الجمعة، 10 أغسطس 2012

من أطلق النار على ميشال سماحة ؟


شباب المهجر (مقالات) بقلم: أحمد الحباسى --  من إيجابيات المتابعة للاوضاع السياسية فى العالم عن بعد أنها تعطي الفرصة للجدل العقلانى الموضوعى بمعنى أن المتابع يأخذ فرصته و وقته لقراءة الاحداث بشكل مغاير لمن هو قريب منها أو هى جزء منه بل أضيف القول أن قراءة الاحداث بدم بارد و بعد مرور بعض الوقت على حدوثها يعطى وجها آخر للكتابة عنها و يمكن من فهم خلفيات بعضها و مدى صحة الاخبار التى تتناقلتها بعض الاجهزة الاعلامية التى تسرب المعلومات المشوشة لغايات سياسية أو عقائدية أو فكرية.../...

نعم من أطلق النار على ميشال سماحة ؟ عندما نعلم أهمية الرجل فى المشهد السياسى اللبنانى و الاقليمى و الدولى ندرك أن هناك من يريد “قتل” الرجل سياسيا و بصورة نهائية لان الفرص لقتله لا تتكرر و لن تتكرر كثيرا و لذلك فان فرع المعلومات لما لم يترك الفرصة للرجل حتى ليلبس ثيابه و قاده من غرفة النوم الى غرفة الايقاف فى هذا الجهاز الذى أصبح اللبنانيون يدركون حقيقة بعثه الى الوجود و لماذا و ما هى الخلفيات السياسية و ليست الامنية لهذا الفرع و يدركون كم الاتهامات الموجهة اليه من الفريق المتهم بقتل رفيق الحريرى و الموجهة الى رئيسه الشهير وسام الحسن و ما تعلقت بهذا الفرع و رئيسه خاصة من اتهامات بالتدليس و فبركة المعلومات فى قضية شهود الزور التى تضمنها وثائقى تلفزيون الجديد باسم “الحقيقة ليكس” فان هذا الفرع يعرف مسبقا انه لا يلقى القبض على مشتبه به عادى بل على ما يعبر عنه فى العرف الامنى “بالصيد الثمين” و يتوقع مسبقا أيضا أن هذا الايقاف سيحدث زلزالا داخليا ستكون له انعكاسات داخلية و أقليمية و دولية بالنظر الى شبكة العلاقات الدولية المتداخلة التى رسمها الرجل طيلة أكثر من 40 سنة من اشتغاله فى الحقل السياسى بداية من القوات اللبنانية الى التماهى مع محور المقاومة و ارتباطه بأعلى هرم السلطة فى سوريا الى علاقاته الدولية مع المطابخ السياسية الغربية التى تشتغل على الوضع اللبنانى و السورى و العربى عموما.

من يريد رأس ميشال سماحة ؟ بطبيعة الحال لا يحتاج الامر الى معرفة كبيرة بالاساليب الاستخبارية و الامنية لندرك أن هذا الايقاف قد تم بناء على قرائن و أدلة و شبهات معينة طبخت بعناية و تم الحصول عليها بأساليب استخبارية عالية التنفيذ و المتابعة و بناء على زرع “مخبر” أو أكثر فى الدائرة التى يتحرك فيها الرجل داخليا و خارجيا لان اسقاط رجل بهذا الحجم يستحق هذا الجهد المعلوماتى و الاستخبارى حتى يسقط رمز من رموز تيار 8 اذار و ترسل رسالة واضحة الى النظام السورى.

بطبيعة الحال ميشال سماحة كنز معلومات فى بلد يعرف الجميع أهمية المعلومات فيه و لذلك فان ما تم حجزه فى بيت الوزير السابق للاعلام سيعطى أجوبة عن أسئلة كثيرة يطرحها فريق 14 اذار منذ مدة و لا يجد الجواب عليها و تتعلق بمعلومات الرجل عن المحكمة الدولية و عن بعض الحوادث الى حصلت فى لبنان و ما يريده السورى غير أن هذا الايقاف لا يلغى أسئلة كثيرة تتعلق بالتوقيت و بخفايا ما سبق لعملية الايقاف و من هنا نفهم أن فرع المعلومات قد أوقف الرجل فى هذه الفترة لخدمة أغراض سياسية تتعلق بمصالح دول أقليمية تعمل فى الساحة السورية لاسقاط النظام بكل الاشكال الممكنة و خاصة العمل الاستخباراتى.

لم يكن ممكنا التجرؤ على ايقاف الوزير سماحة لولا ارتباط هذا الايقاف بما يحدث فى سوريا لان الاجهزة الامنية الحريرية لا تتجرأ لوحدها نظرا لمعادلة الداخل و لوجود خطوط حمراء بين فريق 8 اذار و فريق 14 اذار لا يمكن القفز عليها مهما وصلت حدة السجال السياسى بين الطرفين و لهذا نقول أن رأس ميشال سماحة هو مطلب استخبارى قطرى أمريكى سعودى بامتياز بل أكاد أجزم أن الاستخبارات القطرية التى تعمل مع التيار الحريرى على مزيد من حالات الانشقاقات فى سوريا و احدثت لهذا الغرض غرفة عمليات خاصة تضم سياسيين من التيار الحريرى و بعض الامنيين و العسكريين القدامى هى صاحبة الفكرة و التنفيذ حتى تخلق صراعا مذهبيا و سياسيا محتدا و متصاعدا بين الفريقين الاصليين فى لبنان يخرج منه حزب الله هو الخاسر الاكبر و يدفعه ثمن موقفه المساند للنظام السورى.

من أطلق الرصاص على ميشال سماحة ؟ من الملفت للانتباه و الاشتباه فى آن واحد أن هذه العملية المخابراتية بامتياز قد تمت على ما يبدو بغير علم وزير الداخلية و وزير العدل و رئيس الجمهورية مما يطرح أسئلة كثيرة معقدة حول الاسباب التى دفعت هذا الجهاز الى هذا التعتيم الامنى و حصر المعلومات فى دائرة ضيقة لا تتجاوز بعض الانفار من رموز 14 اذار لانه لا يعقل منطقيا أن يقوم وسام الحسن بايقاف رمز من التيار ” المعادى ” ولا يتم اعلام رئاسة التيار الحريرى على الاقل بهذا ” الانجاز” بل أضيف أن هذا التعتيم المقصود كان بطلب قطرى سعودى أمريكى حتى تتم المفاجأة و تعطى النتائج المطلوبة على الارض ليتم استثمارها لاحقا فى المعركة السياسية ضد سوريا و حللفاءها فى المنطقة.

لقد تنبأ بعض المتابعين لشأن المنطقة و منذ تعيين بندر بن سلطان على رأس المخابرات السعودية بحصول حوادث أمنية و استخبارية كثيرة و كبيرة لغاية اعادة خلط الاوراق و الاستفادة من نتائجها فى ادارة الصراع الصهيونى ضد سوريا و حلفاءها خاصة فى ظل الوصول الى حلقة مفرغة بعد أن كان الجميع يمنى النفس باسقاط النظام فى مدة قصيرة و فى ظل ما أفرزه الفيتو الروسى الصينى فى مجلس الامن من تداعيات على المعارضة المسلحة التى كانت تنتظر احداث مناطق عازلة فى سوريا تمكنها من وجود تمططى على الارض لتنقل المعركة الى دمشق و تستعين بالقدرات الاستخبارية الاردنية و السعودية و البريطانية و القطرية و الفرنسية و الامريكية الصهيونية الموجودة منذ مدة داخل التراب السورى.

لا يختلف اثنان فى ان فرار رياض حجاب و جميع افراد عائلته قد تم بتعاون استخبارى لهذه المخابرات المذكورة و قد تمت الاشارة فى حينه أن فرع المعلومات الذى يديره وسام الحسن هو الذى تكلف بحماية هذا الخائن و عائلته داخل التراب اللبنانى بدون علم الحكومة حتى لحظة تسليمه للمخابرات الصهيونية الاردنية و هذا التعتيم و التواطىء مع المخابرات الاخرى ليس وليد اليوم و يدل دلالة صريحة أن ايقاف ميشال سماحة قد تم بطلب من مخابرات أجنبية .

من الواضح أن ايقاف ميشال سماحة يدخل فى اطار لعبة المخابرات لالهاء الداخل اللبنانى و خاصة فريق 8 اذار و جبره على الانكماش أو الدخول فى معركة مثلما حصل فى مشكلة المطار و خيوط الاتصالات حتى يتم فرض منطقة عازلة من الجهة البنانية السورية و بهذا المعنى فما يلفت النظر منذ فترة قصيرة و حسب بعض التسريبات و التحقيقات الصحفية هو تصاعد وتيرة ظهور عناصر و ميليشيات سنية تتدرب على السلاح للدخول الى سوريا بما فرض مدينة عرسال كمعقل لما يسمى الاسلام السنى المساند للمعارضة المسلحة السورية بل هناك اشارات متواترة تتحدث عن تدفق صحفيين من كل وسائل الاعلام الغربية و العربية فى الشمال اللبنانى.

لعله من المفارقات المريبة أن عملية الايقاف قد تمت قبل أيام قليلة من زيارة وزير الخارجية الفرنسى لوران فابيوس الى لبنان يوم 16 أوت الجارى و ما يحوم من شكوك حول الاسباب الحقيقية للزيارة التى يعزوها البعض الى محاولة الضغط على الحكومة اللبنانية لتسهيل احداث منطقة عازلة فى الشمال اللبنانى حتى تحت ذريعة ايواء اللاجئيين السوريين و ايقاف ميشال سماحة يأتى فى اطار الضغط على رئيس الحكومة نجيب ميقاتى للقبول بالامر الواقع حتى لا يغضب السعودية التى يستعد لزيارتها فى الايام القريبة بمناسبة القمة الاسلامية و يــزيد بذلك فى تعـــــكير الاجـــــواء بين لبنان و النظام السعودى الذى لا ينظر بعين الرضا لهذه الحكومة التى تسببت فى شرخ عميق فى التيار السنى خاصة مع الموقف اللبنانى الرافض للتدخل الاجنبى فى سوريا و ما يسمى بسياسة النأى بالنفس التى عززت موقف الجانب السورى بل من الممكن أن يخدم هذا الايقاف محاولة رأب الصدع بين الطرفين لاعادة السخونة لخط الاتصال بين رئيس الحكومة و تيار الشيخ سعد الحريرى.

يدرك الجميع فى لبنان أن رئيس الحكومة قد بدأ يخسر حلفاءه فى تيار 8 اذار و حلفاء الامس فى تيــار 14 اذار بــــما أنعكس سلبــــا على أداء الحكومة و أضر بالمصالح الشخصية لنجيب ميقاتى فى الدوائر المالية و الاقتصادية فى العالم العربى و لذلك كان لافتا أنه كان الوحيد الذى يعلم بما يقوم به فرع المعلومات و بايقاف ميشال سماحة مما يعزز الفكرة القائلة أن الرجل بقبوله اسقاط الوزير السابق و ما سيتركه ذلك من تبعات سياسية و أمنية على العلاقة بينه و بين تيار 8 اذار و خاصة حزب الله يبحث عن مخرج للاستقالة و لاستعادة دوره كزعيم للسنة متجاوزا دور غريمـه سعد الحريرى و للقول أن الاتهامات الحريرية الذى طالته بكونه يخضع لحزب الله غير مبررة و بما يكون له انعكاس ايجابى خاصة قبل الانتخابات البرلمانية القريبة.

فى بلد يخضع فيه الفعل السياسى الى تقييمات و تحليلات كثيرة و متضاربة أحيانا لا شك أن زلزال ايقاف الوزير السابق ميشال سماحة سيكون امتحانا عسيرا و مكلفا لفريق 8 اذار و خاصة حزب الله الذى حملته زوجة الموقوف تبعات هذا الايقاف و لذلك فسيكون سكوت الحزب على هذه العملية انتصارا لرئيس الحكومة و للتيار الحريرى و للمخابرات العربية بكونهم حجموا دور سوريا الذى يعتبر سماحة جزءا محسوبا عليها و من تركيبة المواليين لها فى لبنان.

فى سياق الصراع المذهبى و السياسى المستمر فى لبنان تعتبر الطائفة السنية التى يزعم التيار الحريرى تمثيلها انها تلقت منذ اغتيال رفيق الحريرى فى سنة 2005 عدة ضربات موجعة حجمت دورها فى لبنان و لذلك فان صراع الاجهزة الامنية التى تتبع هذا التيار أو ذاك و الحرب الغير معلنة بينها يأتى فى نطاق معركة كسب النقاط و كسر العظم و خدمة كل جهاز للمحور الذى ينتمى اليه داخليا و خارجيا و المؤكد أن عملية ايقاف ميشال سماحة ليست الا مرحلة ستليها مراحل و ضربات تحت الحزام بين الطرفين لان اللعبة الجارية على الارض اللبنانية معقدة و مؤثرة على وجه التحولات التى ستحصل فى المنطقة بمجرد انتصار النظام السورى فى معركته و اتضاح بعض الخيوط المهمة التى تتعلق بالدور الفعلى و الحقيقى المتستر عليه من بعض اللاعبين الدوليين و الاقليمين.

**********************************
تونس - (مقالات بانوراما الشرق الاوسط)

ليست هناك تعليقات: