الثلاثاء، 11 سبتمبر، 2012

مصر و أميركا.. أو التضحية بالخراف لحماية الثيران


شباب المهجر (مقالات) بقلم: عبد المنعم علي عيسى -- مرت مصر في تاريخها الحديث بثلاث مراحل رئيسية تبدأ الأولى في عام 1919 مع ثورة سعد زغلول وتنتهي بقيام ثورة يوليو 1952، كانت السمة الأبرز لتلك المرحلة هي الدولة المدنية حيث استطاعت النخب المصرية مزاوجة الرياح الغربية مع الخصوصية الشرقية في تجربة كانت أقرب إلى النجاح، وتبدأ الثانية في عام 1952 وتنتهي في عام 1970 وتعرف بالمرحلة الناصرية التي تعتبر الحداثة أكبر سماتها إلا أن ذلك جاء على حساب الدولة المدنية حيث تراجعت هذه الأخيرة بفعل سيطرة العسكر المطلقة على مراكز القرار، على حين امتدت الثالثة من عام 1970 – 2011 وتجمع حكمي أنور السادات وحسني مبارك وفيها فقدت الدولة صفتي الحداثة والمدنية عبر قيام اقتصاد كولونيالي تابع يجر من ورائه السياسات على الصعد كافة.../...

أثارت الفترة الممتدة بين 25 كانون الثاني و11 شباط من عام 2011 جدلاً كبيراً لن ينتهي في وقت قريب فما جرى خلال الأيام الثمانية عشر يحتاج إلى الكثير من التحليل والمزيد من الوثائق لكي تتضح مجريات الأحداث بصورة جلية وهو ما لم يتوفر أقله حتى الآن.

شهد ميدان التحرير بدءاً من 25 كانون الثاني 2011 حراكاً متصاعداً يغلب على مكوناته شرائح من الطبقة الوسطى التي عانت في الآونة الأخيرة تضرراً في مصالحها بنتيجة تخلي النظام عن الدعم الذي كان يقدمه لتلك الطبقة، ولم يتح الوقت القصير (18 يوماً) لكي تدخل بقية الشرائح في الحراك الأمر الذي يمكن من معرفة بقية الاصطفافات لمختلف شرائح المجتمع، وما تأكد من مواقف للبرجوازية ونقيضها الفقراء كان يظهر نأياً بالنفس لكلتا الشريحتين اللتين لم يكن يعنيهما هذا الاستعراض الهوليودي الذي بدأت الفضائيات تعميه على شاشاتها التي احتلها مشهد ميدان التحرير على حين أغفلت الصورة باقي المشهد على الجغرافية المصرية.

أسس الشيخ حسن البنا في آذار من عام 1928 حزب الإخوان المسلمين الذي وضع فيه مجمل الثقافات والأفكار التي كان يحملها التي كانت مزيجاً من أفكار النهضة كما يراها وميولاً نحو فكر سلفي قادم من البلدان الإسلامية الطرفية من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والشيخ رشيد رضا، الأول والثاني من ألبانيا بينما الثالث كان من اليمن.

انتقل الحزب بعد مرحلة التأسيس إلى مرحلة أخرى مختلفة عبر جيل من الكوادر كان يرى أن الضغط على الأفكار يحتم البحث عن وطن بديل تنمو فيه تلك الأفكار وتترعرع وهو ما وجده أبو الحسن الندوي وأبو الأعلى المودودي في باكستان التي اختيرت موطناً للأفكار.

ميز الثاني (المودودي) بين مرحلتين هما الاستضعاف والجهاد ثم أعطى الحل للخروج من الأولى عبر نظرية الحاكمية وهي فكرة انقلابية تعني جواز الخروج على الحاكم ومحاكمته بل جواز قتله أيضاً.

كان كلا الشيخين قد جاء من الهند، الأول من لوكنو قرب دلهي والثاني من ولاية حيدر آباد في جنوب الهند، كانت البيئة التي نشأ فيها الاثنان يطغى عليها الأغلبية الهندوسية في مقابل أقلية إسلامية فجاءت الحلول عبر الدعوة إلى وحدة المسلمين في الهند بغية تشكيل قوة فاعلة في مواجهة الهندوس في فترة مخاض كانت تعيشها القارة الهندية وانتهت في عام 1947 بتقسيمها إلى الهند وباكستان.

لم تلد أفكار الشيخين من رحم الثقافة العربية ولا كانت حلولهما عائدة لمشاكل يعاني منها المجتمع العربي فمصر لم يكن فيها أغلبية تنافس أقلية أو العكس الأمر الذي يطرح الكثير من التساؤلات حول انتشار أفكار الندوي والمودودي في مصر كما النار في الهشيم.

جاءت زعامة سيد قطب في مرحلة عصيبة شهدت الكثير من الأحداث المهمة بدءاً بثورة يوليو 1952 مروراً بحرب 1956 ثم الوحدة فالانفصال إلا أنه لم يشهد حرب حزيران في عام 1967 حيث كان قد أعدم قبل ذلك بأشهر (29 آب 1966)، وقد كتب في مقال أخير له بعنوان: «لماذا أعدموني» بأن الأميركان هم الذين قاموا بإشعال الخلاف بين الثورة والإخوان المسلمين وهو ما لم يكن وارداً في السلوك الأميركي عشية الأزمة في عام 2011.

أسست «المساكنة» بين الضباط الأحرار والإخوان المسلمين لفترة هدوء قصيرة بين عامي 1952 – 1954 التي انتهت بإقالة اللواء محمد نجيب في عام 1954، الذي كانت الجماعة ترى نفسها أقرب إليه من عبد الناصر لتبدأ مرحلة الصدام مع الأخير التي كانت تعلو وتهبط تبعاً للخطوات التي كان يخطوها عبد الناصر نحو مزيد من استقلالية القرار السياسي في مصر.

مع توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية بالأحرف الأولى في 27 تموز 1954 ارتفعت وتائر الصدام ليتعالى في وقت لاحق مع التصديق على تلك الاتفاقيات في 19 تشرين الأول من العام نفسه ليصل الأمر إلى الذروة بعد أسبوع فقط من ذلك التصديق في حادثة المنصة التي حاول فيها أحد أعضاء (الجهاز الخاص) اغتيال عبد الناصر.

افتتح الرئيس أنور السادات عهده بإخراج قيادات الإخوان المسلمين من السجن على خلفية اختلال التوازن الذي نتج عن تصفية الجناح اليساري في السلطة في 15 أيار 1971 في عملية أطلق عليها ضرب (مراكز القوى)، إلا أن العملية السابقة لم تنجح في قيام تعاون جديد بين السلطة والإخوان المسلمين حيث قام هؤلاء باستغلال تلك الفترة من أجل إعادة بناء ركائز الجماعة من جديد والتحضير لفترة قادمة يشجع عليها الوضع الناشئ عن ضرب القوى اليسارية والوطنية غير الموالية للعهد الجديد.

قام صالح سرية مع مجموعة من أفراد التنظيم في عام 1974 بالهجوم على الكلية الفنية العسكرية بهدف الحصول على مزيد من المتطوعين والعتاد لمتابعة الهجوم على اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي في خطوة سابقة للاستيلاء على السلطة.

كانت قراءة الجماعة لثورة الخبز التي شهدتها القاهرة في 1977 سلبية ترى أنها حراك سلمي محكوم عليه بالفشل وقد جاء ذلك الموقف على خلفية أدبيات التنظيم التي تعتبر أن العنف واستخدام السلاح هما القادران فقط على إحداث التغيير.

ما بين الفشلين مرت حادثة صغيرة إلا أنها ترمز إلى مسار وتوضح نهجاً بما لا يدع مجالاً لشك أو ريب في القراءة.

قامت أحد أفرع تنظيم (التكفير والهجرة) باختطاف الشيخ محمد الذهبي المعروف وقتها بنبذ التطرف وقد هددت الجماعة بقتله في حال لم تستجب السلطة إلى مطالبهم التي كانت تنحصر في إذاعة بيان يندد بالنظام الذي لا يقوم على الإسلام وبالنتيجة فقد أدى رفض الدولة لتلك المطالب إلى قيام الجماعة بتصفية الشيخ الذهبي، اعتمد نشاط الإخوان في المرحلة بين 1978 – 1981 على جمعيات تقدم الفكر الإسلامي بالطريقة التي تخدم مصالحها وفي خطوة داعمة لما سبق قامت تلك الجمعيات بتقديم مساعدات عينية كان من أهمها (الزي الديني) الذي كان يوزع على العناصر المنتمية والموالية والمتعاطفة مع التنظيم والتي كانت الأوساط الشعبية الجامع الأكبر لمعظم هؤلاء.

لم تكن سرعة الانتشار الذي حظي بها ارتداء الجلباب الديني وملحقاته ناجمة عن قناعات دينية عند أولئك وإنما كان يعود لأسباب اجتماعية بحتة حيث كان هذا الزي قادراً على إخفاء الفوارق الطبقية التي تحرج الطبقات الفقيرة بشكل كبير.

هيأت الجماعة نفسها لصدام حتمي مع السلطة كانت كل المؤشرات تدل عليه، وفي التهيئة اعتمدت الجماعة على طريقة مستحدثة في التنظيم تدعى «العناقيد» التي تعطي مرونة في الاتصال وسهولة أكثر في قطعه الأمر الذي يجعل من البنية الهرمية للتنظيم خارج المؤثرات التي يمكن أن تنجم عن اعتقال بعض الخلايا.

توجت تلك المرحلة برؤية فقهية أطلقها عمر عبد السلام فرج في عام 1980 والتي قال فيها إن مصر تجاوزت مرحلة الاستضعاف ودخلت مرحلة الجهاد وقد وثق آليات العمل لتحقيق تلك الرؤية في كتاب أطلق عليه اسم «الفريضة الغائبة» الذي يمثل وثيقة مهمة تصور المنهج العام لجماعة الإخوان المسلمين وتعطي الكثير من التفاصيل لفلسفة العمل الخاصة بتلك الجماعة.

على الرغم من نجاح التنظيم باغتيال الرئيس أنور السادات في 6 تشرين الأول 1981 إلا أن تلك الخطوة لم تؤد كما كان مقرراً لها إلى موقف جديد يمكن استغلاله للوصول إلى السلطة، كان «تحرر الجماهير» من سلطة الدولة لحظة الإعلان عن الاغتيال حلماً يراود المنظرين فقط وقد بقي حلماً لكن مع اتساع رقعة الحالمين.

أدت المساكنة بين النظام والإخوان المسلمين بين 1981 – 1990 إلى هدوء حذر يغيب فيه عامل الثقة بين المتساكنين قسراً ولم يلبث الأمر أن تطور عبر التقارب الكبير الذي جرى في عام 2005 والذي كانت إحدى نتائجه فوز الإخوان المسلمين بـ25% من مقاعد البرلمان المصري في تلك الفترة.

كان ذلك التقارب ناجماً أصلاً عن الانفراج الذي حققته المحادثات السرية بين واشنطن وقيادات التنظيم التي جرت في صيف عام 2005 إلا أن تلك المحادثات لم تفض آنذاك إلى رؤية موحدة كان يمكن لها أن تختصر السنوات الست 2005 – 2011 التي احتاجها قيام المشهد الذي جرى في شباط من عام 2011.

أجرت الولايات المتحدة في عام 2011 محادثات مع الإسلام السياسي لم تقتصر على الجغرافيا المصرية وإنما اتسعت لتشمل كامل المنطقة.

في الأيام الثلاثة التي سبقت تنحي الرئيس مبارك كان تردد واشنطن بحسم قرارها واضحاً إلا أنها اختارت في نهاية المطاف «التضحية بالخراف لحماية الثيران» كان ذلك التردد مدعاة لتوجس قد يؤدي إلى فشل في عملية «جني الثمار» الأمر الذي يفسر سعي الإخوان إلى اتفاق مع نائب الرئيس عمر سليمان جرى إيقافه في اللحظة الأخيرة الأمر الذي يطرح علامة استفهام حول موت عمر سليمان إثر عمل جراحي أجراه في أميركا 2012 أعطى التفاهم الإخواني الأميركي ثماره وقد ظهر ذلك جلياً في نتائج الانتخابات التشريعية 11/1/2012 وكذلك في الانتخابات الرئاسية 24/6/2012 ولعل إحدى مفرزات ذلك التفاهم والتي ستظهر مفاعيلها لاحقاً كانت تبدو في استبعاد حركات كان لها دور فاعل على الأرض من أمثال حركة كفاية وحركة 6 أبريل والليبراليين على حد سواء.

في 19/3/2012 وأثناء جلسة عادية لمجلس الشعب المصري دعا رئيس المجلس الأعضاء إلى الوقوف دقيقة صمت حداداً على روح البابا شنودة وعلى الفور شهدت القاعة خروج خمسة نواب سلفيين منها اعتراضاً على تلك الدعوة.

المقارنة الأهم الآن ليست لقادة الإخوان المسلمين الحاليين مع العلمانيين، وإنما لهم مع المنظرين القدامى أسلافهم، فالشيخ محمد عبده أحل في القرن التاسع عشر أكل ذبائح غير المسلمين في خطوة كان لها الأثر البارز على الوحدة الوطنية في المجتمعات العربية.

الإخوان المسلمون في مصر الآن يعيدون الأمور إلى ما كانت عليه ما قبل تلك الفتوى.

------
الوطن


ليست هناك تعليقات: