الأحد، 12 أغسطس 2012

مفتاح التغيير في المغرب ..

الإصلاح السياسي  بين النظرية و التطبيق

إسلام الدولة و علمنة المجتمع


شباب المهجر (خاص) من ياسين شرف --  كثيرة هي المقولات التي تناولت قضية الاصلاح السياسي في المغرب، سواء من وجهة نظر الفلسفة السياسية بشقيها الاشتراكي والليبرالي، أو من خلال ما طوره المفكرون والفقهاء الغربيون من نظريات وسطية في علم الاجتماع السياسي و القانون الدستوري، أو من خلال المفاهيم الاديولوجية المركبة التي تتبناها حركات الإسلام السياسي كحلول بديلة عما هو قائم من نظم و قواعد... إلا أن معظم هذه الطروحات تكاد لا تحيد عن الجانب النظرى و التنظيرى النخبوي الذي غالبا ما يتجاهل مسلمات الواقع وظروف تطوراته المعقدة وشروط تمثلاته المركبة. والحقيقة أن المهمة ليست بالبساطة التي يمكن تصورها بحيث نكتفي باقتباس المعارف النقدية الرائجة في مجال علم الاجتماع السياسي والفقه الدستوري مثلا ومن ثم نقوم تدجينها في إطار خصوصيتنا الثقافية ثم نقول أنها نماذج تخصنا وحدنا دون غيرنا.. لأن الحل يكمن في الدخول على هذه المعارف انطلاقا من بيئتنا وخصوصياتنا وعير تجربتنا التاريخية وخبرتنا اليومية من أجل استنباط إمكانات يتجدد معها الفكر النقدي باتجاهاته ومجالاته وبنظرياته ومدارسه باختلاف الأدوات والمناهج.../...

ما نود قوله هنا، هو أن الوقت قد حان للخروج من الدائرة المفرغة والخانقة التي حبسنا فيها المنظرون للخصوصية المغربية (مثقفو المخزن)، ودعاة التأصيل والعودة للعيش في قبيلة قريش زمن الجاهلية الأولى (حركات الإسلام السياسي المتطرف)، و دعات التغريب الذين ينادون بالقفز على الواقع واقتحام مجالات العصر الحديث بحلول تبسيطية واختزالية خادعة تحولنا إلى مسخ يفقد أصالته الثقافية ويتخلى عن ثوابته الهوياتية (دعات العلمانية التقدمية).. لأن مثل هذه الحلول التلفيقية و الراديكالية و الاستئصالية لا تقيم مجتمعا ولا تبني حضارة لأنها لا تقوم على منطق نقدي تحويلي لا يفرط في الأصل لكنه لا يتعارض مع الثابت من سنة الله المتمثل في التغير والتبدل والتطور.. لأن عكس ذلك يعني الجمود و الموت البطيىء في افق الخروج من الحضارة والتاريخ معا.

لقد تبث لدينا كمغاربة من خلال تجارب الماضي، أن محاولات التغريب التي قام بها الاستعمار الفرنسي مثلا زمن الحماية لم تكن مجدية بحيث أن المجتمع المنغلق على نفسه لم ينخرط فيها باستثناء طبقة العملاء التي تحولت إلى نخبة تسلمت دواليب الادارة في البلاد عندما خرج الاستعمار من الحقول ليظل جاثما في العقول عبر التعليم و الثقافة و الإعلام و الإقتصاد و نظم السياسة و الإدارة و العلاقات الدولية...

وبذلك، يمكن القول أن ما عرفه المغرب من تطور "صوري" لم يكن نتيجة انخراط المجتمع بحماسة وفاعلية في منظومة التنمية التي كان ينظر لها "المخزن" منذ الاستقلال، بل هو نتيجة لما قام به هذا "المخزن" ونخبته تحديدا في كل المجالات، اعتقادا منه أنه بلعب دور القاطرة في السياسة و التعليم و الإقتصاد و الإعلام و الثقافة و الرياضة و غيرها من المجالات الحيوية المكونة للتنمية بمفهومها الشمولي، وأنه بفضل هذا الدور المحرك سينجح وإن بعد حين، في إدخال المجتمع المتخلف إلى عصر الحضارة بعد أن ينزع عنه ما ترسب في ذهنه من أختام أصولية و شعائر ثقافية و معتقدات غيبية لم تعد تصرف في سوق الأفكار مع تقدم البشرية و تطور المجتمعات الانسانية.

من هنا كانت حاجة "المخزن" إلى تغيير الرؤية والمعاملة مع الوضعيات الحضارية من جهة، و الخصوصيات المجتمعية من جهة ثانية، لإدراكه أن العلاقة مع الأصول و الهويات لا تقوم على المماهاة والملائمة (الإسلام و العلمانية)، بقدر ما تقوم على التحويل المبدع والتوليد الخلاق المثمر إن صح التعبير.. ذلك أن المنطق "التحويلي" يقتضي العبور بالمجتمع من ثقافة الجمود (التشبث بالماضي) و رفض كل ما هو مستورد و غريب (الدخيل) عن طريق إحداث تغييرات على مستوى العقليات، أي تحويل المجتمع مما هو عليه إلى ما يجب أن يكون عليه عن طريق تغيير معطياته الذاتية وأدواته المقتبسة من ثقافة القبور (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

من المثير حقا أن نفهم اليوم فقط وبعد عقود من الاستقلال أن المخزن كان يلعب على الحبلين، حبل "الإسلام" باعتباره معطى أساسي لا يمكن السيطرة على المجتمع من دونه، وحبل "العلمانية" باعتباره الصراط القويم المأدي إلى النهضة الحضارية التي حققها الغرب عندما أمسك بناصية مجتمعاته و قادها إلى الحداثة، وهو اليوم يتحدث عن ما بعد الحداثة. كانت أمام "المخزن" مهمة مستحيلة.. فمن جهة، كان عليه التعامل بكياسة مع مجتمع متمسك بإسلام أصولي حتى النخاع لا يمثل بالضرورة الوجه الناصع للإسلام الحضاري، بل اسلام على مقاس الزوايا في الغالب الأعم (وما أكثرها) مع بعض الاستثناءات بالنسبة للنخبة التي كانت تعتنق المذهب المالكي وتدافع عنه وتلزم المخزن بالتقيد بمنهجه الذي يستمد منه شرعيته مع افساح المجال لمشاركة علمائه في إدارة شؤون البلاد و العباد الدينية و الثقافية، ونقصد بذلك حزب الإستقلال الذي كان يهيمن حينها على المجال الديني والثقافي في المغرب. ومن جهة أخرى، تحديات المرحلة وتطلعات المستقبل التي كانت تحتم على هذا "المخزن" العبور بالمجتمع نحو الحداثة باعتماد أدواتها ومناهجها وأسلوب عملها ونقصد بذلك "العلمانية".

ومن المعروف اليوم كذلك، أن الإسلام في المغرب ارتبط بالوطنية في عملية الحصول على الاستقلال، ليس لأن النخبة كانت مقتنعة بذلك، بل نتيجة للسياسة التي انتهجتها سلطات الحماية في المجال الديني (احترام العقائد و الشعائر، تشجيع الطرق...)، وقد تحدثنا عن أهم معالم السياسة الدينية للمارشال ليوطي زمن الحماية في مقالة سابقة بعنوان : (عندما يتحول بنكيران إلى شريك للسلطان). لذا فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل الفصل اليوم بين هذين المفهومين. ولعل الذي يدعم مثل هذا الخلط هو السياسة التعليمية الرسمية التي تلقن التلاميذ تأريخا مزورا يمجد الدور العظيم الذي قامت به الملكية طيلة أزيد من 300 سنة، للدفاع عن الإسلام و الوطن. وهكذا يتم التأكيد على أحداث تاريخية معينة كمعركة الملوك الثلاثة التي تم من خلالها دحر المحتلين المسيحيين وانقاذ الإسلام؛ وتاريخ القبيلة العلوية حيث تم التعرض من خلاله للسلاطين العلويين ودورهم في "الجهاد" وبالأخص دور السلطان إسماعيل و السلطان الحسن الأول اللذين تم تسويقهما في صورة رجلين حازمين وتقيين استطاعا تقوية السلطنة لحماية البلد من أطماع المسيحيين.

كما أن التاريخ الرسمي يركز على النسب النبوي الشريف للقبيلة العلوية ويجعل أعمالها لما دأبت عليه الأسر الحاكمة السابقة من توفير العون لخلفاء قرطبة ومناهضة توسع الأتراك العثمانيين. من هنا فالسلطان المغربي استطاع ان يكتب له تاريخا على مقاسه، استغله في دعم شرعيته الإسلامية التي كان يحلم بمثلها الحكام الهاشميون بالأردن والوهابيون بالسعودية بالرغم من أن آل سعود هم من أصل يهودي وينتمنون إلى العربان من صعاليك نجد الذين اشتهروا زمن الجاهلية الأولى بقطع الطرق والقتل والنهب والسلب. أما الأسرة الهاشمية بالأردن فبرغم انتمائها نظريا إلى شجرة الرسول (ص) إلا أن عمالتها للبريطاني وخيانتها لدينها وقضايا أمتها لا يدعم شرعيتها المزعومة، وإلا لكان أبو لهب عم الرسول (ص) أولى وأحق منها بشرعية الحكم استنادا للعرق (النبوي) والإنتماء القبلي (قريش).

بهذا المنطق يقول لنا التاريخ أن سلطان المغرب كان آخر همه الدفاع عن الاسلام، بل كل ما كان يهمه من الدين هو استغلاله لصالحه حتى يتمكن من فرض سيطرته على باقي الأطراف في الحركة الوطنية، كما استطاع في نفس الوقت أن يدشن عملية تنموية اقتصادية محدودة والقيام ببعض المحاولات لدمقرطة النظام السياسي من حيث الواجهة، وذلك من أجل توسيع قاعدة شرعيته، بعد أن اكتشف أن قضية البيعة في الاسلام مرتبطة بالجهاد وأن التخلي عن هذه الفريضة من وجهة نظر الفقهاء يستلزم فسخ البيعة، وبالتالي فقدان الشرعية الدينية، الأمر الذي حدى بالسلطان إلى البحث عن شرعية سياسية جديدة توازي الشرعية الدينية من الناحية القانونية وتضاف إلى الشرعية التاريخية من الناحية الرمزية.. وهذا ما يفسر اصرار المقبور الحسن الثاني على وضع أول دستور بعد الاستقلال بنفسه أخذا بالإعتبار مسألة الشرعية بالمقياس الديني (البيعة) والمقياس المدني (الدستوري) عبر الاستفتاء الشعبي.

من هنا يمكن القول أن نهاية العهد الاستعماري لم تكن تعني القطيعة مع الإرث الاستعماري بسبب اشكالية "الاسلام و الحداثة" التي كانت مطروحة بقوة حينها، ذلك أن "الوطنيين" الذين استلموا عهدة الاستقلال اعتمدوا في بناء "الدولة" على الإرث الاستعماري حرفيا دون القيام باية عملية انتقائية.. و يتجلى ذلك على صعيد التعليم الذي كان يعتبر ميدانا حساسا جدا، حيث تم الاعتماد على التجربة الفرنسية نظرا لحاجة البلاد الملحة للأطر، و في ذات الوقت، قام النظام المستقل "صوريا" بتبني المظاهر الخارجية للدولة الحديثة مع الحفاظ على الإنسجام "النظري" بين الدين و السياسة و الظهور بمظهر المحافظ على الثرات الثقافي العربي و الإسلامي.

لكن في العمق و الجوهر، كانت مناهج "العلمنة" تشتغل في صمت ليل نهار، و لإخفاء مظاهرها كان يتم التركيز على وضع الدولة في خدمة تنمية الإطار المؤسسي و الإجتماعي للإسلام، غير أن هذا الماكياج الزائف لم ينجح في إخفاء التغيرات التي حدثت على أرض الواقع. و قد لا يسع المجال هنا لسرد كل ما قامت به الدولة من جهود و طبقته من سياسات و إجراءات في سبيل علمنة المجتمع من الباطن، ذلك لأن التجربة العلمانية المغربية ليست موضوعنا اليوم، و سنعود لتفصيل القول في طبيعتها و خلفياتها و آليات اشتغالها و نتائجها الفاشلة في مقالة قادمة بحول الله.

إن القراءة الخطية لتاريخ التجربة العلمانية المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن علمنة المجتمع من الباطن لم تنجح رغم الجهود الجبارة التي بذلت من أجل تحويل المجتمع من التقليد إلى الحداثة.. لأنه على المدى الطويل برز الإسلام كعامل غير متوقع في اللعبة السياسية، حيث تجاوز الدور الذي كان يلعبه لإضفاء الشرعية على النظام ليتحول إلى قوى مجتمعية منافسة و معارضة لهذا النظام بل و مهددة لوجوده و استمراره.

و يذكر التاريخ كذلك، أن عوامل عدة شاركت في هذا التغيير غير المتوقع "نظريا"، من أهمها المد الناصري، واتهامات القذافي للنظام المغربي بعدم احترام التعاليم الإسلامية، بالإضافة إلى المحاولتين الانقلابيتين (1971 – 1972) اللتين تبين من خلالهما أن بعض الضباط و ضباط الصف كانوا يؤاخذون الملكية بالفساد و عدم تطبيق الإسلام الصحيح.

عندما استلم محمد الخامس الحكم كان أول همه شرعنة حكمه قبل التفكير في بناء مؤسسات الدولة، وقد ساعده في ذلك المقولات و الأفكار التي كان يطرحها علال الفاسي ويرددها أتباع حزبه، لدرجة أنه وجد نفسه مرغما على الأخذ بها وتبنيها ايمانا منه بأن حزب الإستقلال في حينه كان يلعب على العامل الديني الذي مكنه من السيطرة على شرائح مهمة من المجتمع. و الأغرب من ذلك أن الحزب الشيوعي المغربي، برغم تبنيه للإديولوجية المادية في أدبياته، إلا أنه لم يكن يعارض أطروحات حزب الإستقلال في المجال الديني، بل كان يعلن تشبثه وارتباطه الوثيق بالإسلام كدبن للدولة. ويذكر المؤرخ الفرنسي "ريمي لوفو" في مؤلفه (الإسلام والتحكم السياسي في المغرب) أنه و أثناء محاكمة الحزب الشيوعي بالدار البيضاء سنة 1960، أعلن زعيمه على الأشهاد أنه لا ينادي بتطبيق الإديولوجية المادية في المغرب بل إنه: "متشبت بالإسلام ومرتبط به"، ومع ذلك لم يمنع مثل هذا التصريح الصريح من حظره بناء على حكم صدر في 9 فبراير من سنة 1960، جاء في حيثياته:

-         إن الدولة المغربية هي ملكية دينية حيث أن العاهل المغربي هو قبل كل شيىء ملك و أمير للمؤمنين.

-         إن الدولة المغربية هي دولة إسلامية ليس فقط لتطبيقها الإسلام بل لأن الإسلام يشكل مضمون وجودها.

-         إن أي مس بالدين هو مس بالأمن العام.

-         كما أن "جلالة" محمد الخامس كثيرا ما صرح بأن كل إديولوجية مادية تتنافى و مبادىء الإسلام.

وبغض النظر عن الجدل الذي يمكن أن يثار اليوم حول تعابير من قبيل تلك التي وضعناها باللون الأحمر أعلاه... يتضح من حيثيات هذا الحكم غير المسبوق في تاريخ القضاء المغربي، أنه و لحظر حزب سياسي معترف به، تم التركيز بشكل خاص على الوظيفة الدينية التي منحت حينها للملك باعتباره حاميا للدين، الأمر الذي جعل من الإسلام و الملكية مؤسستين فوق كل المؤسسات وكل القوانين بما فيها الدساتير، بحيث يمكن لـ "أمير المؤمنين" من خلال خطاب بسيط أن يجمد قانون الحريات العامة، و حل البرلمان و الأحزاب، و إعفاء الحكومة، و إعلان حالة الطوارىء... و غيرها من الإجراءات الراديكالية الأحادية الجانب.. و هذا ما حصل بالضبط في عهد الحسن الثاني، لأن هذه المبادىء وضعت لتفهم و تمارس شكلا ومضمونا من خلال تمتيع مؤسسة "الملك + أمير المؤمين" بالسلطات الدينية و المدنية الواسعة و المطلقة دون حدود أو قيود و خارج كل نقاش.

لذلك، فعندما تمت الإشارة لعبارة "أمير المؤمنين" التي تضمنها دستور 1962 بعد ذلك، قيل أنها أضيفت إلى النص الدستوري باقتراح من الدكتور الخطيب و تزكية من علال الفاسي بالرغم من أن الواقع القائم على الأرض كان يؤسس لهاتين السلطتين من ناحية الجوهر، غير أن الكتابة الشكلية اقتضت هذا النوع من الإخراج المسرحي لإظهار أن السلطة الملكية هي ذات مصدر إلهي و أنها لا تتأثر بنتائج الإستفتاء أو صراع الأحزاب.. هذه هي حقيقة الأمر.

و يلاحظ الدارسون الأجانب لهذه الحقبة الدقيقة من تاريخ المغرب، باستغراب، أنه في الوقت الذي كان الملك مهتما بإضفاء الشرعية على الملكية بواسطة "الإستفتاء" الشعبي على دستور (1962)، كانت الأحزاب السياسية "الوطنية"، هي التي أدخلت "القانون الإلهي" كأحد ثوابت الحكم في.. و هو معطى لا يلتفت إليه كثيرا الباحثون، لأن تعريته من شأنها تعرية كل أوراق اللعبة السياسية في المغرب.. بما فيها قواعد التعددية الحزبية وشروط التأسيس والترخيص للأحزاب، و لعبة التقطيع الجغرافي و التصويت والانتخاب.

و لإلقاء الضوء في عجالة على بعض من قواعد اللعبة السياسية المخزنية، أغتنم هذه الفرصة لأقدم للقراء الكرام ملخص حوار دار بيني وبين الأخ العزيز الألستاذ علاء الدين بنهادي الذي قدم بالمناسبة قراءة خطية للتجربة السياسية الحزبية المغربية منذ الإستقلال إلى اليوم، على الشكل التالي : 

"يعامل النظام المغربي الحركة الإسلامية اليوم كما عامل الحركة الوطنية بالأمس، فقد نجحت خطته غداة الاستقلال في تفتيت الحركة الوطنية وتدجين ما تبقى منها، وها هو اليوم يعيد تنفيذ ذات الخطة بحذافيرها بعد ستة عقود. هناك تشابه كبير بين الظواهر السياسية والفاعلين السياسيين لأنهم ينتمون لنفس النسق السياسي والنسيج الاجتماعي والثقافي.

قاومت الحركة الوطنية الاستعمار وأعادت الملك إلى العرش عام 1956، فكان أول رئيس حكومة الباشا البكاي، و هو واحد من "ولاد دار المخزن" و ليس واحدا من بين زعماء الحركة الوطنية. مقابل هذا المشهد، ناضلت الشبيبة الإسلامية ودفعت ثمنا غاليا لتؤسس لمشروع سياسي على أسس دينية لأول مرة في وجه شرعية النظام التي اهتزت أركانها.. ثم جاءت جماعة العدل و الإحسان بتنظيمها القوي و مشروعها الفقهي المتقدم، ولكن من حصد سنوات الرصاص التي ذهب ضحيتها أبناء الحركة الإسلامية هو واحد من "ولاد المخزن"، تربية الكوميسير الخولطي، أي عبد الإله بنكيران.

اخترق الحسن الثاني الحركة الوطنية واستقطب منها مستشارين مثل عبد الهادي بوطالب و زعماء أحزاب مخزنية وإدارية مثل المعطي بوعبيد الذي أصبح وزيرا للعدل و وزيرا أولا بعد ذلك بعد أن أسس حزب (الكوكوت مينوت). انطلقت سياسات الانشقاق ابتداء من تأسيس الحركة الشعبية لمضايقة حزب الاستقلال، ثم انشقاق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال ثم الاتحاد الاشتراكي عن الاتحاد الوطني ثم الطليعة و اليسار الموحد و النهج الديموقراطي و منظمة العمل الديمقراطي عن الاتحاد الوطني، ثم عاد الحسن الثاني إلى الحركة الشعبية التي أسسها فأوقع بها انشقاقات.. أسس الخطيب بعد ذلك حزبه المخزني، ثم جاء انقلاب العنصر وحزب عرشان ثم حزب بوعزة يكن.

نحن أمام نفس السيناريو اليوم مع الحركة الإسلامية، حيث فجر النظام الشبيبة الإسلامية بالاغتيال المدبر في حق المناضل عمر بن جلون، ثم ظهرت جماعة بنكيران التي تقمصت المرجعية الإسلامية و اعتمدت نهجا متباينا من حيث الشكل عن الشبيبة الاسلامية، ثم تفرخت أحزاب أخرى عن الشبيبة الإسلامية مثل حزب الأمة و البديل الحضاري، ثم إخوان فاس رابطة الريسوني و التنظيمات التي انضمت إليها لتتحالف أيضا مع جماعة بنكيران فتدخل دار المخزب مع الخطيب في مشروع "العدالة والتنمية".

عام 1966 أسس المخزن الفديك لمضايقة اليسار، وعام 2007 أسس البام لمضايقة الإسلاميين، خاصة العدالة والتنمية و قطع الطريق أمام جماعة العدل و الإحسان.

اليوم جعل النظام من أبناء الحركة الإسلامية، كما فعل بأبناء الحركة الوطنية من قبل، مستشارين و أعضاء في المؤسسات الدستورية و رؤساء حكومة و قيادات أمنية و استخباراتية، كما فعل مع الغزاوي وغيرهم من مناضلي "إلى الأمام" و "8 مارس" و من بنزكري و حرزني و وديع و بنشماس و اليزمي...

خلاصة القول، سيضرب المخزن أبناء الحركة الإسلامية ببعضهم البعض، و سيستقطب ويفرز صفها عبر بعض أبنائها، و سيعمل على إغراقها في الانشقاقات الجزيئية ليصبح بأس أبناء الحركة الإسلامية بينهم أشد وأنكى.

هذا آخر المشهد، ثم يأتي الله بقوم يحبونه ويحبهم أذلة على المؤمنين أشدة على الكافرين..

إننا نعيش اليوم آخر مشهد من مسرحيات النظام المتتالية منذ الاستقلال.. لم يعد له تكتيك جديد بعد أن حرق كل أوراقه و انكشفت اللعبة بالكامل.. (the game is over)".

سوف لن أعلق على كلام أخي علاء الدين بنهادي، لأن ما طرحه هو عبارة عن معطيات ومحطات تاريخية بارزة و معلومة من قبل كل المتتبعين للشأن المغربي، ولا خلاف حولها من وجهة نظري المتواضعة لأنها تمثل الواقع التاريخي الذي مررنا به في هذا البلد المغتصب، وآن الأوان لتغييره، لكن انطلاقا من نفس الأرضية التي يلعب عليها المخزن، أي الإسلام وليس من منطلق أية إديولوجية يسارية كانت أو ليبرالية، لأن طبيعة مجتمعنا تقول أن المغاربة شعب مسلم متمسك بدينه حتى النخاع، شأنا أم أبينا.. هذه هي الحقيقة التي يجب أن ننطلق منها في فهمنا للتاريخ والواقع معا، وهذا هو المفتاح لبلورة تصور جديد للمستقبل إذا اردنا حقا أن نساهم في إنجاح مشروع التغيير في المغرب... وكل من يقول عكس ذلك فهو ضد منطق التاريخ ومنطق التغيير ولا يعدو أن يكون ورقة في جيب النظام مثله مثل العديد من الأوراق التي خبرناها واكتشفنا فسادها وخصوصا مع التجربة الميدانية الرائعة التي عشناها جميعا في كنف حركة 20 فبراير المجيدة..

إننا اليوم أمام مرحلة جديدة بالكامل، حيث دخلها العالم العربي من الماء إلى الماء زمن "الربيع الإسلامي" بامتياز، و ليس "الربيع العربي" كما سميي خطئا، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع بعض الحركات الإسلامية التي تؤثت جغرافية منطقتنا العربية.. لأننا من جهة، لا يمكننا الوقوف في وجه تيار التاريخ الجارف.. ومن جهة أخرى، باعتبارنا مغاربة و مسلمين علينا كما سبق القول أن ننطلق من تجربتنا وخصوصيتنا وطبيعة مجتمعنا، لا أن نستورد حلولا لا تجد القبول في تربتنا فيكون مصيرها الفشل.. كما أننا لا يمكننا الحكم على التجربة الإسلامية من خلال حزب النهضة بتونس الذي دجنته المخابرات الفرنسية بمناسبة لجوء الغنوشي للحضنها خلال منفاه، أو الإخوان المسلمين بمصر الذي أسسته المخابرات البريطانية كما هو ثابت من الوثائق المفرج عنها مؤخرا، أو حتى حكومة بنكيران المخزنية في المغرب و التي لا علاقة لها بالتجربة الإسلامية الحقيقية مقارنة مع ما تقدمه مثلا جماعة العدل والإحسان "المستقلة عن النظام" كنموذج للتغيير الجذري و الحقيقي الذي ينطلق من إرادة الشعب و يرتبط بقراره و اختياره.. ناهيك عن أن تاريخ الجماعة تاريخ ناصع بصمودها الأسطوري في وجه النظام و رفضها التدجين وصبرها على الظلم والأذى لعقود مضت، ولو كانت تسعى من أجل تحقيق أهداف سياسوية ومصلحية ضيقة لقبلت بما عرضه عليها المخزم من زمان وكفى الله المؤمنين القتال.

قبل ستة سنوات قالت نادية ياسين عن حزب البيجيدي ما مفاده: أن المخزن أسسه المخزن خصيصا ليستعمله كورقة عند اللزوم، وأن النظام سيستغله بطريقة أبشع من تلك التي استغل بها اليسار المغربي من خلال ما سمي في حينه بتجربة التناوب لإخراج البلاد من السكتة القلبية عبر بيع مقدرات الشعب الفقير... وها نحن اليوم نرى صناديد "العدالة والتنمية" يدافعون باستماتة على المخزن، كما أن هذا الأخير زور له الإنتخابات ليصل إلى الحكومة لأهداف واضحة أصبحت معلومة للجميع اليوم.. والحقيقة أنه لولا موافقة أمريكا ومباركة فرنسا وإن على مضد لما وصل بنكيران للسلطة.

هذا هو نهج المخزن وهذه لعبته التي تتكرر من مرحلة إلى أخرى..  وتتمثل أساسا في تشجيع منهجية تشكيل التحالفات المتحكم فيها لضمان استمرار النظام في ظرفية يعاني منها المخزن أزمة حكامة، و بالمقابل تبقى القوى الأخرى غير المشاركة في السلطة ملتزمة بمنهجية المخزن و تعارض شكليا من داخل المؤسسات رافعة شعار الإستمرارية في إطار نفس اللعبة العبثية التي سطرت لها لا تحيد عنها قيد أنملة في انتظار دورها... وهي جميعها أحزاب لا تملك رؤية استراتيجية للتغيير ولا برنامج عمل واضح وعقلاني للخروج بالبلاد من مأزق الحكامة التي أوجدها فيه النظام المغربي الفاسد و المتسلط والمستبد.

هذا الكلام لا يعني أننا نسوق لنهج الجماعة التي نحترمها وإن كنا نختلف معها في العديد من التفاصيل، لكن أي تغيير لا يمكن أن ينجح انطلاقا من فراغ.. بل لا بد له من قوة وازنة و منظمة و فاعلة يلتف حولها الناس، و بخاصة الشباب الواعي و المتنور من مختلف فئات المجتمع بما فيها النخب، لأن المعركة معركة مصير والعدو نظام قوي مستبد ومتغول وله من الامكانات والدعم الخارجي ما يسنده ويعزز موقعه، لكن إرادة الشعب التي هي من إرادة الله تظل هي القوى بالنهاية إذا سمحت الظروف وتوفرت شروط الإلتقاء والتفاهم والتعاون والتضامن على قلب رجل واحد.

 في المقالة المقبلة سنتفرغ للحديث عن صراع النظام مع القوى الدينية التي كانت سائدة ابان الإستقلال والنهج الذي اعتمده لضربها وعزلها عن المجتمع في أفق علمنته.. وسنتطرق كذلك إلى الحركات الإسلامية المغربية ومقارنتها مع أخواتها العربية، لكننا قبل ذلك، نود أن نركز في ختام هذه الورقة على ما نتصوره معطى أساسي لا بد من الإشارة إليه ولو بعجالة:

على ضوء ما سلف نقول: يجب أن يكون واضحا لكل لبيب،  أن ما قاله الطاغية "مومو ستة" خلال خطاب العرش الأخير من أن التغيير "الشكلي" الذي حصل في المغرب مؤخرا لم يكن نتيجة ظروف طارئة، بل هو استمرار لرغبة النظام في دمقرطة الحياة السياسية وتحديث المجتمع والتي بدأت - وفق منطق النظام – منذ الاستقلال مرورا بعهد المقبور الحسن الثاني وتعززت مع اعتلاء "مهند" عرش أسلافه الخونة منذ 13 سنة.. وهذا كلام صحيح لا لبس فيه وإن كان مفاجئا لشباب 20 فبراير الذين اعتقدوا عن حسن نية أن النظام أقدم على بعض التغييرات بسبب "الربيع المغربي" خوفا من تداعياته قياسا بما حصل في تونس ومصر آنذاك... بل حتى حزب البيجيدي وزعيمه المهرج بنكيران اعتقدوا واهمين أن وصولهم إلى السلطة كان بسبب خوف النظام من انفلات الشارع...

كما أن ما يجب تذكره هنا، هو أن تاريخ المغرب و طبيعة النظام و طريقة تفكيره و أسلوب عمله و أدوات اشتغاله تختلف كثيرا عن بقية النظم العربية، ففي تونس و مصر مثلا كانت الأنظمة علمانية، في حين أن في المغرب هناك نظام "علماني" من حيث الباطن لكنه يتستر بعبائة "الإسلام" من حيث الظاهر، و يحتكر المجال و الخطاب الديني معا.. و بالتالي، فلا يمكن زعزعة ثقة المجتمع في هكذا نظام إلا عن طريق مقارعته بنفس سلاح الدين الذي يعزز به شرعيته ويضمن بفضله استمراره و تحكمه، رغم الظلم و رغم الفساد و الاستبداد، في مجتمع أمي لكنه متمسك بالدين حتى النخاع..  ناهيك عن أن حركة 20 فبراير أخطأت المصار وتعثرت في المسير بسبب عدم تركيزها على العامل الديني الذي يمثل الرمال المتحركة الخطرة التي يمكن أن تغرق النظام.. بدليل أن الشعب لم يتجاوب بالشكل المطلوب مع شعارات الحركة العلمانية ولا حتى الإجتماعية، واعتبرها مغامرة غير محسوبة العواقب وقفزة في الظلام.. ولعل هذا المعطى الأساس هو الذي جعل الجماعة تعيد التفكير في خيارها وتقرر وقف مشاركة شبابها في الرقصات العبثية التي كانت تنظم كل أسبوع مساء يوم الأحد بدل الجمعة مثلا انطلاقا من المساجد.. هذا بالرغم من أن تحالفها مع اليسار كان بحسن نية و بهدف تكوين أكبر تكتل ممكن من النوايا الحسنة الراغبة في التغيير، لكن غدر وخيانة اليسار من جهة، و أسلاميو المخزن من جهة أخرى، جعلها تراجع قرارها و تعلن صراحة أن ظروف التغيير وشروطه لم تنضج بعد في المغرب.

وكما أن ما يجب ملاحظته، وهذا أمر مهم للغاية، هو أن موقف النظام القائم من الحركات الإسلامية عموما يتميز بنوع من الغموض، بحيث أن الإسلام الرسمي لا يرى في نشوء مثل هذه الحركات  خطرا يهدده طالما بقيت تحت عبائته وملتزمة بشرعيته وتكتفي فقط بانتقاذ السلوك السائد والإنحلال الخلقي للأشخاص، بحيث أن مثل هذا الخطاب لا يكتسي أي طابع ثوري ما دام أن الدولة في إطار سياستها الليبرالية قد شجعت بعض المظاهر المخلة بالقيم الإسلامية: (كتعاطي الخمور و القمار و نوع من الحرية الجنسية و مهرجانات الميوعة والبورديل..)، بل يمكن أن بستغل هذا الخطاب ضد اليسار كما حدث عندما جند المخزن الشبيبة الإسلامية ضد الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ونجح في إدماجه في اللعبة السياسية بعد ذلك، لكنه في نفس الوقت أجهز على الشبيبة الإسلامية وفتتها تفتيتا.

 غير أن هذه الحركات الإسلامية تصبح خطيرة جدا بالنسبة للنظام في الوقت الذي تنتقل فيه من انتقاذ الأشخاص والجماعات والحكومة المتهمة بخرقها للقيم الإسلامية، إلى انتقاذ الدولة وتحديدا المؤسسة الملكية "إمارة المؤمنين" التي من المفروض أن تسهر على تطبيق الإسلام في مختلف المستويات داخل المجتمع، باعتبارها حامية للدين و ضامنة للأمن الروحي للمغاربة.. لهذا السبب تشكل جماعة العدل و الاحسان الاستثناء ولا يمكن مقارنتها ببقية الحركات الإسلامية المغربية بما فيها السلفية الدعوية والجهادية معا.

والخطورة تكمن في أن مثل هذا الإنتقاد يمكن أن يمس بالإسلام الرسمي و يطال الملكية و الأحزاب و المؤسسات، لكن مع ذلك، فجماعة العدل و الإحسان برغم خطاباتها اللاذعة المباشرة ما زالت لم تنجح في تحطيم الجهاز البيروقراطي الذي تم وضعه منذ الإستقلال.. وهي لن تنجح في ذلك من دون دعم الشعب وخصوصا فئة الشباب الثوري الطامح للتغيير.

لكن، ماذا سيقع لو أن مثل هذه الإنتقادات خرجت من وعاء الجماعة و ارتبطت بحركات اجتماعية محلية و اقليمية و جهوية و وطنية؟...

ثم، كيف ستنظر شرائح الشباب و النساء و القرويين الفقراء إلى مثل هذه الإنتقادات التي تفضح مؤسسة ملكية "ماسونية و صهيونية" تدعي الحرص على دينهم في الوقت الذي تعمل على هدمه من أسسه صباح مساء.. و الأمثلة أكثر من تحصى في هذا الباب؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تقلق النظام و تمثل قمة الخطورة على وجوده و استمراره...

و سنلقي الضوء في مقالنا القادم بحول الله على هذا المعطى الهام باعتباره من وجهة نظرنا، يمثل مفتاح التغيير في المغرب.

و للحديث بقية...

ليست هناك تعليقات: