الثلاثاء، 7 غشت، 2012

تيري ميسان : مَنْ يَـقتـلُ الـسـوريينَ ويُـدمـرُ بـلـدَهـم؟

  مَنْ يُخبر الحقيقة..؟ 

ومَن المخطىء..؟


شباب المهجر (مواقع) -- الموقع اليساري الكندي (انفورميشن كليرينغ هاس) نشر في الثامن والعشرين من تموز/يوليوز الماضي مقالاً بقلم الكاتب والصحفي الاستقصائي الفرنسي (تييري ميسان) صاحب موقع "فولتير"، يعرض فيه قراءته للحرب الكونية التي يشنها على سورية تحالف الشر الناتوي الإسرائيلي الخليجي، مسلطاً الضوء على خلفية وانتماء أولئك الذين يقتلون السوريين؛ جيشاً وشعباً، ويدمرون دولتهم الوطنية. وفيما يلي المقال كاملاً، مترجماً عن الإنجليزية:../...

طوال الثمانية عشر شهراً الأخيرة ظلت سورية فريسة لمشاكل ما فتئت تشتد حدتها حتى تحولت إلى صراع مسلح واسع النطاق أدى بالفعل إلى سقوط نحو عشرين ألف ضحية. إذا كان هناك توافق في الآراء بشأن هذه الملاحظة، فإن الروايات والتفسيرات تتباين حولها. تقول الدول الغربية، مسؤولين ووسائل إعلام، إن «السوريين يتطلعون للعيش في ظل ديمقراطيات السوق الغربية، وهم ينتفضون في سياق «الربيع العربي» التونسي، المصري، الليبي… لإسقاط نظامهم الديكتاتوري، الذي يقمع تظاهراتهم، ويستبيح دماءهم، أما نحن؛ الغربيين، فنرغب بالتدخل لوقف المجازر، على حين أن الروس والصينيين، وانطلاقاً من مصالحهم الخاصة، أو من ازدرائهم لحياة البشر، يقفون ضد هذا التدخل»!

في المقابل وعلى النقيض من ذلك، تؤكد جميع الدول الأخرى، غير المنضوية تحت عباءة الولايات المتحدة وصحافتها، أن واشنطن، وبعد أن خططت منذ وقتٍ طويل، تشن حرباً على سورية، أولاً؛ من خلال عملائها في المنطقة، ثم وبشكل مباشر، وعلى غرار الكونترا في نيكاراغوا، من خلال تسريب عصابات مسلحة إلى الداخل السوري بهدف زعزعة الاستقرار، وتقويض سلطة الدولة، إلا أن هذه العصابات لم تجد دعماً محلياً يذكر، ما ساهم في هزيمتها، في وقتٍ منعت فيه كلٌ من روسيا والصين حلف الناتو من تدمير الجيش العربي السوري، وبالتالي قلبتا المعادلة الإقليمية.

مَنْ يُخبر الحقيقة؟ ومَن المخطئ؟


العصابات المسلحة في سورية لا تدافع عن الديمقراطية، بل تحاربها

أولاً: إن تفسير ما يجري في سورية بأنه حلقة من مسلسل «الربيع العربي» هو مجرد وهم، لأن هذا «الربيع» لا أساس له في الواقع. أنه شعار دعائي يهدف إلى تقديم حقائق انتقائية لتبدو في صورة ايجابية. إذا كان ثمة ثورة شعبية قد حصلت فعلاً في تونس واليمن والبحرين، فإن ما حصل في مصر وليبيا ليس كذلك. ففي مصر، اقتصر الأمر على مظاهرات في شوارع العاصمة، شاركت فيها أجزاء من الطبقة الوسطى، ولم يشعر باقي أفراد الشعب مطلقاً بأنهم معنيون بذلك الاستعراض التلفزيوني المبهر الذي شاهدناه في ميدان التحرير. وفي ليبيا، لم يكن هناك تمرد سياسي، بل حركة انفصالية في برقة ضد السلطة في طرابلس، وتدخل عسكري من حلف الناتو، قتل فيه نحو مئة وستين ألف مدني. وكانت محطة «نور تي في» اللبنانية قد حققت نجاحاً باهراً بعد أن قدم على أثيرها حسن حمادة سلسلة من البرامج بعنوان «الربيع العربي: من لورانس العرب إلى برنار هنري ليفي»، حيث رأى مؤلفو السلسلة أن فكرة «الربيع العربي» ما هي إلا نسخة جديدة عن «الثورة العربية الكبرى» التي توهم الشريف حسين أنه كان قائدها خلال العامين 1916-1918، على حين أن البريطانيين هم من دبرها ضد العثمانيين. واليوم يعود الغرب مرة أخرى ليسيطر من جديد على الأوضاع، ويطيح بجيل من القادة، ويفرض الإخوان المسلمين مكانهم. واقع الحال أن «الربيع العربي» ما هو إلا دعاية زائفة. فنحن نرى الآن أن المغرب، تونس، ليبيا، مصر وقطاع غزة جميعها محكوم من قِبل الإخوان المسلمين الذين يفرضون، من جهة، نظاماً أخلاقياً، ومن جهة أخرى يدعمون الصهيونية والرأسمالية الليبرالية المزيفة؛ أي بمعنى حماية مصالح الإسرائيليين والأنغلوأميركيين. لقد تبدد اليوم هذا الوهم؛ إذ نرى كُتاباً مثل السوري سعيد هلال الشريفي يسخر من هذا «الربيع الناتوي».

ثانياً: إن قادة ما يسمى «المجلس الوطني السوري»، وما يسمى «الجيش السوري الحر» ليسوا ديمقراطيين على الإطلاق، بمعنى أنهم لا يفضلون أبداً مفهوم «حكم الشعب، بالشعب، وللشعب»، وفقاً لتعريف أبراهام لنكولن الذي اقتبسه عن الدستور الفرنسي. وهكذا فإن الأكاديمي الباريسي برهان غليون؛ أول رئيس لذلك المجلس، لم يكن، بأي حالٍ من الأحوال، «معارضاً مضطهداً من النظام»، نظراً لأنه كان دائماً يعود لسورية ويتحرك بحرية فيها. كما لم يكن أبداً «مفكراً أو مثقفاً علمانياً» كما يدعي، بل كان مستشاراً سياسياً للجزائري «عباسي مدني»؛ زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذي يعيش حالياً كلاجئ في مشيخة قطر. أما خليفة غليون؛ عبد الباسط سيدا، فلم يدخل عالم السياسة إلا في الأشهر الأخيرة، وقد أخذ على عاتقه فوراً مهمة تنفيذ رغبات الولايات المتحدة. ومنذ انتخابه رئيساً لذلك المجلس، تعهد، ليس بالدفاع عن مصالح الشعب السوري، وإنما بتنفيذ «خريطة الطريق» التي رسمتها واشنطن لسورية، وأطلقت عليها اسم (الـيـوم الـتـالـي). توصيف هذا المجلس ينسحب أيضاً على مقاتلي ما سموه «الجيش الحر»؛ فهؤلاء قطعاً ليسوا مناضلين من أجل الديمقراطية، لأنهم يتبعون السلطة الدينية للداعية التكفيري عدنان العرعور الذي يدعو إلى إسقاط واغتيال القادة السوريين لأسباب غير سياسية. أما «المحاكم الثورية» التي أقامها «الجيش الحر» فهي تحكم على كل الخصوم السياسيين بالإعدام، وليس فقط على مؤيدي الرئيس الأسد، كما يذبحون علناً مَنْ يسمونهم الكفار. يتمثل برنامج «الجيش الحر» بالقضاء على النظام العلماني، الذي رسخه عدد من الأحزاب السورية؛ كالبعث و السوري القومي الاجتماعي، والشيوعي السوري، واستبداله بنظام طائفي صرف.


النزاع السوري دبره وخطط له الغرب منذ وقتٍ طويل

إرادةُ الغرب تدمير سورية والقضاء عليها أمرٌ بات معلوماً للقاصي والداني، وكافياً تماماً لتفسير ما يجري على الأرض. في الحقيقة، لا يمكننا تفسير الحدث السوري إلا في ضوء هذه الحقيقة. دعونا نتذكر بعض الوقائع التي لا تترك مجالاً للشك في أن ما يجري قد تم التخطيط له عن سابق ترصد وتصميم: قرار شن الحرب على سورية اتخذه الرئيس جورج بوش الابن خلال اجتماع كامب ديفيد الواقع في الخامس عشر من أيلول 2001، مباشرة بعد الهجمات «المشهدية» التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن. وكان من المقرر أن يتم التدخل العسكري في سورية وليبيا في وقتٍ واحد، لإثبات قدرة الولايات المتحدة على التحرك في جبهتين في آن واحد. والدليل على صحة هذا القرار موجود في شهادة الجنرال (ويسلي كلارك)؛ القائد الأعلى السابق لحلف الناتو، الذي كان من أبرز المعارضين لذلك القرار. في أعقاب سقوط بغداد عام 2003، أصدر الكونغرس قانونين يمنحان رئيس الولايات المتحدة تعليمات لإعداد حرب على ليبيا وأخرى على سورية (قانون محاسبة سورية).

وفي عام 2004، اتهمت واشنطن سورية بأنها تخبئ أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم تعثر على أي أثر لها في العراق. وقد تم التراجع فيما بعد عن هذا الاتهام إثر الاعتراف بعدم وجود هذه الأسلحة أصلاً وبأن الأمر لم يكن سوى ذريعة لغزو العراق. وفي عام 2005، بعد اغتيال الحريري، حاولت واشنطن خوض حرب على سورية، لكنها فشلت في الإعداد لها لأن سورية سحبت جيشها من لبنان. الأمر الذي حدا بالولايات المتحدة لتلفيق شهادات، تُحمّل النظام السوري مسؤولية حادث التفجير، ومن ثم تأسيس محكمة دولية خاصة لمحاكمته. لكنها اضطرت في النهاية إلى سحب اتهاماتها الكاذبة بعد أن افتضحت. وفي عام 2006، باشرت الولايات المتحدة التحضير «للثورة السورية» عبر إنشاء «برنامج سورية الديمقراطية». تجلى ذلك في تأسيس وتمويل جماعات تكون معارضة لسورية، وموالية للغرب؛ مثل «حركة العدالة والتنمية». وإلى جانب التمويل الرسمي لهذه المجموعات مباشرة من وزارة الخارجية الأميركية، كان هناك أيضاً تمويل سري مقدم من الـ«سي آي إيه»، عن طريق جمعية في كاليفورنيا تدعى (المجلس الديمقراطي).

وأيضاً في عام 2006، أوعزت الولايات المتحدة إلى وكيلتها إسرائيل لشن حرب على لبنان أملاً منها في استدراج سورية ثم ضربها، لكن الانتصار السريع لحزب اللـه أحبط الخطة، وفي عام 2007، شنت إسرائيل هجوماً سمته (عملية بستان الفاكهة) استهدف ما قيل إنه موقع نووي في دير الزور، غير أن دمشق حافظت على برودة أعصابها، ولم تستدرج إلى الحرب. وقد أثبت التفتيش الذي أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما بعد، عدم صحة المزاعم الإسرائيلية بأن الموقع كان مفاعلاً نووياً. وفي عام 2008، وخلال الاجتماع السنوي لمجموعة (بيلدربرغ) الذي ينظمه حلف الناتو، قدمت بسمة قضماني؛ مديرة «مبادرة الإصلاح العربي»؛ وبالتعاون مع مدير مركز (بوليتيك ستيفتونغ أوند فيسنشافت)؛ الألماني «فولكر بيرتس»، عرضاً موجزاً أمام «الغوتا» الأميركية الأوروبية عن الفوائد الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، التي يمكن للتحالف الغربي أن يجنيها من تدخل عسكري محتمل في سورية. وفي عام 2009، أطلقت الـ«سي آي إيه»، أدواتها الدعائية الموجهة ضد سورية مثل قناة «بردى»، من لندن، وقناة «المشرق» من دبي.

لعله من المفيد هنا أن نضيف إلى هذه العناصر التاريخية، اجتماعاً جرى عقده في القاهرة، خلال الأسبوع الثاني من شباط 2011، وضم كلاً من جون ماكين، وجو ليبرمان وبرنار هنري ليفي، ومن ليبيا محمود جبريل (وقتها كان الشخصية الثانية في حكومة الجماهيرية) ومن سورية مالك العبدة وعمار القربي. في هذا الاجتماع بالذات، تمّ إطلاق إشارة البدء لتنفيذ عمليات سرية، بدأت في كل من ليبيا وسورية (15 شباط في بنغازي و17 منه في دمشق). وفي كانون الثاني من عام 2012، شكلت وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان فريق عمل سمته «اليوم التالي» لدعم التحول الديمقراطي في سورية، وضع دستوراً جديداً لسورية وبرنامجاً لإدارة الحكم فيها. وفي أيار الماضي، أسس حلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي، فريق عمل خاصاً بالاقتصاد والتنمية، انبثق عما يسمى «مجموعة أصدقاء سورية»، بقيادة ألمانية إماراتية مشتركة، ووضع له الخبير الاقتصادي السوري-البريطاني أسامة القاضي مسودة تقاسم الثروات السورية بين الدول الأعضاء في التحالف، لتطبيقها في (اليوم التالي) لسقوط النظام.


ثوار.. أم مرتزقة؟

لم تخرج الجماعات المسلحة في سورية من رحم التظاهرات السلمية في آذار 2011. كانت تلك التظاهرات تطالب في الواقع بمحاربة الفساد، وبمزيد من الحريات، على حين أن الجماعات المسلحة، كما رأينا، انبثقت من تيار الإسلام السياسي. وتعرضت المناطق الريفية في سورية لأزمات اقتصادية قاسية خلال السنوات الماضية، كان السبب الرئيس فيها سوء المواسم الزراعية، والتي جرى تقييمها بشكل خاطئ حين اعتبرت بأنها مجرد كارثة عابرة، على حين أنها حدثت بسبب التغيرات المناخية الدائمة. تزامنت مع أخطاء فادحة في عمليات إصلاح الاقتصاد، التي خلقت فوضى في القطاعات الإنتاجية الأولية. تبع ذلك نزوح جماعي ضخم من الريف تسببت به بعض السياسات الحكومية. لم يكن السكن الريفي في العديد من المناطق متمركزاً في وحدات قروية، بقدر ما كان موزعاً على شكل تجمعات مزارع صغيرة معزولة. لهذا لم يتسنَ لأحد قياس مدى انتشار هذه الظاهرة حتى احتشد سكانها في تجمعات.

في النهاية، وعلى حين كان المجتمع السوري يشكل نموذجاً فريداً للتسامح الديني، نشأ من داخله تيار تكفيري وفر قاعدة لجماعاتٍ مسلحة مولتها بسخاء المَلَكيّات الوهابية (السعودية، قطر وإمارة الشارقة). وقد شجع هذا السخاء أطرافاً أخرى للانضمام إلى المقاتلين. من بين هؤلاء نجد أقرباء ضحايا القمع الجماعي، الذي نجم عن محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين عام 1982، مدفوعين بأسباب شخصية انتقامية أكثر منها أيديولوجية. ثم انضم إليهم العديد من قطاع الطرق، والفارين من العدالة، بعد أن أغراهم المال السهل يتلقى «الثائر» سبعة أضعاف متوسط الأجر اليومي. أخيراً، بدأ يتقاطر المحترفون الذين قاتلوا في أفغانستان، والبوسنة والشيشان والعراق وليبيا. من بين طلائع هؤلاء، نجد عناصر تنظيم القاعدة في ليبيا، يقودهم عبد الحكيم بلحاج شخصياً. وقد قدمتهم وسائل الإعلام على أنهم جهاديون، وهو توصيف خاطئ لأن الإسلام لا يسمح للمسلمين بشن حرب مقدسة ضد إخوانهم المسلمين، وبالتالي فإن هؤلاء المقاتلين هم مرتزقة في المقام الأول.

تصر وسائل الإعلام الغربية وكذا الصحافة الخليجية على وجود «منشقين» في عداد «الجيش الحر». إذا كان هذا الأمر صحيحاً، فإن المؤكد أنهم لم ينشقوا بسبب رفضهم قمع المظاهرات السلمية. هؤلاء المنشقون هم في الواقع، فارون من الخدمة العسكرية، ومن الطبيعي أن أي جيش قوامه أكثر من 300 ألف مقاتل، أن يحوي في صفوفه مثل هؤلاء. تحمل الجماعات المسلحة راية تحتوي شريطاً أخضر بدلاً من الأحمر، وثلاثة نجوم بدلاً من نجمتين. تسمي الصحافة الغربية هذه الراية بـ«راية الاستقلال»، وهي الراية ذاتها التي كانت معتمدة في فترة ما بعد الاستقلال في عام 1946. والحقيقة أن هذه الراية هي علم الانتداب الفرنسي الذي استمر منذ عام 1932 حتى عام 1958. أما النجوم الثلاث فهي تعكس إرادة المستعمر الفرنسي في تقسيم سورية إلى ثلاث مناطق طائفية. رفع هذا العلم لا يعني بالتأكيد رفع شعار ثوري، بل يشكل امتداداً للمشروع الكولونيالي، المتمثل بسايكس بيكو عام 1916، وإعادة تشكيل «الشرق الأوسط الكبير».

على مدى الثمانية عشر شهراً من العمليات العسكرية، تمكنت هذه الجماعات المسلحة من تنظيم نفسها والتنسيق فيما بينها وإن بدرجات متفاوتة. وقد أصبح الجزء الأكبر منها حالياً، خاضعا للقيادة التركية مباشرة، تحت مسمى «الجيش السوري الحر». وهي في الواقع، تحولت إلى جماعات مقاتلة بالنيابة عن حلف الناتو، وحتى مقرها الرئيس يقع في قاعدة «انجرليك» الجوية التابعة للناتو. وقد شكل الإسلاميون المتشددون منظماتهم الخاصة بهم، أو انضموا إلى تنظيم القاعدة. وهم جميعاً تحت سيطرة قطر أو فرع السديري التابع للعائلة الحاكمة في السعودية، وبالتالي هم بالنتيجة، ملحقون بوكالة المخابرات المركزية الأميركية.

هذا التشكيل المتنامي، الذي انطلق بفلاحين فقراء وانتهى بتدفق المرتزقة، يتماهى تماماً مع التشكيل الذي كنا قد شهدناه في نيكاراغوا حين نظمت الـ«سي آي إيه»، عصابات الثورة المضادة /الكونترا/ لإسقاط الساندينيين، أو ما عرفناه في كوبا عندما نظمت المخابرات المركزية الأميركية إنزالاً عسكرياً في خليج الخنازير للإطاحة بالرئيس فيدل كاسترو. هذا هو بالضبط، النموذج الذي تقتدي به اليوم المجموعات المسلحة في سورية: في أيار الماضي نظمت عصابات الكونترا المضادة للثورة الكوبية في ولاية ميامي الأميركية دورات تدريبية لنظرائهم السوريين لممارسة حرب العصابات في الداخل السوري. أساليب الـ«سي آي إيه»، هي نفسها في كل مكان. لذلك ركزت عصابات الكونترا السورية في جزء من عملياتها العسكرية على إنشاء قواعد عسكرية ثابتة، (لكنها لم تدم طويلاً، بما في ذلك الإمارة الإسلامية في بابا عمرو)، وعلى القيام بأعمال تخريبية تستهدف الاقتصاد (تدمير البنية التحتية وحرق المصانع الكبرى)، وصولاً إلى الإرهاب المباشر (إخراج قطارات الركاب عن مساراتها، تنفيذ تفجيرات بسيارات مفخخة في مواقع مزدحمة بالناس، اغتيال قادة من رجال الدين، والسياسيين، والعسكريين).

بالمحصلة، فإن حتى تلك الشريحة من الشعب السوري التي كان يمكن أن تتعاطف مع الجماعات المسلحة في بداية الأحداث، وتعتبره الممثل البديل للنظام الحالي الحاكم، انقلبت عليها وتحولت مع الوقت إلى ناقمة على أعمالها. ولم يكن من المستغرب، أن تكون معركة دمشق قد ضمت نحو سبعة آلاف مقاتل في العاصمة بعد أن انتشروا في أنحاء البلاد مع جيوش المرتزقة الموجودين في البلدان المجاورة. وعندما صدر أمر الهجوم، تحركت مجموعات تقدر بعشرات الآلاف من المرتزقة باتجاه الحدود السورية، محمولين على متن شاحنات صغيرة، مفضلين عبور البادية السورية، بأرتال متناثرة، بدلاً من اعتماد الطرق السريعة. لكن الطيران السوري تعامل معها بقوة، ما اضطرها إلى العودة من حيث أتت. فقط بعض هذه المجموعات، ممن تمكنوا من الاستيلاء على بعض نقاط الحدود استطاعوا الوصول إلى العاصمة، ولكنهم لم يجدوا التأييد الشعبي المأمول، بل إن الشعب هو الذي وجه جنود الجيش الوطني لمحاصرتهم واجتثاثهم. فأجبروا في نهاية المطاف على التراجع، وفشلوا بالتالي في الاستيلاء على دمشق، وهو ما غير هدفهم إلى محافظة حلب. وهذا كله يظهر أن هؤلاء لم يكونوا ثوارا دمشقيين، ولا حلبيين، بل هم مقاتلون عابرون.


تسلل عصابات الكونترا عبر الصحراء قرب درعا

من المفيد هنا عقد مقارنة بين لا شعبية الجماعات المسلحة، وشعبية الجيش العربي السوري ولجان الحماية الشعبية الموالية له. فهذا الجيش هو جيش نظامي قوامه المجندون والضباط السوريون، وهو ما يقود إلى الاعتقاد بأنه من المتعذر على هذا الجيش، أن يمارس القمع السياسي لشعبه. وقد سمحت الحكومة السورية في الآونة الأخيرة بتكوين لجان شعبية مسلحة تحمي مناطقها تحت إشراف الجيش.


أكياس هواء لفوانيس

في أيامه، واجه الرئيس ريغن مصاعب جمة في محاولته تقديم الكونترا على أنها «ثورية». فاستحدث من أجل ذلك جهازاً للدعاية، هو مكتب (الدبلوماسية العامة)، أوكل إدارتها لـ«أوتو رايش» الذي أفسد الصحفيين في معظم وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية لتسميم البئر التي ينهل منها الرأي العام. ومن بين الأمور التي قام بها: إشاعة مفادها أن لدى الساندينيين أسلحة كيماوية وقد يستخدمونها ضد شعبهم. واليوم، نرى أن البروباغندا ذاتها، تدار في البيت الأبيض من قبل مساعد مستشار الأمن القومي، المسؤول عن الاتصالات الإستراتيجية؛ «بن رودس»، والذي لم يأتِ بجديد، حيث اكتفى بتطبيق الأساليب القديمة، فأخرج شائعة الأسلحة الكيماوية السورية، كما نجح، بالتعاون مع المخابرات البريطانية، في أن يفرض على وكالات الأنباء الغربية مؤسسة وهمية، هي «المرصد السوري لحقوق الإنسان، «للمدعو رامي عبد الرحمن»، كمصدر مرجعي وحيد للأخبار المتعلقة بسورية. واللافت أن وسائل الإعلام لا تناقش أبداً مصداقية هذا المرصد، على الرغم من أن مراقبين من الجامعة العربية وآخرين تابعين للأمم المتحدة قد نفوا المزاعم الصادرة عنه. والأدهى والأمر أن هذا الهيكل الوهمي، الذي لا يملك سوى موظف واحد يقيم بالقرب من لندن، قد أصبح مصدراً لمعلومات المستشاريات الأوروبية منذ أن أقنعها البيت البيض بسحب موظفيها الدبلوماسيين من سورية.

أثناء انتظاره ليكون على الهواء في البث المباشر، اتصل خالد أبو صلاح؛ مراسل الجزيرة، هاتفياً بالمحرر المسؤول، زاعماً أن منطقة بابا عمرو تتعرض للقصف، بعد أن رتب المؤثرات الصوتية. وبعد ذلك دعا الرئيس الفرنسي هولاند أبو صلاح ليكون ضيف شرف في المؤتمر الثالث لأصدقاء سورية. كما قدم «بن رودس» عروضاً للصحفيين المتعطشين للإثارة. وجرى استحداث جولتين لهم، واحدة انطلاقاً من مكتب رئيس الوزراء التركي أردوغان، والثانية انطلاقاً من مكتب رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة. كما دعا الصحفيين الراغبين بالدخول إلى سورية، إلى القيام بذلك بطريقة غير شرعية بمساعدة المهربين. وخلال شهور، كانوا يمنحون سفريات انطلاقاً من الحدود التركية إلى قرية نائية تقع في الجبال حيث يمكن التقاط صور ثابتة ومتحركة مع «المتمردين» و«المشاركة في الحياة اليومية للمقاتلين». أما بالنسبة للصحفيين الأكثر نشاطاً، فقد منحوا فرصة زيارة الإمارة الإسلامية في بابا عمرو، انطلاقاً من الحدود اللبنانية.

أكثر ما يدهش في الأمر، أن العديد من الصحفيين لاحظوا بأم أعينهم وجود كم هائل من المعلومات المزيفة، لكنهم لم يستخلصوا أي نتائج. وهكذا، رأينا كيف قام صحفي شهير بتصوير (ثوريي) بابا عمرو وهم يحرقون الإطارات لإقناعنا بأن الحي يتعرض للقصف. وقد بثت الصور على القناة البريطانية الرابعة، ومع ذلك ظل يؤكد بأنه شاهد عيان على قصف بابا عمر، مكرراً الرواية التي روجها المرصد السوري لحقوق الإنسان. أما صحيفة نيويورك تايمز، فقد أشارت إلى أن الصور والأفلام التي أرسلت إليها من قبل المكتب الصحفي التابع لما يسمى «الجيش الحر»، والتي تظهر مقاتليه «الأشاوس»، لم تكن سوى مسرحيات مفبركة. والحقيقة أن أسلحة الحرب التي كان يحملها هؤلاء المقاتلون، الذين وصفتهم الصحيفة بالشجعان، لم تكن إلا نسخاً بلاستيكية لأسلحة ألعاب الأطفال. ومع ذلك واصلت الصحيفة اعتقادها بوجود جيش من الفارين من الخدمة يبلغ عددهم ما يقرب المئة ألف. ووفقاً لإحدى المفارقات الكلاسيكية، يفضل الصحفيون الكذب على الاعتراف بأنه قد تم التلاعب بهم. فهم ما أن يُستغفَلوا، حتى يشاركونا عن وعي في تأكيد الكذب الذي اكتشفوه. تبقى المسألة الأهم هنا، هي أنتم يا قراء هذا المقال: هل تفضلون الاستمرار في غض بصركم عن الحقيقة، أم اتخاذ القرار بدعم الشعب السوري ضد عدوان عصابات الكونترا؟

ليست هناك تعليقات: