الجمعة، 22 يونيو، 2012

نظرية "وحـــدة الوجــــــود" ..


(الجزء الأول)

"نظرية كل شـــــــــــــــــــــيء"


تعريف نظرية "كل شيء"

شباب المهجر (بحث) إعداد ياسين شرف:  في احدي مشاركاته المثيرة علي موقع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، وبعد أن لخص من خلالها الدكتور خضير عباس آخر الأخبار المتداولة عن مسار النظرية العلمية الجديدة التي يشتغل عليها العلماء اليوم تحت اسم " نظرية كل شيء"، كتب يقول: "إن نظرية كل شيء صوفية المبدأ، والذي يهمني في هذا هو أن هذه النظرية في حال اكتمالها والبرهنة على صدقها عمليا، سيشكل دليلا آخر على صدق المنهج الصوفي. لأنها ستثبت لي ولغيري ما قاله المتصوفة أمثال الشيخ ابن عربي والحلاج والسهروردي وابن سبعين عن وحدة الوجود.. وان الموجود حقا وصدقا هو الله سبحانه وتعالى، وان ما يوصف بالوجود عداه فهو محض تجليات (أبعاد) لأسمائه الحسنى جل وعلا. وبالتالي سأفقد الحجة التي تبرر لي عدم تقيدي بهذا المنهج لأنه سيثبت علميا وعمليا، أن ما قالوه هو ليس مجرد خيال صوفي يصف الله  بما لا يليق، لأن الحقائق العلمية لا يمكن دحضها بالادعاءات الفارغة".../...

    -    فهل "نظرية كل شيء" صوفية المبدأ حقا أم لها جذور ضاربة في القدم؟

      يشير د.عبد الكريم الخطيب في كتابه (الله ذاتا وموضوعا – ص:334)  نقلا عن المؤلف أ.س. رابوبرت - فيما أورده في كتابه (مبادئ الفلسفة – ص: 166 – ترجمة أحمد أمين) ما مفاده، أنه علي هرم في هيكل "ايزيس" بجهة "صا الحجر" من أعمال مصر القديمة، عثر علي نقش قديم يقول:

"أنا كل شيء كان.. وكل شيء كائن.. وكل شيء سيكون... 
ومحال على من يفني أن يزيل النقاب الذي تنقب به من لا يفني"

      و نظرية كل شيء التي أثارت هذا البعد الجديد من النقاش الجاد والعميق، إن صحت نتائج الاختبارات التي تجري اليوم في الغرب لتثبيتها، من شأنها أن تقلب كل المفاهيم المعرفية سواء منها العلمية، أو الفلسفية، أو الدينية التي لدينا حول الله والعالم، والله والإنسان رئسا علي عقب، وبشكل دراماتيكي لم يسبق له نظير في تاريخ البشرية.

     -    فما هي حقيقة هذه النظرية القديمة الجديدة المسماة:

 (The theory of every thing

      يعكف العلماء الآن وفق ما تتناقله المواقع العلمية المعتبرة، على إيجاد نظرية واحدة تفسر جميع الظواهر الكونية، وتجمع بين النظرية النسبية التي وضعها آينشتاين، والتي فسر بها الظواهر المتعلقة بسلوكية الأجسام الكبيرة الحجم كالكواكب والنجوم والمجرات، ونظرية الكم التي تفسر الظواهر المتعلقة بالأجسام متناهية الصغر كالذرة ومكوناتها والفوتون وما إلى ذلك... والذي دفعهم إلى هذا السعي، هو وجود ظواهر سلوكية مشتركة بين هذين النوعين من الأجسام المختلفة، وتطبيقها المشترك لبعض القوانين الفيزياويه. والأساس الذي بنوا عليه سعيهم هذا، هو قول اينشتاين في أواخر أيامه: "ما دام الخالق واحد وهو الله  فيجب أن تكون القوانين الحاكمة لمسيرة هذا الكون واحدة، أو تقع ضمن دستور وهيكلية قانونيه واحدة". وتذكر بعض الأخبار في هذا الصدد، أن جمع الظواهر كلها تحت نظرية واحدة تفسرها، يستوجب التخلي عن المفهوم الحالي السائد لدينا عن طبيعة تركيب المادة التي تشكل هذا الكون بجميع موجوداته، والقائلة: "إن المادة مكونة من ذرات، والذرات من إلكترونات، وبروتونات، ونيوترونات، وما إلى ذلك من جسيمات.." والتوحيد المطلوب، يوجب الافتراض بأن المكون لهذه المادة هي مجرد حلقات من الطاقة، وهي المسؤولة عن احساساتنا التي تدفعنا، أو دفعتنا لنتخيل بأنها جسيمات لها كتلة وحجم.. سيما وأن النظرية النسبية قالت بأن الحجم والكتلة، ما هي إلا مقادير نسبية تعتمد على المكان الذي قدرت فيه، لان الكون جميعه في حالة حركة مستمرة ولا نهائية... وعليه، لا تكون تلك المقادير ثابتة لعدم ثبات المكان، وأن الثابت الوحيد هو سرعة الضوء، والتي حين يبلغها الجسيم في حركته تنتفي عنه الخصائص التي تخص الأجسام والجسيمات، لأنه يتحول عندها إلى طاقة. لذلك فان المادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول من شكل إلى شكل آخر.. وهكذا الي ما لا نهاية... لكنها لا تفنى أبدا، أي أنها لا تخرج من الوجود الي العدم فلا تعود موجودة. أما نظرية الكم فقالت إن تقدير مكان وجود الجسيم المتناهي الصغر وخصائصه الأخرى يعتمد على الكم من الطاقة التي يمتلكها. كما تضيف الأخبار، أن العلماء قريبين من التوصل إليها كاملة، ولا يقف أمامهم إلا مسألة الأبعاد، فبعد أن قالت النسبية بأن الأبعاد في الكون هي أربعة وليست ثلاثــة كما كان يعتقد من قبل (أي الطول والعرض والارتفاع )، فأضافت إليها الزمن الذي يجرى فيه قياس تلك الأبعاد. وجاء عالم يمني ادعي بأن البعد الرابع الناقص في نظرية اينشتاين هو السرعة وليس الزمن كما كان يعتقد، باعتبار أن السرعة (الحركة) هي التي تولد الزمن، اكتشف العلماء العاملين على النظرية الجديدة أبعادا أخرى دلت على وجودها الحسابات الرياضية الهائلة الخاصة بهذه النظرية، ووصل عددها لحد الآن الخمسين بعدا. وقد يكتشف منها المزيد، ويرغبون بتسميتها: "نظرية كل شيء".

      وفي القرآن الكريم، يقول تعالي:

-         (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) يس: 82.     
    
 والسؤال المسكوت عنه، والذي يطرح نفسه اليوم بحدة، هو: 

-         هل لله وجود مستقل عن الانسان والعالم؟...

 فإذا كان الجواب بالإيجاب كما يقول فقهاء الرسوم، فمعني ذلك، أن الله أوجد العالم والإنسان من مادة كانت موجودة معه أو من خارجه، وبالتالي، يصبح لزاما هنا طرح السؤال التالي:

-         من أوجد هذه المادة وما مصدرها؟

عند هذا الحد، يقف المناهضون لنظرية وحدة الوجود.. لأن الاعتقاد بوجود شيء مع الله أو من خارجه هو عين الشرك بالمفهوم الغليظ وفق التصور الإسلامي لحقيقة مفهوم: (لا اله إلا الله).. لكن، بسبب محدودية الرؤية لدي بعضهم، وخوف البعض الآخر من أن تنهار ثقافة الورق التي يتاجر بها في أسواق الفتوى، ويدجن بها الناس في معابد الإيديولوجيا .. تجدهم يسارعون الي الهروب من الجواب، باعتماد أسلوب التجريح وسلاح التكفير..


تعريف مصطلح "وحدة الوجود"
      ما نقصده من تعريف المصطلح بالنسبة لنظرية "وحدة الوجود" التي أثارت الكثير من اللغط والسخط من قبل فقهاء الرسوم وأتباعهم المقلدين، خاصة منهم المنضوين تحت لواء السلفية المتطرفة، هو البحث عن المعني الايستمولوجي (الأصلي) لكلمة "الوحدة" وكلمة "الوجود"، كل علي حدة، ومن ثم محاولة فهم المعني العام والخاص الذي يعطيه التركيب بضم الكلمتان معا. كما أننا سنحاول من خلال هذا البحث، التفريق بين المعني الحرفي القاموسي للمصطلح، والمعني المجازي أو "ظل المعني" الذي توحي به مقولات منتقدي هذه النظرية المستحدثة. فمثل هذه المقاربة، من شأنها أن تدلنا علي العقلية المتكلسة التي يشتغل بها أمثال هذا النوع من الباحثين التقليديين، الذين يدعون الغيرة علي الدين، وينصبون أنفسهم حراسا علي عقيدة الناس، أكثر مما تدلنا علي المفهوم الذي تطرحه النظرية نفسها في أصل معناها. ذلك أن المنهج الذي تستعمله هذه الفئة في نقد النظرية، لا يرتكز علي أساس علمي يعتد به، ولا أصل ديني (بالمفهوم القرآني) يستند إليه، بل ينطلقون من قناعات إيديولوجية قديمة، ومواقف تكفيرية متطرفة لا يقبل بها الدين نفسه، في محاولة يائسة لإسقاط معاني سطحية متجاوزة تنتمي الي عصور غابرة، علي مصطلح مستحدث ومركب من كلمة دينية وأخري فلسفية.       
      
    -  الوحدة: لغة تعني الانفراد، والوحدانية شرعاً تعني انفراد الله سبحانه وتعالى في كل شيء وبكل شيء، أي عدم وجود نظير له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله (ليس كمثله شيء). وهذا هو معني كلمة (لا اله إلا الله).

     -  الوجود: لغة هو خلاف العدم، وفي الفلسفة، تعتبر "الوجودية" مذهبا فكريا يقول بأن الإنسان الذي وجد أولا وجودا ميتافيزيقيا، يخلق نفسه ويتخير نفسه بعمله. وبعد تحول اهتمام الفلسفة من البحث في "الوجود" الذي لا يدرك بالعقل، الي الاهتمام بمجالات "المعرفة" الإنسانية بألوانها المختلفة، عاد مفهوم الوجود ليفرض نفسه من جديد مع التطور الذي عرفته الفلسفة منذ القرن السابع عشر وما بعد.. فأصبح معني الوجود يربط بالاختلاف وبالتكرار وبالصيرورة، الشيء الذي حوله الي إبداع وخلقً وبناء للمفاهيم الجديدة، مفاهيم تفجر قوة اللغة و قوة الفكر وقوة الحياة. ويشكل هذا الرجوع لمفهوم الوجود دفعًا للفلسفة وللتفكير الفلسفي، مثلما أنه يمثل ربطًا لحاضر الفلسفة بماضيها الأنطولوجي، الشيء الذي يعيد لمفهوم الوجود حضورًا متميزًا.  أما شرعا، فلم يرد في القرآن الكريم هذا المصطلح بالتحديد، في حين ترددت كلمة "وجد" بأوجهها المختلفة في كثير من الآيات، وهي في مجملها تفيد معني: أصابه وأدركه وظفر به وعثر عليه، أو بمعني العلم، فتكون من أفعال القلوب، كقولك: "وجدت كلامك صادقا".

      -   التركيب: بإضافة كلمة "وحدة" الي مفردة "الوجود" نحصل علي: "وحدة الوجود"، التي هي عبارة عن تركيب كيميائي معقد لمصطلح "ديني" وآخر "فلسفي"، للدلالة علي أن الوجود واحد، هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد.. ولا يمكن أن يكون هناك  وجود أو موجود غيره سبحانه، معه أو من خارجه بدليل قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه). أما بقية المحسوسات، فلا يمكن وصفها بالوجود لانتفاء ديمومتها بسبب عرضتها للزوال مهما استغرقته من عمر زمني نسبي.  وبهذا التعريف، يصبح كل من يدعي وجود شيء آخر غير الله، مستقل عنه، معه أو من خارجه، يعتبر مشركا وفق تعريف محيي الدين ابن عربي لحقيقة الشرك بمعناه الغليظ.  


نشأة نظرية "وحدة الوجود"
      لا يعرف لنظرية "وحدة الوجود" نشأة محددة، بالمفهوم الديني والفلسفي المركب (وحدة + وجود) الذي نعرفه اليوم، ولا كيف تطورت من نظرية فلسفية بسيطة، تهتم بالوجود بأبعاده الحسية والعقلية، لتنتهي الي حالة عرفان وجدانية، دينية لدنية، لا تدرك إلا بالذوق عبر التجربة الروحية الفردانية. ولعل مرد ذلك، يعود الي التقية التي كان ينهجها المتصوفة الأوائل، باستعمالهم لغة الإشارة بدل العبارة، مخافة البوح بالحقيقة، فيتهمون بالكفر والهرطقة من قبل فقهاء الشريعة القائمين حراسا علي العقيدة، فيلقون بالتالي نفس مصير الحلاج الذي اشتد به الوجد فخرج معلنا في الناس: "أنا الحق"، و: "سبحاني ما أعظم شأني"، وقوله الشهير كذلك: "ما في الجبة إلا الله".. وأمثاله كثير، ممن تجرؤوا علي إفشاء سر الأسرار أو اللغز الخفي.  ويفضح فريد الدين العطار هذا السر، لكن بلغة الرمز والإشارة فيقول: "سأقولُ لكم ما لم يُقَلْ: ها أنا ذا أشي بسرِّ الأسرار الخفية: اعلمْ، أخي، أن النقش هو النقَّاش". ولا يعتبر مثل هذا البوح بالأمر الجديد، فقديما أكد العرب مثل هذا المعني البسيط من خلال قولهم: "السير يدل علي المسير والأثر يدل علي البعير"، لكن الجديد في قول العطار أنه يقصد به الإشارة الي الله تعالي.


      ويروي أن الحلاج وصل به الوجد حدا لم يستطع معه الصبر علي الكتمان، فأنشد يقول بصريح العبارة:


نظرت الي ربي بعين قلبي        فقلت من أنت؟ قال: أنا أنت

      ومهما يكن من أمر، فهناك من يقول أن وحدة الوجود في نشأتها الأولى، كانت شعوراً أو حدساً يومض في القلب، شعوراً رافق الإنسان منذ فجر التاريخ. ألم يقل فرعون لقومه: " أنا ربكم الأعلى؟ ". وفي الإحياء للغزالي: أن ما من إنسان في الوجود إلا وفيه شيء مما قاله فرعون. وقديما، عرف الزهد الهندي نفس هذا الشعور، حيث جاء في الأثر:  "أما عند التحقيق فجميع الأشياء إلهية؛ لأن "بشن" جعل نفسه أرضاً ليستقر الحيوان عليها، وجعله ماء ليغذيهم، وجعله ناراً وريحاً لينميهم وينشئهم، وجعله قلباً لكل واحد منهم"… وتطورت هذه الفكرة في " برا همان" الأزلي الأبدي الذي " يمكن أن يكون صغيراً كحبة الأرز أو كالصورة التي ترتسم في إنسان العين، ولكنه هو نفسه الذي يغمر العالم، وهو أعظم من الزمان، والهواء، والسماء"...

      وعلي هذا المنوال، يستعمل الصوفية مثال الحبة التي تخرج منها الشجرة والفروع والأغصان والأوراق والأزهار والفاكهة وحب الرمان متشابه وغير متشابه.. للدلالة علي الوحدة التي تعطي الكثرة، والكثرة التي تفيد الوحدة.  وفي نفس السياق كذلك، ورد في الأثر حكاية جميلة،  حدثت مع الإمام الشافعي رحمه الله.  ففي أحد الأيام، سأله أناس عن دليل وجود الله، فقال لهم: دليل وجوده يكمن في ورقة التوت. استغرب القوم الجواب، فطالبوه بتوضيح الأمر، فقال الإمام: "ألا تعلمون بأن دودة القز إذا أكلت ورقة التوت تنتج حريرا ناعما، والنحلة عسلا لذيذا، والضبي مسكا طيبا؟ قالوا بلي. قال. فمن وحد الطعم و عدد المخارج؟  قالوا: الآن فهمنا أنه الله سبحانه".

      أما أول من تكلم صراحة عن هذا الموضوع الحساس والمعقد في الإسلام، فهم الصوفية من أمثال عمر السهروردي، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، ومحيي الدين ابن عربي...  ونظرا لما كانت تبعثه مثل هذه الأقوال من دهشة واستغراب لدى سامعيها في الماضي، فقد اتهم القائلين بها بالكفر والإلحاد والهرطقة، وطبق حد القتل في بعض ممن قالوا مثل قولهم.

      وفكرة "وحدة الوجود" كما يؤكد منتقديها، قديمة جداً، إذ أن جذورها تعود الي الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية كما يزعمون من دون حجة من نص أو دليل من منطق، باستثناء بعض أوجه التشابه العام، مما جعلهم يجزمون بأن فكرة وحدة الوجود انتقلت إلى بعض الغلاة من متصوفة المسلمين من خارج النص، ثم انتشرت بعد ذلك في الغرب الأوروبي على يد برونو ا النصراني الايطالي، وسبينوزا اليهودي الهولندي، بعد أن أخذوها من المتصوفة المسلمين عن طريق كتابات "ميمونيد" اليهودي الأندلسي، وهي القضية التي سبق وأن عالجناها بإسهاب في باب "العوامل الخارجية الدخيلة علي التصوف الإسلامي".

                                                  
موقف فقهاء الرسوم من نظرية "وحدة الوجود"
      يقول الإمام ابن تيمية في رده علي أقوال ابن عربي في مذهب وحدة الوجود: " يقولون: إن الوجود واحد، كما يقول ابن عربي – صاحب الفتوحات – وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وأمثالهم – عليهم من الله ما يستحقونه – فإنهم لا يجعلون للخالق سبحانه وجوداً مبايناً لوجود المخلوق. وهو جامع كل شر في العالم، ومبدأ ضلالهم من حيث لم يثبتوا للخالق وجوداً مبايناً لوجود المخلوق وهم يأخذون من كلام الفلاسفة شيئاً، ومن القول الفاسد من كلام المتصوفة والمتكلمين شيئاً ومن كلام القرامطة والباطنية شيئاً فيطوفون على أبواب المذاهب ويفوزون بأخسِّ المطالب، ويثنون على ما يذكر من كلام التصوف المخلوط بالفلسفة" (جامع الرسائل 1 – ص: 167).
                                                        
      ويقول منتقذوا ابن عربي من أتباع الإمام ابن تيمية المتأخرين، أن مذهب وحدة الوجود يقوم علي إنكار عالم الظاهر، ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا لله دون سواه. فالخلق وفق هذا المفهوم عندهم، هو ظل للوجود الحق الذي هو الله.. فلا موجود إلا هو سبحانه.  ويتهمون ابن عربي، بأنه تجرأ وألغي الفرق بين ما هو خالق وما هو مخلوق من حيث الوجود، ولم يجعل لكل منهما وجود خاص به مستقل عن الآخر. ويؤسسون ادعائهم علي مقولة للشيخ الأكبر التي نصها: " سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها".  وبناء علي هذا القول وغيره فليس ثمة خلق ولا وجود من عدم، بل مجرد فيض وتجلي.  وما دام الأمر كذلك، فلا مجال للحديث عن علة أو غاية، لأن العالم حسب هذا التصور، يسير وفق ضرورة مطلقة، ويخضع لحتمية مقدرة وجبرية صارمة.  ومن ثم، فلا يمكن الحديث في هذا العالم عن خير وشر، ولا عن حرية وإرادة، ولا عن حساب ومسؤولية، ولا عن ثواب وعقاب، ولا هم يحزنون.. لأن الجميع سيكون في نعيم مقيم، وما الفرق بين الجنة والنار إلا من حيث المرتبة لا الطبيعة... 

      كما أنهم يتهمون ابن عربي بتحريف القرآن ليوافق مذهبه، ومعتقده، بقوله أن أصل "العذاب" من "العذوبة" والتلذذ بالألم كحال من به جرب يجد اللذة في الحك.. وان "الريح" التي دمرت عاد هي من "الراحة"، لأنها أراحتهم من أجسامهم المظلمة.  وإذا كان قد ترتب على قول ابن عربي بوحدة الوجود قوله بالجبر ونفى الحساب والثواب والعقاب، وفق ما يزعمون، وهو ما لم يقل به ابن عربي بالمطلق. فإنه ترتب على مذهبه أيضاً قوله بوحدة الأديان، وهذا صحيح. فقد أكد ابن عربي على أن من يعبد الله ومن يعبد الأحجار والأصنام كلهم سواء لأنهم في الحقيقة ما عبدوا إلا الله إذ ليس ثمة فرق بين خالق ومخلوق، ويستدلون علي ذلك بمجموعة أبيات أهمها:

·       قول ابن عربي في قصيدة "ترجمان الأشواق":

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة         فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف             وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت          ركائبه فالحب ديني وإيمــــاني

·       وقول ابن الفارض الملقب بسلطان العاشقين في تائيته:

لها صلاتي بالمقام أقيمها                وأشهد أنها لي صلَّـــــــــــــــــت
كلانا مصل عابد ساجد إلى                 حقيقة الجمع في كل سجـــدة
 وما كان لي صلى سواي فلم تكن     صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
 ومازالت إياها وإياي لم تزل              ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت

·       وقول ابن سبعين:

"رب مالك، وعبد هالك، وأنتم ذلك الله فقط، والكثرة وهم".

·       وقول التلمساني الذي يعتبره ابن تيمية أعظمهم كفرا وأحذقهم زندقة:

البحر لا شك عندي في توحده                   وإن تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور     فالواحد الرب ساري العين في العدد

      وعلي هذا الأساس، يصرح فقهاء الظاهر من أهل السنة والجماعة  ببطلان نظرية "وحدة الوجود" جملة وتفصيلا، باعتبارها هرطقة وكفر. ولدعم وجهة نظرهم هذه، يسوقون مجموعة من المقولات التي يدعون أنها تمثل الحجة الشرعية من وجهة النظر الدينية علي بطلان هذه العقيدة، بالإضافة الي أنها تمثل البرهان المنطقي الذي يبين فساد النظرية التي بنيت عليها من الناحية العقلية.

      فالإسلام من وجهة نظرهم، يؤكد بأن "الله جل شأنه خالق الوجود منزَّه عن الاتحاد بمخلوقاته أو الحلول فيها. والكون شيء غير خالقه، ومن ثم فإن هذا المذهب – وفق ما يخلصون إليه -  يخالف الإسلام في إنكار وجود الله، والخروج على حدوده، ويخالفه في تأليه المخلوقات وجعل الخالق والمخلوق شيئاً واحداً، ويخالفه في إلغاء المسؤولية الفردية، والتكاليف الشرعية، والانسياق وراء الشهوات البهيمية، ويخالفه في إنكار المسؤولية والبعث والحساب".  

      وعموما، يمكن فهم مأخذهم علي المتصوفة من خلال تهكمهم علي من يعتمد الخيال كوسيط لمعرفة الحقيقة، فيقولون مثلا: "أن يجنح الخيال بالشخص فيظن الشمس سراباً، أو القمر غباراً تجمع في أفق السماء، فقد يعذر في جنوحه وتخيله، أما أن يصل الجنوح والخيال بالشخص فيلغي الفرق بين الخالق والمخلوق، فيرى الكل واحداً، ويعتقد أن هذا الكون من عرشه إلى فرشه ما هو إلا صورة الخالق سبحانه.  حتى ربما مر أحدهم على الجثة فيشير إليها على أنها الرب والإله".

      ويستدلون علي ذلك كذلك،  بما ذكره الإمام الرازي في تفسيره الذي قال فيه أنه شاهد: " بعض المزورين ممن كان بعيداً عن الدين، يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم: أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه، فربما ادعى الإلهية".

      ولا يقتصر فقهاء الظاهر علي سرد مثل هذه الحالات المتطرفة التي تسيء الي من يستغلها ظاهريا لمهاجمة الصوفية، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء فهم الظاهرة فهما صحيحا، مع ضرورة التفريق بين الشاذ والقاعدة من الناحية الموضوعية، لتلافي السقوط في التعميم  والاسائة الي الطريقة الصوفية التي تعتبر احدي المسالك الراقية الي الله تعالي، و تكفير من يعتبرهم الله نفسه أولياء مقربين، عابدين، مخلصين، صادقين وعاشقين... فيكون بالتالي كل تعميم خدمة لمنهج التضليل، الذي يعتمد أسلوب قذف الخصم  بالهذيان والعته واتهامه بالضلالة والانحراف. ويستشهدون في ذلك بمن ادعي الألوهية بقوله: "أنه الله"، في إشارة الي الحلاج الذي قال "أنا الحق" من دون ذكر اسمه، أو قوله: "ما في الجبة إلا الله"، مؤكدا أنه يستحيل أن يوجد في هذا الكون وجود لموجود سوي الله الواجب الوجود، وهذا هو جوهر معني شهادة "لا اله إلا الله".  

      كما لا يفوتهم بمناسبة ومن دونها أن ينتقدوا من صححوا دين النصارى والمشركين، ومآخذتهم علي عدم إنكارهم عليهم سوي ادعائهم أن الألوهية مقتصرة علي عيسي أو الأصنام، مستدلين علي ذلك بقول الحلاج مثلا:

عقد الخلائق في الإله عقائداً               وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

      فبالنسبة للصوفية كما يزعمون، لا فرق بين سماويها وغير سماويها، إذ الكل – وفق معتقدهم - يعبدون الإله الواحد المتجلي في  صورهم، وصور جميع المعبودات، ويكون غاية مقصود العابد منهم أن يصل إلى مرحلة يدرك هذه الوحدة المطلقة، ويشهد ألا موجود إلا واجب الوجود سبحانه، وهي درجة من الهذيان والهلوسة – كما يؤكدون - سببها مغالاته في العبادة، وتحريمه على نفسه ما أباحه الله له من المأكل والمشرب، حيث يقتصر على ما يقيمه صلبه، وهو ما يؤدي إلى تأثره عقليا ونفسياً، فيتخيل له هذه الخيالات، ويشطح تلك الشطحات.. 

      هكذا يتكلم حراس العقيدة إذن، فيتحولون فجأة الي خبراء في التغذية و أطباء نفسانيين  متخصصين في تشخيص أحوال الصوفية الجسدية و النفسية والعقلية علي حد سواء.

      وبالرغم من أن نظرية "وحدة الوجود" في تعقيداتها المعرفية سواء منها الدينية أو الفلسفية لا علاقة لها بالاتحاد والحلول، إلا أن التكفيريين يصرون علي أن بعض الصوفية، مثلهم كمثل النصارى يعتقدون بحلول اللاهوت في الناسوت أو الإله في الجسد الإنساني كما حصل مع عيسي عليه السلام. قال الشيخ "سعد الدين التفتازاني" في (شرح المقاصد): " ومنهم – أي القائلين بالحلول - بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض لجة الوصول، فربما يحل الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - فيه كنار في الجمر، بحيث لا يتمايز، أو يتحد به، بحيث لا اثنينية ولا تغاير، وصح أن يقول هو أنا، وأنا هو".

      والشيخ إذ يفضح مثل هذا الاعتقاد المنحرف من وجهة نظره، لا يذكر مثالا واحدا لصوفي مسلم  يعتقد بالحلول بالمفهوم الكنسي، ولا يشرح لنا ما هو الاتحاد وكيف يتم،  كما لا يستشهد بنص صوفي يؤيد ما ذهب إليه من باب الموضوعية ليس إلا.  وكونه يورد في آخر الفقرة أعلاه عبارة: "وصح أن يقول هو أنا، وأنا هو"، فمثل هذه الإشارة تجعلنا نستنتج أن المقصود بالعبارة هو الحلاج الذي قال:


 نظرت الي ربي بعين قلبي  ***   فقلت من أنت؟ قال: أنا أنت


       أو قول ابن عربي في رسالته الوجودية: "أنت لست أنت من حيث هو أنت". ونستخلص بالتالي أن قول الشيخ التفتازاني بأن الصوفية الذين يقصدهم بكلامه، يعتقدون بالحلول مثلهم كمثل النصارى، هو قول خاطئ،  لا يستند الي حجة من عقل أو دليل من نص. كما أنه استنتاج أسس علي احتمال افتراضي لقوله: "ربما يحل الله..." وليس مبنيا علي دليل واضح.  فمثل هذا الحكم الجزافي اللامسئول، الصادر عن فقيه في الدين - يفترض فيه الحرص والتقوى -  إن دل علي شيء، فإنما يدل علي جهل الشيخ بحقيقة مذهب القوم الذي لا يسلم مع وجود الله بأي وجود آخر مغاير. ويدل كذلك علي تضارب في القول، فمن جهة يتهم أهل الرسوم الصوفية بعدم التفريق بين وجود الله ووجود الخلق، ومن جهة أخري يكفرونهم بدعوي قولهم بالحلول والاتحاد.  فإذا كان الحلول بالمعني العام هو سريان شيء موجود في شيء موجود آخر، فكيف يمكن الجزم إذن بأن وحدة الوجود تقوم علي الاعتقاد بالحلول، وهي النظرية التي لا يقوم لها مقام إلا علي أساس أن لا موجود في الوجود إلا الله تعالي دون سواه، وبالتالي، كان علي الشيخ أن يفسر لنا من وجهة نظره العقلية علي الأقل: - من يمكنه أن يحل في من؟ لأن الاعتقاد بوجود شيء آخر مستقل (مع) أو (من) خارج الله يمكن لله أن يحل فيه أو أن يتحد بالله هو الشرك بعينه، كما يؤكد ابن عربي في رسالته المشار إليها أعلاه، وهذا ما لا يستطيع أن يستوعبه عقل مغلق مقلد.


      وخلاصة القول فيما يتعلق بالحلول أو (الحلولية)، فانه كثيرا ما التبست حقائق الصوفية الباطنية على فقهاء الرسوم وبعض الباحثين الغربيين، سواء منهم المستشرقين أو بعض العرب المغتربين أيضا.  غير أن الحلولية لا تصادَف في الواقع إلا في حالة عدد من الفلاسفة الأوروبيين وبعض الشرقيين ممَّن تأثروا بالفكر الغربي في القرن التاسع عشر. فالحلولية قد نشأت عن النزعة الفكرية عينها التي تفتَّقت، أولاً، عن المذهب الطبيعي، ومن بعدُ، عن المذهب المادي الحديث. يقول سيد حسين نصر: "أما ما أغفله النقَّاد ممَّن يتَّهمون الصوفيين ب"الحلولية" فهو الفرق بين التوحيد الذاتي بين الوجود الظاهر ومبدئه الوجودي وبين عينيَّتهما واستمرارهما الجوهري. وهذا المفهوم الأخير مُحال عقلاً، ويتناقض مع كلِّ ما قاله محيي الدين بن عربي والصوفيون الآخرون في خصوص الذات الإلهية. فالحلولية، كما يتبين، لا تتصور العلاقةَ بين المبدأ الإلهي والعالم إلا من منظور الاستمرارية الجوهرية أو الوجودية – وهذا غلط ينبذه كلُّ مذهب باطني نقلي بما لا لبس فيه ولا إبهام (ديمتري أفييرينوس في تعليقه علي الرسالة الوجودية لابن عربي).


      وابن عربي في نفس الرسالة التي استشهد بها الباحث ديمتري، يؤكد أنه لو كانت ثمة استمرارية تجوِّز المقارنةَ بين الحق والخلق، بين الله والكون المتجلِّي، على نحو ما يُقارَن بين الغصن وجذع الشجرة الذي يتفرع عنها، لكانت هذه الاستمرارية، أو لنقل، هذه "الذاتية" المشتركة بين الحدَّين، إما متعيِّنة بمبدأ أعلى لا تتميَّز عنه، وإما متعالية هي نفسها عن هذين الحدَّين اللذين تشد واحدَهما إلى الآخر وتكتنفهما جميعًا بمعنى ما، وبالتالي، لما كان الحق إذ ذاك هو الحق. لذا يصح، إلى حدٍّ ما، القولُ بأن الحق هو عينه هذه الاستمرارية أو هذه الأحدية، على ألا تُتصوَّر باعتبارها "خارجه"، وذلك لأن الحق لا ضد له، ولا ند له، ولا ينتسب إلى أين...  وهو ليس بعَرَض فيحتاج إلى حامل يقوم وجودُه عليه، ولا بجوهر فيشارك الجواهر في حقيقة الجوهرية.  وهو منزَّه عن كلِّ شيء متجلٍّ، لكنْ دون إمكان وجود شيء "سواه" "معه" أو  من"خارجه".


      هذا المنظور الذي يقدمه لنا ابن عربي في رسالة الوجودية، يمكِّننا من فهم أن مذهب التوحيد عند الصوفية،  لا صلة البتة بينه وبين أي مذهب "وحداني" فلسفي بالمعنى المعاصر، كما يحاول أن يزعم بعضُ منتقدي الصوفية. فكما يقول سيد حسين نصر في كتابه (ثلاث حكماء مسلمين - ترجمة صلاح الصاوي ومراجعة وتنقيح ماجد فخري، بيروت، 1986): "إن اصطلاح (الوحدانية الوجودية) ليس تعريفًا مناسبًا - بوحدة الوجود - أيضًا، لأن (الوحدانية)... تفترض نظامًا فلسفيًّا فكريًّا يقابل مثلاً الثنوية، ولفظة (وجودية) تخلط بين الاستمرار الذاتي بين الأشياء ومبدئها وبين الاستمرار الجوهري، أو بين النظرة الأفقية والنظرة العمودية. وإن رأي هؤلاء النقاد لما يزيد من دهشتنا، على اعتبار أن منهجية مذهب الصوفيَّين المذكورَين إنما تقوم على إبراز الأضداد الأنطولوجية القصوى وعلى النظر في الأحدية لا بالاختزال المنطقي العقلاني للعالم، بل بالجمع كَشْفًا بين الأضداد والنظائر في الخبرة الصوفية المباشرة".   و يتابع سيد حسين نصر: " (الأحدية) مركز الدائرة التي يوجد الكل فيها و الذي يقف العقلُ أمامه حائرًا. فهي تشتمل على اجتماع (الأضداد) الذي لا يمكن أن يُرَدَّ إلى مقولات العقل البشري أو إلى وحدانيةٍ تنعدم معها الفوارقُ الوجودية ويُغفَل الوضعُ المتعالي الذي يحتله المركزُ بالنسبة إلى كلِّ المتناقضات التي تنحل جميعًا فيه". وهو ما يعني أن الأشياء لا تعرف إلا بضدها، وأن المتناقضات الظاهرة في هذا العالم المادي، تنمحي وتزول في عالم الأرواح.


      يقول الشيخ الأكبر في هذا الشأن: "لو علمتَه لم يكن هو، ولو جهلكَ لم تكن أنت. فبعلمه أوجدك، وبعجزك عبدتَه. فهو هو لِهُوَ، لا لك، وأنت أنتَ لأنتَ ولَهُ. فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك. الدائرة مطلقةً، مرتبطة بالنقطة، النقط، مطلقةً، ليست مرتبطة بالدائرة، نقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة. كذلك الذات مطلقةً، ليست مرتبطة بك. ألوهية الذات مرتبطة بالمألوه (أنت)، كنقطة الدائرة (في ارتباطها بالدائرة).وهذا هو معني قول البسطامي: "أنا النقطة التي تحت الباء"، ذلك أن النقطة هي مبتدأ الدائرة ومركزها الذي تدور حوله كرها وقهرا الأشياء كلها، كما أن النقطة هي بداية كل حرف ورقم، أو لنقل أنها منطلق كل رسم في هذا الوجود ومنتهاه.

      وحول سوء الفهم الكبير القائم بين حراس العقيدة والصوفية عموما وعلي رأسهم ابن عربي، استشهد هنري كوربان  بموقف الفقيه القاضي ابن حجر الحيتمي، الذي عاش في القرن السادس عشر، والذي يعتبر من المدافعين الأشداء عن ابن عربي.  حيث كان يقرُّ ببعض ما يأخذه منتقدوه عليه، باعتبار أن  كتاباته، على حدِّ قوله: " لدقة معانيها، ولطائف إشاراتها، وإبهام مبناها، هي للعوام سمٌّ ناقع" (الفتاوى الحديثة – ص: 296 – القاهرة 1970)، إذ إن الاهتمام المشروع بالذود عن إيمان الجهَّال – وفق تعبيره -  يقود بعض فقهاء الشريعة إلى أن تأخذهم العزَّة بالإثم - على ما يخلص إليه - لكنه يبقى من الصحيح أن ابن عربي ليس ممَّن يصح أن تتداوله سائرُ الأيدي وفق ما يري.

      وطبيعي والحال هذه، أن يصنف التكفيريون في خانة العلماء،  كل من وقف من هذه البدعة الخطيرة – وفق حكمهم - موقفا حازماً وموافقا لرأيهم.  ولإعطاء بعض المصداقية لادعائهم يذكرون علي سبيل المثال من يعتبرونه كأحد العلماء الصوفية الكبار وهو "الجنيد" – وهذا الصوفي المشرقي، يعتبر وجها مقبولا لدي السنة الأشعرية-  والذي حينما سئل عن التوحيد قال: "التوحيد إفراد المحدث عن القدم"، ويعتبرون قوله هذا،  ردا مفحما على من مزج بينهما،  وجعل الخالق ( القديم ) والمخلوق  (المحدث) شيئاًَ واحداً. غير أن الجنيد بقوله هذا،  لم يذهب الي نكران "وحدة الوجود" كما اعتقد من استدلوا تعسفا بقوله، فهو يؤمن كما غيره من الصوفية بأن لا وجود في هذا الوجود إلا لله الواجب الوجود، فيقول مثلا: " المعرفة وُجودُ جهلك عند قيام علمه. قيل له: زدنا. قال: هو العارف وهو المعروف". ويفسر "أبو بكر الكلاباذي" هذا الكلام فيقول: "معناه: أنك جاهل به من حيث أنت، وإنما عرفته من حيث هو" (التعرف لمذهب أهل التصوف، باب: 22 - ص:66). فضمير المخاطب (أنت) يرمز به إلى (الفرق)، ومعناه: إنك جاهل به (أي بالحق) من حيث تعتقد أنك (أنت) ولست (هو)، وإنما عرفته من حيث أنك (هو). فعندما تدرك أنك لست أنت وإنما (هو) فحينها ستعرف الله. وبهذا لا يخالف الجنيد عقيدة الصوفية في باب "المعرفة والوجود". وتجدر الإشارة هنا، الي أن الجنيد في جوابه علي السائل، استعمل نفس الشرط الثلاثي الذي يقوم عليه مذهب أبو يزيد البسطامي وفق معادلة بسيطة تلخص بعمق وعي الوجود من خلال أشكال ثلاثة: الأنانية (صورة الأنا)، و الأنت (صورة الإثنية)، والهو (صورة الهوية). فمن خلال هذا الترتيب لوعي الوجود، يذوب / يفني / أو لنقل بتعبير الغزالي، "يتوحد" الإنساني في الإلهي، ويتبادلان في فعل متعال من المحبة والعشق. و "التوحد" هو خلاف مصطلح "الاتحاد" الذي يستعمله هنري كوربان في شرحه لنظرية "الشرط الثلاثي للوجود" عند أبو يزيد البسطامي (تاريخ الفلسفة – ص:290).

      وقال الجنيد أيضاً: " حقيقة التوكل: أن يكون لله تعالى كما لم يكن، فيكون الله له كما لم يزل" (التعرف – باب 44 - ص: 101). أي أن يكون المتوكل كما لم يكن موجودا فيكون الله كما كان دائما ولا يزال، هو الموجود والفاعل الوحيد دون سواه.

      وبنفس المعني أورد الغزالي قولا لسهل بن عبد الله التّستري مفاده: " يا مسكين.. كان ولم تكن، ويكون ولا تكون. فلما كنت اليوم صرت تقول: أنا وأنا.. كن الآن كما لم تكن، فإنه اليوم كما كان" (إحياء علوم الدين 4/222). وهذا القول ليس بجديد، بل هو نفس قول الجنيد ويدور حول نفس معني حديث الرسول (ص) عن الله: (كان ولا شيء معه... وهو الآن كما كان لا يزال).


أقوال بعض كبار الصوفية في مسألة "وحدة الوجود"    
      ولمزيد من التوضيح، نورد بعضا من أقوال كبار الصوفية في المسألة، فنبدأ باستقراء آراء شيخ الإسلام الإمام الغزالي في معالجته لمسالة وحدة الوجود وقضية المشاهدة، وهي نفس الأقوال التي يستدل بها أعداء التصوف في نقد هذه النظرية العرفانية، للتدليل علي أنها كفر فاضح بحجج واهية لا قيمة علمية لها ولا تستحق منا الذكر، ومجملها متضمنة في دراسة مفصلة من 637 صفحة أعدها "ذ. محمود عبد الرؤوف القاسم"، تحت عنوان "الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ" ومنشورة في موقع الصوفية علي النت، لمن أراد الاطلاع عليها.

      يقول الإمام أبو حامد الغزالي: " ...فمن عرف الحق رآه في كل شيء، إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله، فهو الكل على التحقيق، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه، ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، لا أنه سيبطل في ثاني الحال، بل هو الآن باطل" (إحياء علوم الدين 1/254).

      ويقول كذلك في نزعة الربوبية عند الإنسان: "...نعلم أن للقلب ميلاً إلى صفات بهيمية.. وإلى صفات سبعية.. وإلى صفات شيطانية.. وإلى صفات ربوبية.. فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع. ومعنى الربوبية التوحد بالكمال، والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال؛ فصار الكمال من صفات الإلهية، فصار محبوباً بالطبع للإنسان. والكمال بالتفرد بالوجود، فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة؛ فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها، فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصاً في حقها إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية. والمنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به...وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصاناً في الشمس بل هو من جملة كمالها، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى... فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة... فإذاً معنى الربوبية التفرد بالوجود، وهو الكمال... ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية: (ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) النازعات:24 -، ولكنه ليس يجد له مجالاً...". (إحياء علوم الدين 3/243).

      ويقول في نسبة الأفعال الي الله تعاليً: " ...ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه، فيرى جنةً عرض بعضها السماوات والأرض، أما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة.. وأما عالم الملكوت، وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار، المخصوصة بإدراك البصائر، فلا نهاية له. نعم، الذي يلوح للقلب منه مقدار متناهٍ.. وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذ دفعة واحدة تسمى (الحضرة الربوبية) ؛ لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله؟ ومملكتُه وعبيدُه من أفعاله (إحياء علوم الدين 3/13).

      وحول مراتب المشاهدة يقول: "...والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمِّيه الصوفية (الفناء في التوحيد)...والثالث: موحد، بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحداً إذا انكشف له الحق كما هو عليه، ولا يرى فاعلا بالحقيقة إلا واحداً وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه، لا أنه كلَّف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين.. والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد. وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد (إحياء علوم الدين 4/212).

      ويسترسل الغزالي في شرح مسألة المشاهدة وعلاقة الواحد بالكثرة فيقول: "...فإن قلت: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً، وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة؟ فكيف يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات.. وهو أن الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدةٍ واعتبار، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الانسان كثير إن التفتّ إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبارٍ آخر ومشاهدةٍ أخرى واحدٌ، إذ نقول: إنه إنسان واحد.. والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرقٌ بواحد ليس فيه تفريق، وكأنه في عين (الجمع) ؛ والملتفتُ إلى الكثرة في (تفرقة) فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحدٍ من الاعتبارات واحدٌ، وباعتبارات أخر سواه كثيرٌ...وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق، تارة تدوم، وتارة تطرأ كالبرق الخاطف، وهو الأكثر، والدوام نادر عزيز". (إحياء علوم الدين 4/213)

      وحول "حقيقة الحقائق" أو "وحدة الوجود"، يقول الغزالي: "...من هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) القصص:88 - لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلاً وأبداً، لا يُتصور إلا كذلك... فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه، فإذن كل شيء هالك إلا وجهه أزلاً وأبداً...ولم يفهموا من معنى قوله: (الله أكبر) أنه أكبر من غيره، حاشا لله، إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه، بل ليس لغيره رتبة المعية، بل رتبة التبعية". (مشكاة الأنوار – ص: 55).

      ويختم بالإقرار بالنسبة للتوحيد: "... إشارة العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق". (مشكاة الأنوار – ص: 57). وهذا هو معني التوحيد عند الغزالي وهو تعريف يتساوق بشكل كبير مع مفهوم ابن عربي الذي وان كان يربط الوحدة بالثنائية من باب تقريب المعني للعقول مراعاة لاختلاف مستويات الفهم، فيشبه ويخالف في نفس الوقت من دون أن يختلف كما سنري بمناسبة الحديث عن رسالته في الأحدية لاحقا. 

      وتجدر الإشارة، الي أن الغزالي هو الصوفي الوحيد الذي لا يستعمل أسلوب الإشارة والرمز في التعبير عن أفكاره، بل يمتاز دون غيره من الصوفية الكبار بأسلوب سهل، سلس، واضح ومتماسك، لا يحتاج الي كبير عناء لفهم ما يطرحه من قضايا ومسائل.  ولذلك اكتفينا بسرد بعض من مقولاته في سياق الموضوع الذي يهمنا هنا، دون الخوض في تفسيرها، بخلاف ما يقتضيه الأمر في حالة ابن عربي مثلا.

       وعودة الي ابن عربي، فان الشيخ الأكبر قد أنكر مقولة الجنيد في التوحيد بإفراد الحدوث عن القدم، لاعتقاده الراسخ بأن الله لا يوصف ب: "القدم"،  لأنه سبحانه وتعالي ليست له بداية حتى يقال عنه "قديم"، وهو متحرر من منطق الزمان والمكان، يتصرف من خارج شرطيهما وفي نفس الوقت يهيمن عليهما. كما أنه (كل يوم في خلق جديد) من نفسه بنفسه مع نفسه ولنفسه...  وأنه (كل يوم هو في شأن) و "اليوم" بمفهوم الزمن الضوئي العمودي،  يعني "الآن" من غير ماضي ولا مستقبل ولا تعاقب للحظات. كل ذلك، من دون " كيف؟ "  أو " لماذا؟ "، كما يقول الشيخ الأكبر في تعليقه علي علاقة الله بالخلق والزمن الكوني الأفقي (التاريخي). ولعل هذا المنطق هو الذي دفع ابن القيم الجوزية – تلميذ ابن تيمية - الي التعليق علي موقف ابن عربي  بالقول: " وصاحب 'الفصوص'  - يقصد فصوص الحكم للشيخ الأكبر – وهو من شيوخ المتصوفة،  أنكر هذا (أي إفراد المحدث عن القديم)، الذي قال به 'الجنيد'،  وقال (أي ابن عربي)، في مخاطبته الخيالية الشيطانية للجنيد، اذ يقول له: يا جنيد: هل يميز بين المحدث والقديم، إلا من يكون غيرهما؟ " (أي غير المخلوق و غير الخالق). ويرد ابن القيم  علي هذا الاعتراض الذي يعترض به ابن عربي علي الجنيد، فيقول: " يقال لهذا الملحد (ابن عربي): ليس من شرط المميز بين الشيئين – بالعمل أو القول – أن يكون ثالثا غيرهما... فان كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره، وليس هو ثالثا... فالعبد يعرف أنه عبد، ويميز بينه و بين خالقه، والخالق جل وعلا يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم، وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن الكريم في غير موضع..." (التفسير القيم – ص 52).  وواضح من رد ابن القيم، أنه لم يستوعب الموضوع في عمقه وجوهره، وحاول ملامسته من خلال المستوي الوظيفي السطحي للغة، للتمييز بين الله وعباده، لكن مثل هذا التفسير لا يبين لنا من أين خلق الله عباده، وهل هم ذوات مستقلة عنه ومن خارجه أم أنهم عين ذاته؟.

      صحيح أن الإنسان بحكم طبيعة مهمته، إنما  ينوب عن الله وفق الأمر التكويني والأمر التكليفي معا، اللذان ينيطان به خلافة الله في العالم، والقيام مقامه فيما يشاء ويريد: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله)،  من دون أن يكون للإنسان الخيار في ذلك بعد أن شهد علي نفسه بالعبودية لله في عالم الذر، وقبل طوعا حمل الأمانة وخوض تجربة الشوق والمعاناة الأرضية. ومن طبيعة الخلافة أن يقوم المستخلف بحكم مشيئة الله القاهرة، وبحكم أنه (أي الإنسان) بكيانه الجامع (ذات وروح ونفس)، لا يتمتع بوجود مستقل عن الله تعالي أو معه سبحانه، يجعله في موقع القبول أو الرفض من منطلق الحياة، والعلم، والقدرة، واستقلال الإرادة، ما دام الله هو مصدر الحياة، والعلم علمه، والقدرة قدرته، والإرادة إرادته، كما أن الأفعال هو خالقها بالمحصلة، كما يقول ابن عربي ويؤكد ذلك الغزالي وغيرهم من الصوفية (والله خلقكم وما تعملون) الصافات: 96.  وهي حقائق معرفية ووجودية تبطل من ناحية الاستدلال المنطقي، اتهام فقهاء الرسوم للصوفية بأنهم يقولون باتحاد الإنسان مع الله أو العكس، أي حلول الله في الإنسان، وذلك لانتفاء وجود أي موجود مع الله أو من خارجه سبحانه وتعالي، يمكنه أن يتحد مع الله أو أن يحل الله فيه.   

      والحقيقة أن عقيدة التوحيد بمعناها الظاهري العام، التي تتمحور أساسا حول قضية إثبات وحدانية الله وعدم الشرك به من قبل عامة المؤمنين، تأخذ بعدا شديد التعقيد لدي الخاصة وخاصة الخاصة من الصوفية.. فبالنسبة لهذه الفئة من الموحدين المنشغلين بالباطن كما يقول الباحث ديمتري أفييرينوس، يعتبر التوحيد بالنسبة لهم، بمثابة الباب الذي ينفتح مباشرة علي الحقيقة الذاتية:  "فكلما أمعن عقلُ المتصوف، على هَدْي من بصيرته، في سَبْرِ ظاهر البساطة العقلانية للوحدانية الإلهية، تبيَّن له أن هذه البساطة أعمق غورًا وأشد تعقيدًا – إلى أن يبلغ به الأمرُ حدًّا يتعذر بعده التوفيقُ بين مختلف أوجُه التوحيد بالمنطق الإدراكي أو بالعقل الخطابي، إذ إن تفكُّره في هذه الأوجُه بالغٌ لا محالة بمَلَكة التفكير حدودَ استيعابها القصوى، وبذلك يتاح للعقل أن يختبر حالَ جَمْع يتعدى كلَّ تصور شكلاني.  وبعبارة أخرى، فإن من شأن الكشف، فيما يتعدى التصور وحده أن يرقى إلى الوحدانية التي تشكل المفهومُ المركزي الذي يتخلَّل مذهبَ الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كلَّه، تحت مسمي وحدة الوجود"...

      ونظرا لحساسية مصطلح "وحدة الوجود" الذي أثار ويثير الكثير من الجدل، حول ما إذا كان يقصد به بالتحديد، تعريف عقيدة توحيدية لا يوجد بمقتضاها في الوجود إلا الواحد الأحد وحده دون سواه.  بيد أن الإجابة بالإيجاب عن هذه المسألة كما يري الباحث المذكور أعلاه، لا تشير إلى نقلة حاسمة في الإلهيات الإسلامية، لأن ابن عربي، لم يفعل في الواقع، غير الدفع بمذهب المتكلِّمين الأشاعرة الي أقصى مداه، إذ إن إصرار الأشعري على قدرة الله الكلِّية وهيمنته على الكون، ينطوي منطقيًّا، على حقيقة بسيطة مفادها أن الله هو خالق الأفعال، وبالتالي، يعتبر الفاعل الأوحد في هذا العالم. وعليه، فابن عربي لا يجانب المنطق حين يقول، قياسًا على ما استخلصه الأشاعرة في موضوع القدرة الإلهية الكلية والهيمنة الشاملة، بأن الله هو الموجود الأوحد، ولا وجود لموجود آخر معه أو من خارجه. لأن عكس هذه الحقيقة، من شأنه أن يفتح الباب أمام التساؤل المشروع حول مصدر وطبيعة وحقيقة هذا الموجود الذي يفترض أهل الظاهر أنه غير الله الواجب الوجود من دون شرط شيء بالمطلق.

      ولهذا، واعتبارا لتعدد مستويات الخطاب والقدرة علي الفهم، فقد ينجح أهل الظاهر في التأثير علي عقول العامة من الناس، عن طريق اللعب بظاهر الكلمات لما توحيه من معاني متضاربة متوهمة من خارج السياق، لا علاقة لها بحقيقة الحق والخلق. ذلك أن الذي يتموقع علي سطح دائرة الوجود لا يمكنه أن يري ما يوجد بداخل الدائرة من موجود، فأحرى أن يدرك ما يدور وراء العالم (عالم الغيب). بمعني، أنه لا يستطيع أن يحكم علي الأشياء الخارجة عن حيز المحسوسات، ولا يمكنه كذلك، أن يفهم الأشياء الخارجة عن نطاق التحديد العقلي الذي يعتمد الملاحظة والقياس في تعريف الموجودات...  خاصة إذا علمنا  أنه لا معني ل: "قديم" في علم الله قياسا بزمان غير موجود أصلا في فضاء الخلود، ولا معني ل: "محدث" في حق الله العليم، من منطلق مدلول "الخلق" الذي يختلف عن مدلول "الحدوث" ويسبقه الي ما قبل الوجود المادي في المدي السرمدي اللامتناهي بدليل قوله تعالي: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم). فلا أول معه أو قبله، ولا آخر معه أو بعده، ولا ظاهر في الوجود إلا لتجلياته، ولا باطن إلا لحقيقته، فهو بكل شيء عليم لأنه محيط بالوجود كله من حيث أنه عين ذاته، وهذا هو معني كلمة التوحيد: لا اله إلا الله.

      وبهذا المعني، يكون خلق الشيء لا يعني الحدوث بالضرورة بالمفهوم العلمي، بل التحول، أي تحول الطاقة الي مادة والمادة الي طاقة الي ما لا نهاية... لأن الله سبحانه وتعالي وفق ما يذكره الصوفية، وقبل أن يقرر عرض المخلوقات في الوجود المادي، كانت هذه المخلوقات موجودة من قبل علي شكل "أعيان ثابتة"، أي مخلوقة بشكل بديع في علمه الأول.. تماما كالمهندس الذي يخلق علي الورق بنيانا،  فيبدع في رسمه من حيث أنه فكرة لا نظير لها في العالم،  وبعد ذلك تأتي مرحلة البناء التي تجسد إقامة المشروع عمليا من المادة، فيصنع علي الصورة التي هو عليها في الرسم. والله قد وضح لنا هذه المراحل في القرآن الكريم من خلال استعماله لعبارة "خلق" السماوات والأرض و" بديع" السماوات والأرض ثم أخيرا قال لنا أن السماء والأرض كانتا رتقا " ففتقهما"، أي أخرجهما للظهور.  وهي مرحلة الوجود المادي المحدث لعالم كان دائما وأبدا فكرة باطنة ورسما كامنا في علم الله (الخالق البارئ المصور)... كما أخبرنا سبحانه، أنه خلق الإنسان (آدم) بيده وعلي صورته، بمعني أن آدم لا يشبه الله تعالي في صورة ذاته كما يعتقد المجسمة وبعض أهل الظاهر، بل أنه مخلوق علي الصورة (الرسم البديع)  التي كانت منذ الأزل في علم الله العلي العظيم، ولهذا قال الصوفية أن الإنسان "أول" من حيث علم الله،  كما أنه "آخر"، بمعني آخر ما أوجد من المخلوقات بعد العناصر والنباتات والحيوانات، ولأن مصيره الخلود بعد تجربة الشوق الأرضية... وكل هذا لا يدرك إلا إذا فهم الإنسان معني "الآن" التي قالها الرسول (ص) في حديثه عن الله (كان الله ولا شيء معه... وهو الآن كما كان لا يزال)، وعرف أن الله لا يحدد بحيز المكان والزمان، بمعني "القدم" أو "الحدوث"، وهما أمران أسالا الكثير من المداد بين الغزالي و ابن رشد من خلال "تهافت الفلاسفة" و "تهافت التهافت"، وانتهي الأمر بابن رشد الي استنفاذ كل أسلحته العقلية والمنطقية، من دون أن ينجح في حسم مسألة القدم والحدوث بين العلم والإرادة والفعل...

****** يتبــــــع ******

‏هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

الى ياسين/كتاباتك لا علاقة لها بالخير.كتاباتك تظن انها موضوعية,ليست كذلك.لا اشك في انك قرات تفسير سورة العصر,انصحك ان تفقه معانيها.و اذا كنت تهوى التفكر و التدبر,ثم تكتب,فاعلم ان ان التفكر و التدبر ثم الكتابة امر حميد,لكن انصحك كما انصح نفسي بلاستعاذة من وساوس الشيطان, لعنة الله تعالى على الشيطان الرجيم.السلام عليكم