، كانت متزوجة بأمريكي اعتنق الإسلام، كانت تحظى من ولي العهد برعاية خاصة، الشيء الذي أثار قلق المخابرات المغربية، سيما عندما لاحظت أن زوجها هذا كان كثير التردد على السفارة الأمريكية، وأنه علاوة على ذلك  وهذا أخطر ما في الأمر كان يدأب على تدوين مذكراته الخاصة. كما أشار تيكوا في كتابه كذلك إلى أسرة إيطالية تسمى "أورلاندو"، حيث كانت تحركات كاترين وبالخصوص أخويها فريديريك ودومنيك، محط مراقبة من طرف الأمن الخاص بالقصر الملكي.

وقد لقي نفس المصير رجل آخر من دعائم العهد السابق، حيث أزيح من منصبه بسرعة، ويتعلق الأمر بعبد اللطيف فرج، الكاتب الخاص للحسن الثاني والمؤتمن على ثروته وإدارة أعماله، والذي كان مطلعا على الكثير من أسرار وألغاز تلك الثروة.

حرص العهد الجديد آنذاك أن تظل تصفية الحسابات هاته طي الكتمان، والسبب هو الحفاظ قدر الإمكان على العذرية التامة التي يتمتع بها محمد السادس الذي تميزت خرجاته الأولى كملك بارتباك مؤثر. وقد اجتهد أفراد من الحاشية المقربة بتعداد مناقب الملك الجديد والمبالغة في امتداح أسلوبه في الحكم، وتقديمه في صورة حاكم لطيف يتوخى البساطة في نمط حياته ويميل عاطفيا إلى الفقراء والمعوزين من رعيته.

غير أن الحقيقة بطبيعة الحال هي غير ذلك...

والواقع أنه إذا كان قد أعرض عن صلف وعجرفة أبيه، فإنه بالمقابل يعشق البذخ ويحيى حياة سلطان ... سلطان من سلاطين العصور الحديثة... فهو يصر كل يوم تقريبا أن تُستعرض سياراتُه الفاخرة أمامه – وعددها يناهز العشرة  لكي يتملى ثم يختار أيا منها يركب. هل الفيراري؟ أم أسطون مارتين؟ أم مايباك؟ وحينما يختار إحداها ويركبها، ينادي أحد المتملقين من حاشيته ليركب بجانبه، فيفهمه أنه أكثر حظوة من غيره، وتلك عادة لا زالت سارية المفعول إلى اليوم.


مملكة الأصحاب

لقد بدأت زمرة من الشباب من سن محمد السادس تتسلم زمام البلاد، معوضة تدريجيا كهول العصر الحسني الذين رمى بهم العهد الجديد إلى الهامش محدثا نوعا من القطيعة في الأسلوب.

من هم هؤلاء الشباب ؟

إنهم أحياناً أصدقاء الملك أيام طفولته وأحياناً رفقاء السهر والسمر عندما كان وليا للعهد .

"نظراً لشبابه العصيب وعلاقاته المتشنجة مع أبيه، إضافة إلى كون والدته تتقاسم حياتها اليوم مع رجل آخر، فإن محمد السادس ليس مطمئن النفس ولا يقبل أن يكون محل اعتبار أو تقييم. إنه يحب أن يُعامل كما هو وكفى ويتضايق من كل نبرة نقدية ممن حوله. وبما أنه يفتقر إلى رباطة الجأش وقوة الشكيمة فقد أحاط نفسه بأفراد من طينته" هكذا يشرح لنا أحد العارفين بالمخزن المغربي. إن أصدقاء الملك ينقسمون في الحقيقة لشبكتين مختلفتين:

الأولى : وهي الأكثر شهرة هي زمرة المدرسة الملكية، التي أنشئت في عام 1942 في عهد الحماية الفرنسية  . في تلك الفترة أراد السلطان محمد الخامس أن يمنح لابنه الحسن تعليما تقليديا وغربيا في نفس الوقت. ثم أنشأ الحسن الثاني بدوره عام 1973 فصلا دراسيا لابنه مكونا من اثني عشر تلميذا من أوساط اجتماعية مختلفة، منها الميسور ومنها المتواضع.

وبالإضافة إلى التفوق الدراسي كان المعيار الثاني لاختيار الأطفال هو أخلاق الأسرة حيث عكفت المخابرات عى التدقيق في ماضيها لكي لا يجد ملك المستقبل نفسه يوما محاطاً بأبناء السفلة وذوي السوابق.

بعدما تولى محمد السادس السلطة رسخت لدى زملائه رؤساء الدول سمعة ملك كسول نظرا لعطلاته الطويلة الأمد في الخارج وغياباته المتكررة في المؤتمرات الدولية. وعلى كل حال فقد غرست فيه أيام الدراسة انضباطا صارما . كان الاستيقاظ كل صباح على الساعة السادسة تتلوه ساعة تلاوة القرآن قبل الإفطار وكان الأسبوع ممتلئا بخمسة وأربعين ساعة من الدراسة. الامتياز الوحيد الذي انتزعه ابتداء من عام 1977 ، وهو الضعيف في مادة الرياضيات، هو تلاؤم البرنامج الدراسي مع ميوله الأدبية .

وسيكون لهذا التغيير في المنهج الدراسي أثر عميق جدا على مسار الملك المقبل. لقد تسبب في رحيل تلميذين موهوبين في الرياضيات و تعويضهما فورا بآخرَين سوف يصبحان مع مرور السنوات أقرب الرفاق وأعز الأصدقاء لمحمد السادس. إنهما محمد رشدي الشرايبي المنحدر من مدينة ورززات في جنوب المملكة، وفؤاد علي الهمة القادم من منطقة مراكش.

كلاهما من عائلات متواضعة ويدركان تماما حجم الفرصة المتاحة أمامهما.

كانت علاقة الهمة والشرايبي مطبوعة بالمنافسة الأبدية بل إن مناظراتهما الكلامية كانت بين الفينة والأخرى تتحول إلى عراك عنيف. في لحظة غضب واستياء من تصرفات منافسه الهمة، صرخ الشرايبي يوما في وجه الملك: "سوف ترى، هذا الرجل سيقضى عليك يوما، إنه أسوأ من أوفقير". هذه المقارنة في غاية الخطورة: بعد سنوات طيلة من الولاء والوفاء، حاول أوفقير في غشت 1972 الإطاحة بنظام الحسن الثاني في انقلاب عسكري لم ينجح، فلقي حتفه في عملية "انتحار" مدبرة بسرعة بينما اعتقلت زوجته وأطفاله الستة في سجن سري .


يقال أن رشدي الشرايبي أبعِد عن القصر لبعض الوقت على إثر هذه المشاجرة وهذا التحذير، وهذا تصرف مألوف. لقد أفلح الداهية فؤاد علي الهمة في نهاية المطاف في فرض نفسه كأقرب صديق لمحمد السادس وأكبر مؤثر عليه كما أبان عن قدرة عجيبة في نصب الفخاخ الغامضة
لمنافسيه. في صيف عام 2011 استطاع (على الأقل مؤقتا) أن يهمش منافسا إضافيا وهو محمد المعتصم، وهو رجل قانون مرموق ومستشار ملكي يحظى بالتقدير. ذلك أن المسكين بلغ به التهور أن تحدث عبر الهاتف بقسوة عن حزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشأه محمد السادس من الصفر ويقوده الهمة لمواجهة إسلاميي حزب العدالة والتنمية.

خلال فترة تدريبية دامت عدة سنوات في وزارة الداخلية تحت قيادة إدريس البصري، تعلم فؤاد على الهمة تقنيات المخابرات. لا يبدو أنه ترك انطباعا متميزا لدى معلمه السابق، الذي لم يكن يتحمله إلا على مضض وقال عنه عندما انتقل لمنفاه في باريس إنه "لم يكن مواظبا في العمل وكان يفضل السهرات مع ولي العهد، على عكس ياسين المنصوري الذي كان مواظبا". هذا الأخير درس أيضا في المدرسة الملكية وهو الذي يسيِّر اليوم المخابرات الخارجية المغربية.

كان لفؤاد على الهمة سمعة عاشق السهرات. "في الرباط كان ولي العهد وأصدقائه يرتادون بانتظام ناديا راقيا يدعى (Amnésia) . كان لفؤاد شقة في الطابق العلوي ومصعد خاص. وهكذا كان الملك المقبل ورفاقه يلجون إلى مربع كبار الشخصيات دون المرور عبر المدخل العمومي. كانوا يأتون وكأنهم نزلوا للتو من صاروخ." هكذا يتذكر أحد المشرفين على النادي.

كانت تلك السهرات مما أزعج كثيرا الحسن الثاني حتى صرخ يوما وعبر عما يجيش في صدره لما علم أن ابنه مقبل على تعيين الهمة مديرا لديوانه: "أنه يحتاج لأناس جديين، أما الأصدقاء فيكفي لقاؤهم في السهرات!".


ومع ذلك، قبل وفاة الحسن الثاني بوقت قصير، بدأ الهمة في حبك الدسائس وراء الكواليس لفائدة الملك المرتقب. وفقا للصحفي المغربي وكاتب الرأي الشهير خالد الجامعي، بدأ صديق ولي العهد يتصل بالصحفيين ويحدثهم عن الصفات الحميدة التي يتمتع بها هذا الأخير: شاب عصري ومتسامح ومتحمس للديمقراطية. لقد انطلت الحيلة على الصحافة قبل أن تنتبه بسرعة إلى تهورها. كانت بضعة انتقادات لمحيط الملك كافية ليتكبد من أطالوا لسانهم العقوبات القاسية: منع الصحيفة المعارضة لوجورنال في أكتوبر 2000 ، إغلاق المجلة الساخرة دومان سنة 2003 والحكم على مديرها بالسجن ثلاث سنوات، هذا الحكم الذي تحول بعد سنتين إلى حكم بمنع ممارسة مهنة الصحافة لمدة عشر سنوات وهي سابقة عالمية.

حسب شهادات متطابقة لعدد من الصحفيين، لعب فؤاد على الهمة دوراً فعالا للتشديد من الحصار على الصحافة. صورته سيئة للغاية لدى الرأي العام المغربي الذي يحمله مسؤولية الجوانب القمعية والسياسية المظلمة في عهد محمد السادس. منذ هذه الحلقات وعلاقاته متوترة مع الصحافة المستقلة ولا تتحسن مع أفراد المحيط الملكي الآخرين ومع كبار الموظفين. كانت له مشاجرة عنيفة مع فاضل بنيعيش أحد المقربين من الملك . ولكن حياة المحيطين بالملك تتأثر دوما بمزاجه وبنزواته، والهمة نفسه ليس استثناء وقد سبق له أن راح ضحيتها.

في عام 2005 ، غضب عليه الملك عدة أشهر. جمعه خلالها لقاء صاخب مع المدير الجديد لمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف الحموشي، حيث اعتبره الهمة سبب تهميشه واتهمه بالتجسس عليه في الفنادق. القصر عالم غريب حيث الكراهية لا تعرف النسيان.


... ومملكة اللئام
ثروة الملك الضخمة يديرها كاتبه الخاص محمد منير الماجيدي، الذي هو الآخر، على غرار فؤاد عالي الهمة منبوذ من طرف الشعب، سمعته سيئة ويوصف بأنه عديم الضمير. 


على عكس غريمه الهمة، لا ينتمي الماجيدي إلى فريق زملاء الملك في الدراسة، بل كان من عصابة أخرى ليست أقل شأنا بالنسبة لمحمد السادس، هم أصدقاء واحد من أعز الناس إليه، إنه ابن عمته نوفل عصمان الذي وافته المنية مبكرا بسبب المرض سنة 1992 .

نوفل عصمان هو نجل للا نزهة، كبرى شقيقات الحسن الثاني التي توفيت في حادثة سير عن سن يناهز السادسة والثلاثين، وهي زوجة السياسي أحمد عصمان الذي سيصبح فيما بعد رئيس حزب ووزيرا أولا . عصمان الابن عاش وتربى في الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن فلك المخزن، ويقال إنه هو من علم ولي العهد رياضات التزلج، والتجيتسكي على وجه التحديد (لقد أصبح الملك في ما بعد مدمنا على تلك الرياضة إلى درجة أن فنانا ساخرا ممنوعا من الظهور على التلفزيون المغربي منذ 21 سنة، يدعى بزيز، أطلق عليه لقبا موفقا "ساماتجتسكي").

"في الحقيقة، إن حاشية نوفل التي تتكون من خمسة أو ستة أفراد من المهووسين بالحفلات، كانت متنفسا لولي العهد للخروج من أجواء المعهد الملكي وزملاء الدراسة الذين كان يقضي بجوارهم كل أوقاته" يروي أحد أصدقائهم آنذاك.

يؤاخذ منتقدو الماجيدي عليه مستواه الثقافي الهزيل، لكنه أبعد من أن يوصف بالغباء، ذلك أنه بفضل تفوقه الدراسي تسلل إلى دوائرالقصر، وبالضبط عندما اجتاز مستوى المتوسط الثاني الابتدائي في مدرسة عمومية عادية. وكان والدا نوفل قد قررا في تلك السنة إنشاء مدرسة خاصة في منزلهما، لكي يكون ابنهما محاطا بأطفال مختلفين عن النخبة الرباطية في المدارس الأخرى، أي أنهما أرادا تقليد المدرسة الملكية وحَرصا أن تكون معايير الولوج إليها بدورها صارمة للغاية من حيث التحصيل الدراسي.

أحمد عصمان صنيعة الحسن الثاني الذي طبع حياته السياسية كلها، رجل مخلص، لكنه أيضا متملق بامتياز. قراره هذا لإنشاء مدرسة تشبه المدرسة الملكية خير دليل على تقليده الأعمى لشخص يدين له بكل شيء. هكذا إذن سيغادر محمد منير الماجيدي بيت أسرته، وسينتقل بعد قبوله إلى بيت عائلة عصمان، وهو الرحيل الذي سيغير حياة الفتى رأسا على عقب.

كان ولي العهد وابن عمته نوفل في نفس السن، الأول يتردد كثيرا على بيت الثاني وهناك كانت حاشية المدرسة الملكية تصطحبه فكان اللقاء الأول بين الملك المقبل والماجيدي الذي كان خجولا خلال تلك اللحظات. بعد سنتين في الولايات المتحدة، حيث حصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ودراسة في الإعلاميات في ستراسبورغ، عاد الماجيدي إلى أرض الوطن حيث بدأ حياته المهنية كتقنوقراط، في الهولدينغ الملكي "أونا" ومنه إلى صندوق الإيداع والتدبير.

وهنا سيعود مرة أخرى إلى الاحتكاك بمحيط الأمير وبدأ يحضر بانتظام لسهراته إلى أن عينه سنة 2000 كاتبه الخاص.

وكما هو الشأن بالنسبة لحاشية المدرسة الملكية فإن محيط نوفل كان يشهد حروبا داخلية، دفع ثمنها حسن البرنوصي الذي ينحدر من عائلة رباطية ميسورة، بالرغم من أنه كما يشهد بذلك أحد اصدقائه "كان أكثر أصدقاء نوفل إخلاصا لولي العهد. إلا أن خصوم البرنوصي أقنعوا الملك الجديد عندما تولى الحكم سنة 1999 أنه بصدد التخطيط لمؤامرة بدعم من جهات فرنسية للاستيلاء على الخيرات الاقتصادية المغربية".  شاهدنا لم يقدم دليلا على قوله إلا أن ثمة ما يؤكد زعمه وهي إشاعات كانت أطلقت ما بين 1997 و 1998 مفادها أن حسن البرنوصي كان يستعد لشغل منصب صاحب الخزينة الكبرى، ولكن في الأخير فإن محمد منير الماجيدي هو الذي استأثر بهذا المنصب بعد أن سقط غريمه في لائحة المغضوب عليهم ..


الماجيدي حليف أمراء الخليج

أحد أصدقاء الماجيدي، فضل هو الآخر عدم الكشف عن اسمه، يتذكر أن صديقه بدأ بالفعل يمسك بزمام السلطة عندما تم تعيينه كاتبا خاصا للملك، فيقول: " أود أن اقول أنه مدين للتطور السريع الذي طرأ على هذا المنصب في عهد الملك محمد السادس، فالكتابة الخاصة أصبحت تلعب في ذات الآن دور بنك خاص، وأيضا مهمة تطوير العلاقات، خصوصا مع الإماراتيين والقطريين. كما هو الشأن بالنسبة للشيخ حمدان الذي سيصبح ولي عهد إمارة دبي. إذ أن محمد السادس لم تكن لديه الثقة في إدارته العمومية، ولذلك يطلب كل مرة من كاتبه الخاص أن يستقبل هذه الشخصية أو تلك من دول الخليج .

لقد تعلم الماجيدي بسرعة أن لا يترك وراءه بصماته التي قد تورطه، بعدما وجد نفسه أمام مهام حساسة ومحاطا بأعداء منهم فؤاد علي الهمة الذي ينصب له الفخاخ. يروي أحد الأشخاص الذين تعاملوا معه : "ليس له بريد إلكتروني و لا يرسل الرسائل القصيرة للجواب على التي يتوصل بها ولا يترك رسالة مكتوبة أبدا". والأهم أن الماجيدي يرتجف خوفا من أدنى تعكر في مزاج سيده صاحب الغضبات الشهيرة والتي يرافقها الضرب واللكم في بعض الأحيان. إن العلاقات التي تربطه بالملك تتأسس على ارتباطات متبادلة.

فؤاد على الهمة ومجموعة المدرسة الملكية، ومنير المجيدي وفرقة نوفل...، أصدقاء صاحب الجلالة... يحوزون في أوائل سنوات العهد الجديد مفاتيح كل المناصب الهامة في المملكة، باستثناء المجال العسكري البحت .

في باريس والرباط على السواء، قليل أولئك الذين يحذِّرون من المخاطر الناجمة عن امتلاك السلطة باعتماد مقياس المحسوبية تتفوق على الكفاءة.

هذا ما فعله "نوَّاب"  الذي يحرص على كتم هويته، ولكنه دق مبكرا ناقوس الخطر قائلا: "هو نجاح نسبي لمن قضوا جزءا من حياتهم ينظمون السهرات وليس لديهم أي خبرة حكومية. ليست لديهم فكرة سواء كانت سيئة أو جيدة عن ممارسة السلطة. هذا النجاح النسبي يصيبهم بالغرور ويعتقدون أنهم قد فازوا في المعركة. إن هذا النظام لا زال يبحث عن نفسه وليس بقادرعلى تغيير عميق وأصيل".

تحليل استشرافي جدير بالتأمل.


الحلقة المقبلة بحول الله..

مع الجزء السادس من الملك المفترس

الفصل الخامس بعنوان: " بلاط ملكي أم حلبة صراع"


ليست هناك تعليقات: