السبت، 24 نونبر، 2012

فلسطينُ لن تُحرّرَ بالشعارات ..!


شباب المهجر (مقال) بقلم: محمد الرّاجـي -- 1) عندما كان حسني مبارك رئيسا لمصر، لم تتحرك الدبلوماسية المصرية من أجل وقف عاجل للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة سنة 2008، رغم شراسة العدوان، ورغم لجوء الطيران الحربي الإسرائيلي لأسلحة فتاكة ومحرّمة دوليا. في العدوان الأخير على قطاع غزة، كان الوضع مختلفا تماما، فبمجرد أن بدأت إسرائيل في قصف القطاع، حتى تحركت الدبلوماسية المصرية، وتحركت خطوط الهواتف بين القصر الجمهوري المصري والبيت الأبيض الأمريكي، وتمّ الاتفاق على وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بفضل الوساطة المصرية.../...

الفرق بين مصر حسني مبارك ومصر محمد مرسي، هو أنّ الأول كان يفعل ما يشاء، وكان يخشى أمريكا وإسرائيل أكثر مما يخشى الشعب المصري، والعكس في حالة مرسي، الذي وصل إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، لذلك استجاب لطلب الشارع المصري، وقام بكل ما في وسعه من أجل وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، لهذا سأقول للمرة المليون بأنّ تخليص فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، يقتضي أولا تخليص ما تبقى من بلدان هذا التابوت الممتدّ من الماء إلى الماء، كما سمّاهُ محمد الماغوط، من الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة التي تبسط سيطرتها عليه.


2)

خلال الأسبوع الماضي، حضرتُ وقفة احتجاجية نظمتها "منظمة العمل الوطنية لمساندة العراق وفلسطين" أمام مقر البرلمان في الرباط، ورأيت الحماس والغضب في وجوه المشاركين، الذين دعوا بالموت لإسرائيل، ومعها أمريكا، وصبّوا عليهما جامّ غضبهم، ولمسْتُ نفاس الحماس والغضب في الكلمة التي ألقاها منسق لجنة العمل، المحامي خالد السفياني. كل هذا جميل، بل مطلوب، لكنّ ثمّة حقيقة مرّة يعرفها الجميع، ولا أحد يريد أن يعترف بها، وهي أنّ فلسطين لا يمكن تحريرها بالشعارات، ولو بقي العرب يحتجّون ألف عام!


3)

لماذا؟ لأنّ الدعاء بالموت لإسرائيل، وإحراق أعلامها وأعلام الولايات المتحدة الأمريكية، ورفع الشعارات الصاخبة في شوارع الرباط وعمان والمنامة وغيرها، لا يمكن أن يثمر أيّ نتيجة، طالما أنّ قصور الحكم العربية، خصوصا الخليجية منها، التي تملك سلاح النفط والغاز والمال، تسكنها أنظمة ديكتاتورية لا تقيم لشعوبها أدنى اعتبار، لذلك، فالأوْلى بهذه الشعوب الثائرة في وجه إسرائيل، أن تثور أولا في وجه الأنظمة الديكتاتورية التي تحكمها، وحينذاك ستتحرك هذه الأنظمة، مثلما تحرك النظام المصري الجديد، والنظام التونسي، أما الاستمرار في الاحتجاج على إسرائيل، ما دامت هذه الأنظمة قائمة، فلا فرق بينه وبين من ينفخ في قربة مثقوبة، أو يرفع أذان الصلاة في جزيرة مالطا!


4)

هناك مسألة أخرى مهمّة، وهي أن هذه المسيرات الاحتجاجية أصبحتْ مجرّد مناسبة فقط للخروج إلى الشارع بدون أيّ نتيجة، حيث يخرج الناس ويحتجّون لساعة أو ساعتين، وبعد ذلك يعودون إلى بيوتهم، بعد أن يكونوا قد صبّوا جامّ غضبهم على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، دون أن يكون هناك أيّ رد فعل ملموس على أرض الواقع. هؤلاء المحتجّون على سبيل المثال، يرفعون شعار "بالروح بالدم نفديك يا غزة"، لكن لا أحد منهم يفكر في الذهاب إلى غزة، من أجل مقاومة الاحتلال، رغمَ ألا شيء يمنعهم من ذلك، وهذا يدلّ على شيئين اثنين: إما أن هؤلاء يردّون هذه الشعارات بشكل "ببغائي"، أي بدون أيّ تفكير مسبق، أو أنهم يريدون تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي بـ"الفمّ"!


5)

المعضلة الكبرى التي يعاني منها العرب، هي أنهم لا يفكرون في المستقبل البعيد، بقدر ما يبحثون عن الحلول المؤقتة، فقد هاجت الشوارع العربية في أعقاب الحرب على غزة سنة 2008، وعندما انتهت الحرب، نسي الجميع غزة، التي ظلت تحصي خسائرها، ولم يتحرك أحد منذ ذلك الوقت، إلى أن دكّتها الطائرات الحربية الإسرائيلية هذه الأيام، ليخرج الناس من جديد إلى الشوارع، داعين بالموت لإسرائيل وأميركا، وها هو العدوان قد توقف، وسينسى الجميع غزة مرة أخرى، إلى أن يأتي عدوان جديد، وهذا هو حال فلسطين وليس غزة لوحدها منذ عام 48 من القرن الماضي إلى الآن، وسيظل هذا الحال قائما، طالما أنّ العقلية العربية لم تتغيّر. ولكي نعرف كيف يفكّر هؤلاء الذين يحتجون عقب كل عدوان إسرائيلي على الفلسطينيين، يكفي أن ننصت إلى هذا الشعار الذي سمعته قبل أيام أمام البرلمان في الرباط: "يا قسّام يا قسّام.. الانتقام الانتقام". قد يكون هذا الشعار صادرا في لحظة غضب، لكن الانتقام ليس حلا، لأنه لا يجلب غير المصائب، وأكبر دليل على ذلك هو الخسائر الفادحة التي يتكبدها الفلسطينيون، خصوصا سكان غزة، في الأرواح والبنيان عقب كل عدوان إسرائيلي، لذلك فالمطلوب هو الضغط على الأنظمة الديكتاتورية العربية الحاكمة، كي تبحث عن تسوية أبدية للقضية الفلسطينية، وهي قادرة بكل تأكيد على ذلك لو أرادت، طالما أنها تملك وسائل ضغط قوية وفعّالة، أما الدعوة إلى الانتقام فقط، فلا فرق بينه وبين من "يقلز للآخرين من تحت الجلابة"، كما يقول المثل المغربي.

-------------------------------

ليست هناك تعليقات: