الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

المغرب: هل الإعلام الرسمي قام بواجبه تجاه المعارضة..؟


شباب المهجر (مقالات) بقلم: * ذ. فريد بوكاس --  يسارع المعلقون إلى الحديث عن "استثناء مغربي" في إشارة إلى أن المغرب لايزال بمنأى عن الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن مما لاشك فيه أن البلاد ليست استثناء عندما يتعلق الأمر بالمحورية المتجددة لسياسة الشارع. فقد دفعت حركة 20 فبراير الملك محمد السادس إلى الإعلان عن إعداد , وذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع على تظاهرتها الأولى. والمعارضة المتواصلة لاتقتصر فقط على حركة 20فبراير؛ فحركة العدل والإحسان المحظورة, والحزب الاشتراكي الموحد اليساري, والنقابات الطلابية, وجيوب المحتجين المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد, تستمر في تنظيم التظاهرات.../...

وخلال العام المنصرم, توحد المغاربة حول اعتقال مغني الراب المغربي المعارض المعروف بـ"الحاقد", والذي حكم بالسجن لمدة سنة على خلفية كلمات أغانيه المنتقدة للنظام. كما توحدوا حول انتحار أمينة فيلالي, الفتاة القاصر التي أرغمت على الزواج من مغتصبها بسبب القيود التي تفرضها الأعراف العائلية وقوانين الزواج. وعبروا أيضا عن تضامنهم مع الخريجين العاطلين عن العمل الذين أحرقوا أنفسهم احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية.

لكن حتى الآن, بقيت هذه الاحتجاجات محلية الطابع في معظمها, إذ تمكن النظام المغربي من إحباط التعبئة على صعيد البلاد, وعزل المعارضة الشعبية, ولاسيما بسبب الحظر الذي يفرضه على الإعلام.

ومع أن النظام أطلق وعودا بالإصلاح, لم يعمد بعد إلى تعديل الأحكام القمعية في قانون الصحافة والقانون الجزائي اللذين يجرمان التعبير النقدي. غير أن الدستور الجديد يتضمن فصلَين (28 و165) عن "حرية الصحافة" (لم يكن هناك أي ذكر للصحافة في الدستور السابق، بل إشارة عامة فقط إلى "حرية التعبير")، وينص على الآتي: "حرية الصحافة مضمونة، ولايمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية". لكن الفصل 28 ينص أيضا على أن قوانين الصحافة تحدد "قواعد تنظيم وسائل الإعلام العمومية ومراقبتها"، مع العلم بأن قانون الصحافة (وفي شكل خاص الفصل 41) لايزال ينص على معاقبة بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات "كل من مس بالدين الإسلامي أو بالمؤسسة الملكية أو بالوحدة الترابية" أو "كل من أخل بالاحترام الواجب للملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات".

وما يثير القلق أكثر هو قيام الحكومة بمحاكمة صحافي بموجب القانون الجنائي وليس قانون الصحافة, وذلك على الرغم من إعلانها في الوقت نفسه عن نيتها تطبيق إصلاحات. ففي 28 أبريل 2011, صدر حكم بسجن الصحفي الشهير رشيد نيني, وهو المحرر التنفيذي لصحيفة "المساء" المغربية, لمدة سنة بعد نشر روايات عن مدير الاستخبارات المغربية عبد اللطيف الحموشي, وتمت مقاضاته بتهمة التهجم على مؤسسات الدولة والشخصيات العامة و"أمن الدولة والمواطنين والوحدة الترابية"، بموجب الفصول 263 و264 و266 من القانون الجنائي. حتى أن منظمة "مراسلون بلا حدود" أوردت أن هذه القضية هي السبب الأساسي لخفض تصنيف المغرب ثلاث مراتب من 135 إلى 138 (من أصل 179 بلدا) في التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2011-2012.

وفي الأعوام الأخيرة, حاول الناشطون المغربيون المؤيدون للديمقراطية, على غرار نظرائهم في المنطقة, تجنب التكاليف والمخاطر التي تترتب عن إصدار صحيفة رسمية, وذلك عبر تطوير حضور أكثر نشاطا في الإعلام الإلكتروني - وقد نجحوا في ذلك إلى حد كبير. ففي العام 2008, كان ثمة 30000 مدونة تقريبا في المغرب, أي نحو ثلاثة أضعاف الرقم في الجزائر التي تضم عددا أكبر من السكان. ومع امتلاك نسبة 51 في المئة تقريبا من المغاربة اتصالا بشبكة الإنترنت, تصل المدونات والإعلام المواطني إلى جمهور كبير, ما يولد أساليب جديدة للتعبير عن الرأي والوصول إلى المعلومات التي لاتأتي الصحافة الحكومية على ذكرها. وعليه, انطلق موقع "مامفاكينش" (لا تنازلات) الذي يشكل معقلا أساسيا للإعلام المواطني, كمجهود مشترك بين مهنيين وكتاب ومدونين وناشطين لتغطية الاحتجاجات التي تنظمها حركة 20 فبراير. وقد أصبح الآن المصدر الرئيس للمعلومات عن التحركات المناهضة للنظام, ويصل هذا الموقع متعدد اللغات إلى جمهور عالمي, كما تستخدمه الشبكات الإخبارية الدولية مثل "الجزيرة" و"فرانس24" مصدرا لمعلوماتها. في المقابل نجد أن الاستخبارات المغربية تعمل جاهدة إحباط أو قرصنة مثل هذه المواقع كما حصل مع موقع شباب المهجر الذي يتخذ بلجيكا مقرا له.

لكن مع أن الإنترنت تصبح متاحة أكثر فأكثر, ثمة عوائق شديدة أمام المنشورات المدونة في المغرب, فمعدل الإلمام بالقراءة والكتابة في البلاد هو 56 في المئة, أي أقل بكثير من معدل الـ75 في المئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لذلك يرتدي الولوج إلى الإعلام المرئي والمسموع أهمية كبيرة في السياق المغربي, وهو ما تعيه الحكومة جيدا. وعلى الرغم من ادعائها بأنها "حررت" هذا القطاع عبر إنشاء "الهيئة العليا للإعلام المرئي والمسموع" في العام 2002 لتكون "هيئة إدارية مستقلة مسؤولة عن تنظيم الإعلام المرئي والمسموع", إلا أن هذه الهيئة لم تعمل بطريقة مستقلّة. وبالفعل, يعين الملك خمسة من أعضاء الهيئة التسعة, ورئيس الوزراء اثنين, ورئيس مجلس النواب عضوا واحدا, بينما يعين رئيس مجلس المستشارين العضو المتبقي. هذا وقد منحت الهيئة معظم تراخيص القنوات التلفزيونية والإذاعية لمحطات مملوكة من الحكومة, وحجبت تراخيص إنشاء القنوات التلفزيونية عن المستثمرين الخاصين معللة السبب بـ"تدهور الوضع الإعلاني". كما يتضمن الدستور الجديد فصلا عن الهيئة العليا للإعلام المرئي والمسموع, لكن ليس هناك ما يشير إلى أنها ستصبح أكثر استقلالية.

في الوقت الراهن, يبقى الإعلام الرسمي المصدر الرئيس للمعلومات في القنوات الأرضية (في غياب المحطات الفضائية), وتحتكر الحكومة التغطية: حيث تقدم "القناة الأولى" وإذاعة 2M نشرات الأخبار يوميا باللغات العربية والفرنسية والأمازيغية. كما تبث هذه النشرات في أوقات محددة من اليوم, وتنتقي الشبكة الأخبار بتأن شديد (مع العلم بأنها لاتفوت أبدا خبرا عن مناسبة عامة برعاية الملك محمد السادس أو حضوره). لكن بسبب هذا الاحتكار, لاتصل أخبار الاحتجاجات التي تشهدها أجزاء أخرى من البلاد إلى عدد كبير من المغاربة (ولاسيما في المناطق الريفية حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي الأكثر سوءا).

قد يكون هذا أحد الأسباب الأساسية خلف حفاظ الاحتجاجات على طابعها المحلي. ففي الأسابيع الأولى من العام 2012, طالب المتظاهرون في الشمال - ولاسيما في تازة - بتطبيق إصلاحات اقتصادية. ففي أعقاب نشر العديد من وثائق ويكيليكس التي كشفت النقاب عن الفساد المستشري في صفقات الأعمال, أثارت استثمارات الأسرة الملكية في القطاع الخاص (ولاسيما في العقارات والمنتجات الغذائية مثل الحليب والسكر والخبز) ردود فعل سلبية على نطاق واسع. وشهدت منطقة الريف في الشمال, حيث معدلات البطالة هي من الأعلى في البلاد ومعدلات الاستثمار من الأكثر تدنيا، احتجاجات أيضا. وفي تازة والريف على السواء, نفذت الشرطة حملة قمع وحشية، واعتقلت عددا كبيرا من الأشخاص اعتباطيا. وكانت تغطية هذه الاحتجاجات شبه معدومة في الإعلام الرسمي, والمرات القليلة التي تطرق فيها الإعلام إلى التظاهرات كانت لتصوير المحتجين بأنهم انفصاليون.

على غرار الأنظمة العربية الأخرى التي صمدت حتى الآن, عزز النظام الملكي جهوده لبث صورة عن استقراره وتقدمه في الخارج. فبين يونيو 2010 ويونيو 2011, زادت الحكومة تمويل المركز المغربي الأمريكي للسياسة - المسجل بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب التابع لوزارة العدل الأمريكية بصفة مجموعة لوبي داعمة للحكومة المغربية - من 499962.50 إلى 770049.73 دولارا أمريكيا. ينفق المركز الأموال بانتظام على الإعلانات والعلاقات العامة, ويؤمن الاتصال بالمنشورات الأساسية مثل "واشنطن بوست"، و"فوربز"، و"بي بي إس نيوز آور"، و"فورين بوليسي" و"نيويورك تايمز". وقد بثت شبكة "إن بي آر" الأمريكية إعلانات إذاعية ممولة من الحكومة المغربية بعد استفتاء الأول من يوليو, وصولا إلى الانتخابات في 25 نوفمبر. لكن مدى فاعلية هذه الحملات لايزال مبهما, هذا إن كانت فاعلة أصلا. غير أن الأحداث التي شهدها المغرب في العام المنصرم, حظيت في شكل عام بتغطية إيجابية في الولايات المتحدة. فقد أثنى مدونون بارزون في صحيفة "واشنطن بوست" على طبيعة الإصلاحات في المغرب وطريقة التعامل مع الاحتجاجات.

إلا أن تعتيم الإعلام الرسمي على التحركات المعارضة أدى إلى صعود وسائل بديلة للمعلومات - تضاهي الوسائل والمنشورات الموجودة - لكن يجب أن ننظر أبعد من التشويش الإعلامي لندرك أن المعارضة لاتزال حية جدا, وأنه على الإعلام أن يبقيها كذلك.

------------------------------
*  صحفي باحث - مقيم بالمنفى

ليست هناك تعليقات: