الاثنين، 27 أغسطس 2012

هبْش نبْش : فيكتور فرانكل ...

 تجربة و نتيجتان


شباب المهجر (خاص) بقلم، يونس بلمالحة (انكشارية) -- في دراستي لعلم النفس الغربي استوقفتني شخصية عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل الذي أخرج العلاج النفسي إلى رحاب إحياء المعنى، محررا إياه من سجن النمساوي فرويد الذي جعل من الغرائز البهيمية المؤثر الأوحد في السلوك الإنساني. قصة نظريته في علم النفس و كتابه الشهير "الإنسان يبحث عن معنى" عرفت بدايتها في السجن. ففي إبان الحرب العالمية الثانية ألقي القبض علي الطبيب ورمي به في غياهب أحد معسكرات الاعتقال، و خضع لاصناف الاهانة و التعذيب لمدة ثلاث سنوات.../...

حوّل الطبيب بيئة السجن إلى مختبر للتحقق من نظريته و باحثا في معضلة الانتحار، كان يسأل السجناء اليائسين بما أنكم تجدون حياتكم تعسة للغاية فلماذا لا زلتم متشبتين بالحياة و لا تريدون الاقدام على الانتحار؟ ...و من إجاباتهم التي كانت أمثلة منها: حب الطفل، حب الأم،حب الزوجة، توقف العالم للتدبر و أخرج نظريته لتكتسح ساحة علم النفس مستعيرا كلمة نيتش : إن من لديه سبب للعيش في الحياة يستطيع أن يتحمل تلك الحياة بأي شكل كان. أي أن السبب الرئيسي للاضطرابات النفسية هو إحباط إرادة الانسان في سعيه وراء المعنى. كان الطبيب يدون يومياته في كراسة، فلما اكتشف السجانون أمره نزعوا منه الاوراق، و حرقوا المخطوطات التي كتبها. هناك شرع فرانكل يعتمد على ذاكرته كآلة تسجيل يدون فيها ما توصل إليه في دراسته المختبرية لموضوع الانتحار عند المقيمين مثله في المعتقل. و حتى لا تغرس ظروف الحبس مخالبها في الذاكرة فتتلف ما سجل فيها من معلومات و أفكارو تحليلات، و مقاومة منه لأيام المعتقل الماحية للذاكرة ، كان الطبيب يجلس منفردا و يمثل دور المحاضر أمام صفوف الحاضرين فيردد مضمون كراسته.

صدق القول على أمثال هؤلاء: فربما صحت الأجسام بالعلل و رب ضارة نافعة.

في بيئتنا زج طواغيت العرب بالكثير من المؤمنين في السجون لجُرم لم يرتكبوه ،لاقوا العنت و ذاقوا العذاب. دخلوا المعتقلات مجاهدين و تخرجوا منها جند الله في المعركة الغلط. لما أفرج عليهم من السجون واجهوا إرهاب الطاغية بالإرهاب المضاد، وجراء ذلك انتشر الانحراف في الفكر و الكراهية في الشعور.

إن السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح: من أين تستقي أفكارالعدوانية و مشاعر فقدان الثقة في كل المخلوقات هويتها ؟من الماضي القريب أم هو ماضي الظلم البعيد ؟ وما بين تجربة السجن الظالم و النتيجتين ألف الطبيب كتابه الشهير (الإنسان يبحث عن معنى) و فقد رجالنا معنى دعوة الرحمة للعالمين و تاهوا في حيتيات الظلم.

كان الطبيب ذا معرفة بطبيعة واقعه و يفقه نفسية الانسان، نهل من تجربته داخل السجن و ازداد علما فتوسعت المدارك. شبابنا زادهم ظلم السجان ظلمات فوق جهلهم بواقعهم و مصادرهم الإسلامية. هذا ما يفسر ولعهم بـظاهر النص في التكفير من أجل تصفية الآخر و الانتقام.

دخل الشباب السجون و أغلبهم يحملون أعطاب المجتمع و الاستبداد الاسري، قبل أن يصابوا بأوبئة السجن، كانت عدوانية السجان بمثابة زيت صبت على نار العدوانية المدفونة في أعماق الشخصية. لا شك أن الانحراف نعزوه في جزءه الظاهر إلى تجربة السجن، و لكن الجزء المختفي يرجع إلى الوطن الذي هو بمثابة قفص شاسع الاطراف، و تربية الاباء المعدمة لكل ثقة في نفس الطفل. نزاع الجماعات وحدة الصراع بين مكونات الجسد الواحد علاوة على تعفنات السجن أدت الى اتساع موجة فكر التكفير و نزعة تصفية الاخر. كانت تجربة الظلم واحدة، لكنها حققت نتيجتين في المعنى. و المعرفة الحقيقية تأتي مع الاستنتاج بعد التجربة، و كم تشابهت التجارب و تنوعت التفاسير و المعارف ، بسبب اختلاف شخصيات المفسرين و سبل تربيتهم.
 

ليست هناك تعليقات: