الجمعة، 15 يونيو 2012

الثورات بين الشك ومنارات اليقين...


وولادة زعيم الأنبوب الثوري


شباب المهجر (مقالات) بقلم: نارام سرجون: لم تعد المظاهرات حكراً على المعارضات العربية ولم تعد الحرية مطلباً للثورجيين فقط، بل هناك من هو أحق منهم بالتظاهر وهناك من هو أجدر بإطلاق سراحه من المعتقلات.. لأن هناك قمعاً رهيباً يمارس لمنع هذه المظاهرات والمتظاهرين بالهراوات والرصاص الثوري.. إنها مظاهرات الأسئلة الكبرى القلقة والحائرة التي تجوب الشوارع وتطرق على أبواب الأرق وتصر على أن تلقي منشوراتها عبر نوافذ عقولنا.. إنها ستعلن "ثورة الأسئلة الكبرى" في شوارع "الربيع العربي".../...

هناك أسئلة كثيرة جداً تخرج الآن إلى الطرقات العربية وتهيم على وجهها هذه الأيام في الأحداث عموماً والسورية خصوصاً.. أسئلة لا تجد معارضاً واحداً يمسك بيدها ويأخذها ليدلها على بيت أمها وأبيها كأي فاعل خير.. وبالطبع إذا وجدتها "الجزيرة" مصادفة أكلتها بشحمها ولحمها وتجشأت بعد ذلك من بطن محمد كريشان المتخمة بالوجبات الثورية السريعة.. وسيكون من سوء طالعها إذا وجدها عبد الباري عطوان تائهة لأنه سيقودها إلى حائط المبكى في القدس وسيضع على رأسها قلنسوة الحاخامات تماماً كما يفعل في كل تساؤلات يقودها عن سورية في صحيفته "أورشليم"!!..

في عين كل سؤال ضائع توسّل يقول: أما من شهم كريم يدلني على بيت أمي وأبي حيث أبيت في فراش اليقين؟ السؤال الضائع لن يغفر لنا تجاهلنا لندائه.. وسيوخزنا ضميرنا إن لم نلتفت لصراخه وآلامه..

ولكننا سنأخذ الأسئلة التائهة الخائفة القلقة التي لايدلها أحد من الثورجيين ومثقفيهم على عنوانها، وسنمسك بها من يدها وندق باب أهلها ويقينها رغماً عن كل من يريد لها أن تبقى ضائعة.. بلا عنوان.

لعل السؤال الأهم الذي يخشى الثورجيون خروجه إلى طرقات الربيع العربي أو رفعه لمراسي العقل فيبحر نحو الحقيقة هو: هل تعثرت الثورة في سورية ووقعت في التخبط؟ لِمَ اضطربت وارتبكت ولم تحقق أياً من أهدافها الرئيسية المتمثلة بإسقاط الدولة السورية أو الحصول على رأس جسر عسكري لحلفائها للانطلاق نحو توسيع الثورة؟ من الذي حقق إنجازاً على الآخر؟ هل هو صمود الدولة السورية في هذه الرياح العاتية أم استمرار الحركة الاحتجاجية؟..

ومن الأسئلة التي تتظاهر الآن في الطرقات أسئلة تقول: لماذا ماتت شعارات كثيرة للثورة مثل شعار "سلمية" و"حرية"؟.. وكيف تمكنت الدولة السورية من إرغام بعض الأسئلة على أن تهاجر من العقول نهائياً مثل: متى يصل أردوغان وصناديد الجامعة العربية؟ ولماذا تغيّرت أهداف الثورة من تحقيق الحرية والديمقراطية وإدخال الربيع العربي (بحماره وحوافره وبضاعته وأسفاره وتوابله) إلى مجرد تغيير الرئيس وبقاء كل شيء على ماهو؟.. وهل السيناريو اليمني قابل للتطبيق؟.. وماذا تعني نهاية مرحلة برهان غليون؟.. وماذا سيقدم عبد الباسط سيدا للثورة السورية؟.. وماهي نقطة التحول الفاصلة في معادلة الأحداث التي ستعلن نهاية المرحلة؟!!.. هل سيطرأ مثلاً انقلاب أو انشقاق داخل جسم الكتل الإسلامية السياسية بعد انكفاء الربيع العربي عن دمشق؟.. ولماذا لايجرؤ الإسلاميون السوريون على تولي القيادة المباشرة لمجلس استانبول طالما أن عناصرهم المسلحة هي العمود الفقري للمسلحين على الأرض والذين يدفعون الثمن دماً فيما القيادات تتلطى خلف العلمانيين؟!..

مظاهرات الأسئلة الآن ضخمة وبلا نهاية وتتحدى بحجمها المظاهرات الصغيرة و"عراضات الحارات" في أزقة الثورة السورية.. وكلما كانت الأسئلة قاسية وحادة ولاتجامل فإنها تعني أنها ترفع المراسي الثقيلة للعقل وتنشر الأشرعة على أوسع مدى فتصل الى موانئ اليقين.. فيما ليونة الأسئلة وميوعتها تعجز عن رفع المراسي ونشر الأشرعة فنبقى في أماكننا.. ونبقى في نفس المرافئ القديمة الموحلة.. حيث لاشك ولايقين.. بل ثورة سورية وربيع عربي..

لنجيب عن بعض هذه الأسئلة في هذا المقال أدعوكم لمصافحة منهج المفكر البريطاني فرانسيس بيكون الذي أسقط الفلسفة النظرية وأرسى مبدأ هاماً في التفكير هو المنهج العلمي التجريبي وهو الانطلاق بالتجربة من الشك نحو اليقين وليس العكس.. فهذه هي الطريقة المثلى للوصول الى اليقين.. لأن الانطلاق دوماً من اليقين ليس صائباً، إذ أنه قد يوصل الى الشك.. ولذلك فإن المعرفة تنطلق من الشك والملاحظة والسؤال.. ثم التجربة والتحليل.. ثم قطف النتائج المؤكدة..

وكما أدخل فرانسيس بيكون هذا النهج من "الشك والريبة" باتجاه "اليقين والمؤكد" فإن الباحثين في الشأن الإنساني دأبوا أثناء الأحداث الاجتماعية (مثل الثورات) على اتباع تلك القاعدة (البيكونية) بمواكبة الأحداث والاقتراب منها وتحسس نتوءاتها الحادة واختبارها بالأسئلة القاسية لنيل العبر والدروس وترجمة الصراعات للوصول الى معرفة اليقين.. الأسئلة القاسية في المحن القاسية تشبه علاقة الأشرعة الكبرى بالرياح.. عناق الريح والشراع يوصل السفن الى موانئها.. بلا ريب!!.

وللإجابة عن بعض الأسئلة لن ألجأ للجواب المباشر بل سأنقل إليكم بعض جدال ساخن في الندوات الفكرية التي تدار على هوامش اللقاءات الأكاديمية السياسية الكثيرة هذه الأيام.. حيث يقول المتابعون العاقلون للأحداث السورية إنه رغم أن من يتعرض لحملة إعلامية عنيفة هو جمهور الدولة السورية ومعسكر الدولة الوطنية برئاسة الرئيس الأسد لإبقاء هذا الجمهور في موانئ الشك دون أن يصل الى اليقين.. فإن الحقيقة الساطعة هي أن من يتعرض لهجوم إعلامي كثيف جداً من قبل إعلام الثورة نفسه وإعلام العالم هو الجمهور الباقي للثوار السوريين والرأي العام العربي الذي يجند المتطوعين.. وأن الأسئلة الجوهرية المخيفة القلقة هي من يطلقها أنصار الثورة.. الثورة خائفة من تحرر الأسئلة من معتقلاتها بين جمهورها فتنشر بينهم المبالغات وأخبار الانتصارات الوهمية والأحلام.. وهي تريد أن تمنع هذا الجمهور الذي أقنعته أنه على منصة اليقين من أن ينتهي الى الشك بالربيع العربي والشك بالانتصار وبطهورية الثورة.. لأن الربيع العربي وابنته (الثورة السورية) بدأا رحلتهما فوراً من اليقين بنقاء الربيع العربي والثورة السورية وطهرها والثقة العمياء بانتصارها.. فإذا باتجاه الرحلة يصل الشك العميق وتخلخل الثقة بكل شيء.. وتضاؤل ضوء منارة النصر كثيراً..

إن الجمهور العربي عموماً وجمهور المعارضة السورية خصوصاً يشبه سمك التونا الذي حاصرته الشباك الإعلامية في خليج صغير ولايسمح له بالخروج.. ويقول من يحلل الموجات المتواصلة من الحملات الاعلامية و"ساعات الصفر" بأن غايتها الرئيسية ليست النيل من جمهور السلطة بقدر أنها ديكتاتورية إعلامية في منتهى القسوة والعنف واللارحمة على عقول مؤيدي الربيع العربي والثورة السورية وعملية استلاب عقلي وممارسة الخديعة الكبرى.. جمهور الثورات نفسه صار يشبه السجين في زنزانة إعلامية وتجري عملية عزله في كبسولة مصمتة مدفونة في الأعماق كما تدفن النفايات النووية.. وهو لذلك لايعرف كيف يتواصل من خلالها مع الواقع ويصدق قصص السيطرة على قواعد الصواريخ.. إنه جمهور خرج من الزمن ومن الواقع وصار يرى كل ماحوله خارج الواقع وصار ينظر إلى هذا الجمهور على أنه الجمهور الذي صار يتعرض لمذبحة عقلية بشعة لاترحم..


ولكن الأسئلة التي تنطلق من الشك تقول لنا الحقائق..

فماذا يعني إجراء تغيير على رئاسة المجلس الاستانبولي بعد أسابيع من التجديد له؟ وماذا سيضيفه عبد الباسط سيدا الى الثورة؟؟ وهل سيقبل الروس السيناريو اليمني؟ وهل يسمح جمهور الرئيس الأسد له بالتخلي عن مسؤولياته وترك البلاد في هذه الأزمة؟..

تقول التحليلات إن تغيير برهان غليون بعد التجديد له بأقل من أسابيع، أدخل ثورة الأشقياء في سورية نفقاً أكثر ظلاماً وعمقاً.. وهو الانتقال من اليقين نحو الشك بالثورة والوصول الى عملية التحنيط على مهل.. فلقد ناضل محور الشر الذي صنع هذه الثورة بكل مالديه لإبقاء زخم الثورة والإصرار على ثباتها وثبات رموزها لما لذلك من أهمية معنوية لمن هم على الأرض.. وكان التمسك بغليون ليس بسبب عبقريته القيادية بل لأن عملية التغيير في القيادات الثورية قبل تحقيق أي إنجاز على الأرض سيقرأها الجميع من معارضين ومن مؤيدين على أنها انقسامات ستزحزح اليقين الثوري وستكون انتكاسة خطيرة وترسيخاً للشك وأول اعتراف بالإخفاق في أهم دفعة ينالها عمل ثوري نال كل هذا الزخم من الدفع في العالم الغربي والنفطي..

لكن كانت مرحلة غليون هي المرحلة المليئة بالأخطاء والإخفاقات وعدم حصول أي "حمل سياسي" حتى أنه يمكن القول -كما وصفتها أوساط المحللين- بأن مرحلة برهان غليون هي "مثل الدورة الشهرية للثورة.. نزيف غزير بلا حمل.. رغم كل الملقحين والمجامعين والزيجات".. والمرحلة الغليونية للثورة هي نزيف شديد من رحم الثورة ومحاولة إلقاح فاشلة في هذه الفترة الدامية.. وإذا فشل الإخصاب في مرحلة برهان غليون.. فإن مرحلة عبد الباسط سيدا هي بجدارة مرحلة "طفل الأنبوب" في "سن يأس" الثورة.. كل شيء يراد إنتاجه صناعياً الآن.. من إلقاح الثورة خارج سورية بالفصل السابع الى عملية ولادة "الزعيم" عبد الباسط سيدا التي تشبه عملية إنتاج طفل الأنبوب.. إنها تقنية حصرية بالربيع العربي تسمّى إنتاج "زعيم الأنبوب".. مثل زعماء الأنابيب الثورية كالأبله المرزوقي وراشد الغنوشي ومصطفى عبد الجليل..

من المثير للشفقة أن أحلام غليون كانت حلّقت الى حد أنه كان على يقين أنه سيستقبل أصدقاءه على أعلى أدراج قصر الشعب.. فقد كانت أحلام اليقظة تتسرب من بعض أحاديثه الجانبية، حيث قال في ذروة نشوته في زلة لسان: "لاأدري من يجب أن يكون أول ضيوفنا على قصر الشعب في سورية.. أهو الأمير حمد بن خليفة والوفد القطري؟ أم أردوغان والوفد التركي؟ أم ساركوزي والوفد الفرنسي؟!!!".. طبعاً عندما نتذكر هذه المواقف رغم احتقارنا لبرهان غليون فإننا لانستطيع أن نقاوم شعورنا بالشفقة عليه والرثاء لحاله ومصيره.. شفقة لاتشبهها إلا الشفقة على الحمار الذي كان يركبه "سانشو" مرافق الدونكيشوت فارس طواحين الهواء.. "سانشو" الثورة السورية بالطبع هو رياض الشقفة الذي امتطى ظهر غليون وهو يواكب الدونكيشوت.. والدونكيشوت هو حمد الذي اعتقد أنه سيدخل التاريخ من نفس بوابة كارل ماركس ولينين.. أو جان جاك روسو.

غليون كان يتم التحضير له منذ فترة طويلة والترويج له كأحد العباقرة السوريين الذي ستتم عبره عملية التغيير خلال أسابيع معدودة.. لكن مجرد رحيل غليون يجب أخذ العبرة الكبيرة منه.. بأن الثورة السورية بدأت تأكل نفسها ورؤوسها.. وهذه دلالة بالتجربة و"بالبرهان" على أن الثورة غادرت يقينها إلى ميناء الشك المخيف الكئيب..

واليوم دخل الى أحلام قصر الشعب عبد الباسط سيدا.. وأنا لا أعرف كثيراً عن الرجل فهو مغمور الى حد بعيد.. لكن من الواضح بالتجربة وبالبرهان أن "سانشو" سورية (أي رياض الشقفة) سيمتطي ظهر عبد الباسط سيدا كما امتطى ظهر غليون من قبله وسيستأنف الرحلة نحو طواحين الهواء.. لكن عبد الباسط سيدا لايجادل اثنان أنه فقير الهيبة والهيئة وأنه عامل إضعاف لروح ومعنويات الثوار ووصوله مكسب للدولة السورية لايقدر بثمن.. فما تحتاجه ثورة تتدحرج من إخفاق الى إخفاق ليس مثقفاً مهاجراً ومواطناً سويدياً ملمعاً ومشمعاً تذوق ذلّ المعونات الاجتماعية السويدية.. الثورات التي تتفكك في أزماتها وآلامها تحتاج الى رجال بقوة الزعيم الألماني الشهير بسمارك الذي وحد شظايا ألمانيا أو الايطالي فيكتور عمانوئيل الذي وحد قطع إيطاليا والذي يقال إن جمهوره جعله أسطورة حيث يروي عنه أنه عقب كل معركة كان يخلع قميصه فيسقط الرصاص العالق به على الأرض.. أما ماذا سيسقط من ثياب عبد الباسط سيدا إذا ما خلعها فهو معونات اجتماعية سويدية!!.. بلا أدنى شك.

ومحال أن تنتج ثورة كهذه شخصاً مثل بسمارك أو عمانوئيل لسبب بسيط جداً، هو أن مركز القرار في الثورة (في الغرب).. والغرب لن يسمح بنهوض نموذج بسمارك لدى أي شعب بل.. نموذج عبد الباسط وبرهان ومصطفى عبد الجليل والأبله المرزوقي.. الثورات العربية التي تنطلق من قطر والسعودية لاتستطيع إنتاج شخصية بسمارك وعمانوئيل.

لكن السؤال الذي يهز استراتيجية الاخوان المسلمين في الثورة السورية هو: بالرغم من أن من يحمل السلاح في سورية هم غالباً من العناصر الاسلامية والجهادية التي يشكل الاخوان المسلمون عمودها الفقري فإن من اللافت للنظر أن قيادات الاخوان لاتجرؤ على التنطح علناً لقيادة مايسمى بالثورة السورية.. ويظهر في إسناد رئاسة مجلس استانبول الى أحد المغمورين البائسين مثل "زعيم الأنبوب" أن تنظيم الاخوان لديه مشكلة حقيقية في المجاهرة وإظهار الشجاعة بإظهار قيادته للتمرد، ولولا وجود مشكلة جوهرية لأعلن الشقفة أو طيفور صراحة عن تولية المهمة لشخص إسلامي أو إخواني أو جهادي أو اعتلاء منصب القائد العام للثورة.. هذا سؤال ينقلنا من اليقين بنوايا الاخوان وشجاعتهم الأخلاقية.. الى الشك بقدراتهم ونواياهم.. بل هناك من يقول إنهم يضعون في اعتبارهم فشل الثورة وسيكون الوجه العلماني جاهزاً لإلقاء اللوم عليه بدل تحمل كل المسؤولية عن الفشل..

ويرى الناظرون الى الثورة السورية أن مجرد اختباء القيادات الحقيقية خلف ظلال (الفلاسفة والعلمانيين) يعني إدراكهم العميق لعدم قبولهم داخلياً أولاً وضعف تمثيلهم المدني على الأرض، فباستثناء الأرياف فإن الحركة لم تتمدد بشكل واسع.. وهنا يطرح سؤال عن مدى ايمان هذه القيادات الاخوانية بأنها تمثل الشارع السوري وعن إمكانية توليها قيادة المجتمع وهي تخشاه وتخشى مصارحته بقيادتها للثورة.. لكن الحقيقة القاسية التي لابد من الاعتراف بها أن هذه القيادات باختفائها خلف برقع العلمانيين وحجاب المثقفين المغتربين إنما تمتثل لتعليمات غربية كشرط لتأمين الدعم العلني دون حرج.. وثمن ذلك تحالف الإسلاميين مع المشروع الغربي الصهيوني!!.

لذلك فإن تهافت إسلاميي العرب من تونس إلى مصر وسورية وليبيا على تملق اسرائيل والتغني بالسلام معها بعد الثورات العربية هو التجربة التي أخذتنا من الشك الى اليقين بأن إسلاميي الربيع العربي تجار سياسة بلا مبادئ.. وأنهم لايملكون الشرعية الثورية لقيادة بلدانهم..

وأما السؤال الذي يشيعه البعض عن سيناريو يمني في سورية، فقد استثار أحد الدبلوماسيين الروس الذين كنت أتحدث معهم، إذ قال ساخراً: إن هذا يعني ببساطة أن تقبل روسيا بشخص آخر يحل محل الرئيس الأسد.. والشخص الآخر سيعرف عندها أن مصيره بيد الغرب والجامعة العربية وأن روسيا لاتستطيع مساندته في أي أزمة تريد اقتلاعه.. وعندها سيكون هذا الآخر خاتماً بيد الغرب ضد مصالح روسيا مهما تودد لها ووالاها.. فماذا ستستفيد روسيا من هذه التضحية؟ إن رجلاً مستقلاً وذا شعبية طاغية كالأسد هو أنفع لروسيا بكل تأكيد.. علاوة على ذلك، فإن روسيا لاتقبل حتى إن حل الرئيس بشار الأسد محل الرئيس بشار الأسد.. لأن مبدأ فرض تسمية الرئاسة أو التحكم بشرعيته من الغرب مرفوض أساساً..

من جهة أخرى، إن مجرد قبول السوريين بالسيناريو اليمني هو تسليم لرقابهم للآخرين.. فتسليم مقام الرئاسة للآخرين هو تسليم لكل المقامات والكرامات الوطنية.. وسيتكرر السيناريو اليمني في كل أزمة قادمة لأن من دخل اليوم إلينا عبر مقام الرئاسة سيدخل إلينا في كل أزماتنا.. ويصبح حاكم قصر الشعب في قاسيون محتاجاً لتوافق الدوحة وأنقرة والرياض وبيروت.. وبالطبع تل أبيب.. وربما الأهم من ذلك أن شرائح المثقفين ترى مجرد قبول الرئيس الأسد نفسه بهذا الطرح سيعتبر خيانة بحق الشعب السوري الذي أمّنه على البلاد والاستقلال والكرامة الوطنية ودعمه بملايين المتظاهرين، ولايجوز له التخلي عن هذه المهمة في هذه الأزمة بالذات.. ويجب أن تكون الرسالة للأجيال اللاحقة أن الرئيس هو آخر من يتخلى عن واجباته الوطنية في الأزمات الكبرى والمواجهات الكبرى.. ولكنه أول من يزهد بالرئاسة بعد رحيل الأزمات وجني الانتصارات..

ويبقى السؤال الكبير الذي ينتظر الإجابة وهو: كيف وصلت الثورة السورية الى هذا الطريق المسدود رغم كل مافرش لها من المطارف والحشايا والمؤتمرات ورغم كل حشوها بالكتاب والمثقفين والتكنولوجيا والإعلام والدول واجتماعات هيئات الأمم المتحدة كلها لإطالة عمرها؟!.

يبدو أن هناك مشكلة لايفهمها الثورجيون لأنهم إما قاصرون أو لايريدون أن يفهموها عناداً أو أن من يخطط لهم يعرف أنه لايصنع ثورة وليست لديه إمكانات الثورة.. لأن التوصيف الحقيقي للثورة السورية هو "انقلاب" يدعمه عملاء المخابرات كما في الانقلاب الثوري المصنوع أمريكياً على حكومة مصدق الوطنية الايرانية أيام الشاه.. إنها ثورة يدعمها شيوخ وأمراء لايقين لهم.. فكيف تنتصر ثورة شعبية من مجلس الأمن؟.. أو من مجلس التعاون الخليجي؟.. أو جامعة صمّم ديكوراتها عمرو موسى مصمّم كل عمليات السلام مع إسرائيل؟.. أو من بلاد الأناضول العثمانية؟!!.

إنها ثورة الأغيار على السوريين بلعبة الانقلابات.. والانقلابات عندما ترتدي ثياب الثورات يجب أن تنجح في فترة وجيزة قياسية.. وتعثرها وتأرجحها يعني أن الثورة المضادة الحقيقية تولد من رحمها..

إن موت ثورة الآخرين على سورية هو الذي سيطلق ثورة كبرى على جميع الآخرين، ويعلن موت الربيع العربي.. إن الشك في ذلك قد انتهى منذ زمن.. ومنارات اليقين صارت تضيء أمامنا!!.

******
(جهينة نيوز)

ليست هناك تعليقات: