الأحد، 25 نوفمبر 2012

المغرب : فضيحة التدبير الاستراتيجي ...

لملف تدريس

اللغة العربية والثقافة المغربية بالخارج


شباب المهجر (مراسلة خاصة) من علال مهاجر -- بحكم الطابع الاستراتيجي الذي تمتاز به مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج, كان منتظرا من هذه المؤسسة أن تحذو حذو المؤسسات المغربية المتزنة التي تبنت سياسة النقد الذاتي في إطار تنفيذ الميثاق المغربي الجديد للممارسات الجيدة لحكامة المنشآت والمؤسسات العامة. كان بإمكانها أن تعترف بأخطائها التدبيرية وتتراجع عنها في مقاربة إدارية خلاقة قد تمكنها من الانخراط في المسار الإصلاحي المغربي.../...

كان عليها أن تركب دينامية التحول وتتحمل مسؤولياتها التاريخية والمؤسساتية في المساهمة في بناء دولة الحق والقانون وتعزيز الديمقراطية وحقوق المواطنة, غير أنها سلكت مسارا عكس التيار العام المغربي حيث اتخذت قرار تصعيد وتيرة تعسفاتها الإدارية واستغلال كل ما أتيح لها بهدف تمرير قصاصة أداء دفعات هزيلة من مستحقات ترقية بدون تعويضات, وتسويقها بمثابة تسوية قانونية ونهائية لإشكالية الاختلالات التدبيرية التي تطرحها الأوضاع الإدارية والمالية والصحية الكارثية لأساتذة اللغة العربية والثقافة المغربية التابعين لها بالخارج.

المؤسسة تحركت بشكل ملموس وبإيقاع ملحوظ, خلال عطلة الصيف الماضية, في اتجاه التأسيس والتنفيذ ميدانيا لمقاربة جزرية مبنية على ردع الأساتذة المتضررين من انتهاكاتها بهدف تكميم أفواههم, بعدما اتضح أنهم ربطوا اتصالات رسمية بمختلف مؤسسات الدولة من أجل تبليغها بمعاناتهم. وفي هذا الصدد, قامت المؤسسة بالترويج لمزاعم تقحم فئة من المدرسين في عملية نشر وثيقة افتراضية مشبوه في مصادرها على الشبكة العنكبوتية بالخارج. وثيقة لم يدل بها أي فرد من الأساتذة المتهمين سواء على مستوى المؤسسات المغربية أو الأوروبية, يؤكد المعنيون.

وعلاقة بذات الموضوع, تقدمت المؤسسة إلى القضاء المغربي بالرباط بشكاية ضد مجهول أرغمت من خلالها وكيل الملك على إحالتها, بكيفية غير مبررة, على وحدة جد خاصة من الشرطة المغربية بالدار البيضاء لمباشرة تحرياتها في الموضوع. لم تتوقف المؤسسة عند اتخاذ هذه الإجراءات الاستثنائية بل تقدمت كذلك, في شخص أحد مسؤوليها بلائحة بأسماء كل المعلمين المنتمين لهذه الفئة إلى مصالح الأمن المذكورة طالبة منها استدعاءهم والتحقيق معهم في الأمر. والغريب في المسألة, يوحي المعنيون, هو أن المؤسسة تمكنت من إقناع السلطات الأمنية والقضائية المغربية بتنفيذ هذه العملية, خلال عطلة الصيف المنصرمة, في حين أن الدعوة مرفوعة ضد مجهول, وأن الفعل المنسوب تم, حسب ما صرح به هذا المسؤول للشرطة, بالشبكة العنكبوتية, كما أن هذه الاتهامات تكتسي طبيعة افتراضية ضوئية لا تستوفي الشروط الضرورية والعناصر التكوينية التي تجعل منها عملا ماديا محظورا بالمقاييس القانونية المغربية.

وفي نظرنا فإن الغرض الأساسي من هذه المناوشات هو ردع هذه الفئة من المدرسين كي تتنازل عن المطالبة بحقوق محسوم في أمرها من طرف المشرع المغربي, ومنصوص على ضرورة تطبيقها في خلاصة أشغال اللجنة الحكومية المختلطة التي تعهدت من خلالها مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج بتسوية الوضعية المالية والإدارية لأساتذتها المتعاقدين والملحقين ورهن الإشارة الموفدين إلى الخارج لتدريس اللغة العربية والثقافة المغربية لأبناء الجالية المغربية. المؤسسة لم تفلح أيضا في إقحام مكاتب الشرطة في إنجاز مخططاتها ولا في تصفية حسابات مسؤوليها مع الأساتذة, حيث تعامل أعضاء الوحدة الأمنية الخاصة بالدار البيضاء بشكل مسؤول ومهني مع محتويات الملف, وبحذر كبير بخصوص الاتهامات الملفقة, معتبرين الأساتذة مجرد شهود في النازلة.

ويشير الأساتذة إلى أن هذه الواقعة خلفت ردود أفعال متفاوتة, وكان لها وقع كبير على مستوى سير الأحداث. فمن الناحية الأمنية, أربكت لباقة وحياد الشرطة حسابات المؤسسة ولم تمكنها من إخضاع المدرسين المعنيين لسياسية الأمر الواقع التي حاولت فرضها عليهم بالقوة والعنف عبر مفتشيها ومنسقيها, ثم بالخدع والتغليط من خلال مؤسسات وأجهزة الدولة. ومن الناحية النضالية, تولدت عن هذه التصرفات نتائج معاكسة تماما لتوقعات المسؤولين الإداريين للمؤسسة حيث أدت إلى تقوية عزيمة الأساتذة وتمتين إصرارهم على المضي قدما بهدف الدفاع عن حقوقهم مهما كلفتهم هذه القرارات من ثمن.

من زاوية أخرى, فإن واجبات المهام التدبيرية والإدارية المعهودة إلى مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج, بخصوص ملف تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية بالخارج, تفرض عليها توجيه وتجنيد كل طاقاتها خدمة لقضايا اللغة والثقافة والمواطنة, وإدماج مجهوداتها وتسخير مواردها المادية والبشرية لتطوير وإنماء المنظومة التربوية بالخارج, وتوفير ظروف عمل كريمة ومحترمة للأساتذة, وفق ما تنص عليه مقتضيات قانون الوظيفة العمومية والنصوص التنظيمية والتشريعية المكملة له. وعوض ذلك, نجدها منهمكة في اتهامات يائسة لتغطية عيوب تدبيرها المالي المرصودة على صعيد الأجور والتعويضات والمساهمات في صناديق منظمات الضمان الاجتماعي, أو بصفة عامة لإخفاء فشلها الفظيع في تدبير ملف استراتيجي قد يفقد المغرب أجيالا عديدة من أبنائه بالخارج ويخسره موارد مستقبلية هامة, إن لم يتم الحسم في موضوعه.

العديد من الأساتذة وتمثيليتهم يدينون هذه الأفعال المروجة, في منظورها, لإدعاءات باطلة ولا مسؤولة حيث وصفتها بالشنيعة والناقضة للأعراف المهنية والقوانين الإدارية الوطنية. واعتبرتها تعاملا يمس بموقع وسمعة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج, وبالدور المنوط بها كهيئة عمومية تدبيرية محايدة وفوق كل اعتبار شخصي أو تدافع مؤسساتي.

هذه الاتهامات تزامنت مع تقديم ملفات قوية ومدعمة بحجج قاطعة إلى رئاسة الحكومة والمنظمات الحقوقية والمدنية المغربية بالرباط, من طرف مختلف تمثيليات الأساتذة, بهدف حث الفاعلين السياسيين والمدنيين المغاربة على تحمل مسؤولياتهم والقيام بالإجراءات اللازمة لوضع حد لانتهاكات وتعسفات هذا المسؤول وعونه, مدير بنية التربية, التبادل الثقافي, الرياضة والشباب بالمؤسسة. أفعال تم ضبطها إداريا في إطار رصد الأساتذة لما عرفوه بالاختلالات التدبيرية والاستعمالات المفرطة والمسيئة للسلطة الإدارية. هذه السلوكات لا تساعد على إصلاح المنظومة التربوية والثقافية المغربية بالخارج, وأن على الحكومة المغربية أن تدرك خطورة عواقب ما يقترفه المسؤول بالمؤسسة وعونه لأن ممارساتهما هاته لا تزيد الأوضاع إلا احتقانا وتأزما وتعقيدا. الحل هو الالتزام بروح ومنطوق مقتضيات الدستور, وتنفيذ جميع القوانين المغربية ذات الصلة بالحقوق الإدارية والاقتصادية والصحية والاجتماعية التي وضعها المشرع المغربي لحماية الموظفين المغاربة, في وضعية الإلحاق والتعاقد ورهن الإشارة بالخارج, من التهميش والإقصاء والتعنت والتحكم السلطوي.

أغلبية ساحقة من الأساتذة أكدت تعرضها المستمر لانتهاك حقوقها المالية والإدارية في حين يتم احتقارها وإهانتها ومعاملتها تحت التهديد بالإقالة أو إنهاء المهام مباشرة من طرف الكاتب العام للمؤسسة ومديره. وحسب المعنيين, تم التخلي عن خدمات عدد لا يستهان به من المدرسين المناضلين, في خرق تام للقانون الإداري المغربي وبدون أدنى تعويض. وفي أعين الكثير من هؤلاء, يزاول هذان المسؤولان مهاما غير مناسبة, في مناصب غير ملائمة, بالنظر لمبادئ الجدارة والاستحقاق والكفاءة والاختصاص المنصوص عليها تنظيميا في إطار التدابير الوزارية المتخذة لتسهيل عملية تنزيل الدستور المغربي الجديد.

وبخلاصة, نعتقد أنه قد غدا من الواجب على الحكومة المغربية, حتى تكون ذات مصداقية وفاعلية, فرض مقتضيات القوانين المغربية على مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج وإخضاعها لمبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة. سيما بعدما اتضح أن البند ال 11 من القانون التأسيسي لهذه المؤسسة أصبح متناقضا مع الدستور المغربي الجديد كونه يعفي مسؤوليها من مساءلة الدولة بخصوص تدبير المال العام, في حين أن الدستور الوطني يعتبرها ركيزة من أهم ركائزه. كما أنه لا يمكن بتاتا للمؤسسة أن تظل في وضعية لا حسيب ولا رقيب, خارج نفود الدستور المغربي, بفضل قانون تأسيسي متجاوز بمقاييس الديمقراطية والشفافية والحكامة الجيدة التي يعتمدها الدستور المغربي الجديد منطلقا وغاية.

وفي الختام, فإن المغرب في حاجة إلى تفعيل الآليات المتوفرة لديه أو إلى ابتكار ميكانيزمات مستقلة جديدة قادرة على افتحاص مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج ونظيراتها من المنظمات المكلفة لخزينة الدولة, وعلى التأكد من مدى احترامها لبنود الدستور المغربي. آليات من شأنها القيام بفتح تحقيقات فعلية في الاتهامات الموجهة إلى هذه المؤسسات من طرف الموظفين أو المستخدمين المنتمين إليها, وفي الجرائم الإدارية المنسوبة إلى مسؤوليها الإداريين في إطار المهام المنوطة بهم.

ليست هناك تعليقات: