السبت، 24 نوفمبر، 2012

مذكرات الصحفي المشاغب : خالد الجامعي : ...

التحقت بديوان وزير الثقافة

بغاية تغيير النظام من الداخل


شباب المهجر (حوار) -- قال إنه التحق بمجال الصحافة بعد أن يئس من تغيير النظام رغم ما رافق ذلك من تخل عن امتيازات الديوان. في مذكراته «متهم حتى تثبت إدانته»، يحكي الصحافي خالد الجامعي كيف ارتمى في عالم الصحافة تاركا جَمل وزارة الثقافة، التي كان يشتغل في ديوان وزيرها، بما حَمل، متنازلا عن السيارة والتحية العسكرية التي كانت «تُقرقب» له كل صباح.  ذات صباح من ماي 1973 سيقتاد الجامعي معصب العينين من مقر «لوبينيون» نحو المجهول، والتهمة: نشر صورة لطفل، لم يكن غير الأمير مولاي رشيد، إلى جانب بدويات يفترشن الأرض.../...

في «متهم حتى تثبت إدانته»، التي تنشرها «المساء» على حلقات، فصول مشوقة حتى الإيلام لصنوف من التعذيب، ومفارقات بالجملة لوجوه كانت تعبر زنزانة خالد الجامعي، طيلة ستة أشهر من اختطافه، فيما هو ينتظر الذي يأتي: الجلادون، والذي لا يأتي: الفرج. وبين كل «علقة» وأخرى يردد ما أوصاه به والده بوشتى الجامعي: «إذا اعتقلوك يا بني فتماسك، واحذر أن تتخاذل أبدا». في «متهم حتى تثبت إدانته» نتعرف على شخصية خالد الجامعي التي تجمع بين كارل ماركس وعلال الفاسي، على ما بينهما من تناقض. ويتوصل خالد الجامعي، أخيرا، إلى أن اعتقاله لم يكن بسبب صورة الأمير الصغير، بل بسبب اقترابه من شخصين مسجلين خطر: أبراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي.

كنت سنة 1968 في ربيعي الرابع والعشرين، شابا يانعا يعيش سعيدا بأحلام وردية كثيرة...

فبعد دراستي بكلية الآداب بالرباط، حيث كان أول عهدي بكتابات رولاند بارط وأندري مالرو وكارل ماركس، وكذا علال الفاسي، التحقت بنصيحة من هذا الأخير بديوان وزير الشؤون الثقافية آنذاك، المرحوم محمد الفاسي.

كنت أعتقد وقتئذ أن الثقافة قادرة لوحدها على تغيير العالم عموما ووطني على الخصوص. لذلك، كنت أحلم بثقافة وظيفية من شأنها أن تفتح أعين المواطنين على حقوقهم. ثقافة تتكفل بنشرها أساسا وسائل الإعلام السمعية البصرية لسد تلك الثغرة الكبيرة المتمثلة في استشراء الجهل والأمية.

نعم، كنت أعتقد بكل سذاجة بأني قادر على تغيير النظام من الداخل.

لهذا، فإن اشتغالي في وزارة الثقافة، لم يكن ليثير في نفسي أدنى إحساس بالندم، بل على العكس من ذلك، كان احتكاكي بالسيد محمد الفاسي فرصة فريدة من نوعها لتحصيل كثير من الفوائد، والاطلاع على العديد من مجالات كنت أجهلها بالمرة، كشعر الملحون مثلا وعصر ما قبل التاريخ...

غير أني سرعان ما استوعبت سريعا بأني عاجز عن تغيير النظام المخزني، وأني إذا لم أتشبث بالحيطة والحذر، فسوف أنتهي مبلوعا لا محالة في جوف هذا الغول المتربص الخطير.

فلم أجد من حل مناسب للحفاظ على أحلامي ومبادئي سوى الفرار ...


التمرن
كان لانقلاب الصخيرات الفاشل، أثر في تسهيل هذا «الفرار». ذلك أن محمد الفاسي، اقترح علي أن يتدخل لصالحي من أجل الانتقال إلى ديوان أحد المناضلين اليساريين، وأحد تلامذة والدي سابقا، السيد عبد القادر الصحراوي الذي كان قد عين على رأس وزارة الاعلام.

رفضت العرض، والتحقت بجريدة الرأي (لوبينيون) للإشراف على الصفحة الثقافية.

وهكذا وجدتني أفقد نصف راتبي الشهري، علاوة على سيارة المصلحة وعلى التحية  العسكرية التي كانت تؤدى لي أثناء الدخول والخروج من العمل.

أنشئت جريدة لوبينيون، لسان حال حزب الاستقلال، في سنة 1962 . وصدرت أول مرة تحت عنوان «الأمة الافريقية»، لكونها كانت تطمح أن تكون الناطقة باسم القارة الافريقية، أو بالتحديد، باسم حركاتها التحررية المتعددة آنذاك.

ولما خرج الحزب من الحكومة، أصبحت الجريدة مستهدفة من طرف النظام. فلم يرتح له بال إلا بعد أن قرر توقيفها... هكذا، بكل بساطة...

غير أنها لم تلبث أن ظهرت تحت عنوان جديد، «لوبينيون»، عنوانها الحالي.

وكما أن لكل جريدة فرسانها، فقد كان من بين فرسان لوبينيون، محمد برادة. رجل يتميز بهيئة ضخمة مثيرة، تزيدها إثارة عينان زرقاوان، وشوارب كثة غزيرة، مع سيجار مدسوس دائما في زاوية الفم، ولهجة حادة قاطعة كالسيف.

لقد كان محمد برادة من نوع الرجال الذي يلتف حوله الناس تلقائيا ويعجبون به بالقدر الذي يهابونه.

وكم كانت صيحاته الهائلة التي كان يطلقها عند احتدام غضبه مشهورة لدى الجميع. لذلك، لم يجهد العاملون في الادارة أنفسهم في ايجاد لقب يناسبه، فأطلقوا عليه لقب «ماو تسي تونك»، سيما بعد أن جعلت منه كتاباته النارية المتحدية للنظام عدوا لدودا للمخزن.

ولم يكن ليغيب عن باله وهو المتمرس في سلك المحاماة أنه مجرد أسير في حالة سراح، وأن المتربصين به لن يفلتوه أبدا، وأن المسألة مسألة وقت فقط.

وكذلك كان...

فقد وقع المحذور ذات يوم حين ألقي عليه القبض بتهمة المس بسمعة الجيش واتهامه لبعض قاداته بالارتشاء، فقدم على إثر ذلك إلى المحكمة وأدين بسنتين حبسا.

ولكن التاريخ لم ينس أن ينصفه...

وهذا المثل وحده يبرز بوضوح كبير صعوبة ما كان يعانيه الصحفيون من حصار مفروض على كتاباتهم وتضييق خانق على أفكارهم.

 من أجل هذا، كان الهاجس الوحيد لإدارة الجريدة هو أن تكون المقالات المنشورة مطابقة دائما للخط التحريري المرسوم من طرف الحزب.

وهذا ما ترتب عنه تسطير خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها، تماما كتلك التي وضعها النظام وتوعد كل من تخطاها بالويل والثبور.

 غير أن هذه الخطوط الحزبية الحمراء لم تكن تتسم دائما بالجمود كما كانت عليها نظيرتها المخزنية...

 كانت تتقدم مرة وتتقهقر أخرى تبعا لحرارة أو برودة العلاقة الظرفية التي تربط  الحزب بالقصر.

فعندما تكون العلاقة مشدودة متوترة، كان يطلب منا أن نكون أكثر جرأة في الهجوم والانتقاد. أما إذا كانت لينة مرنة، كالتي تكون عليها في حالة المفاوضات، فالمطلوب هو السلم والمهادنة بدعوى الواقعية السياسية.

وحقيقة الأمر، هو أن الجريدة كانت سلاحا سياسيا مندمجا في استراتيجية الحزب. إذ كان يعول عليها لتسويق أفكاره وتحديد مواقفه وتحقيق مصالحه إن على المدى القريب أوالمتوسط والبعيد.

من أجل ذلك كنا دوما في خدمة إدارة الحزب ولم نكن أبدا في خدمة القارئ.

فقد كان يطلب منا أن نكون أولا وقبل كل شيء، صحفيين مناضلين وليس مناضلين صحفيين، أي بمعنى أدق، أناس منضبطون انضباط العسكر المستعد دائما لتنفيذ الأوامر.

وكنا كلما نازعتنا رغبة إلى الانحراف عن تلك الخطوط الكهربائية الحمراء، نعاد بكيفية صارمة إلى الخط المرسوم كما تعاد الأغنام السائبة إلى الحظيرة الآمنة، وغالبا ما كانت تتخذ في حق المتمردين منا عقوبات قاسية رادعة .

لقد كان هذا شكل من أشكال الرقابة، وكان علي أن أتعايش معه وأتعلم فيه إتقان  فن التحايل والمراوغة.


الرقباء
في جريدة «لوبينيون»، عرفت الرقابة لأول مرة متمثلة في شرذمة من البوليس بزيها الرسمي والمدني.

شرذمة كانت ترابط دائما أمام بناية الجريدة مراقبة متربصة فاتلة عضلاتها من أجل الضغط على أعصاب الصحفيين وزرع الرعب في قلوبهم.

إن الرقابة الذاتية التي تشكل واحدة من أبشع الخروقات السافرة لحرية التعبير، لتعتبر في حد ذاتها عملية بتر يمارسها الصحفي على نفسه.

فليتصور أحدكم أنه يريد الكتابة في موضوع ما، فيجلس مركزا أمام صفحة بيضاء، يحملق فيها وتحملق فيه، فتتزاحم الأفكار في رأسه وتضطرب، وحين تهدأ وتصفو وتجد لها سبيلا فوق السطور عبر عبارات  مناسبة، يشتعل أمامك الضوء الأحمر، فيخرج لك الشرطي القابع في رأسك متجهما مهددا، ويمدك بمصفاة وغربال لتزدوج عندك الشخصية وتجعلك وأنت تحت نوبة من نوبات السكيزفرينيا، تنقلب إلى شخصين متعارضين، واحد مبدع خلاق، يرسم الأفكار ويلونها بألوان الكلمات، وآخر مغتال قتال، يتفنن في شنق تلك الأفكار ويمحو عنها آثار الألوان.

هكذا إذن كنا نصطدم دائما بتلك الخطوط الحمراء التي لم نكن نعرف ما هي بالتحديد لأنه لم يجرؤ أحد على تعريفها ولا تحديدها لنا إلى اليوم.

 وعليه، كان علينا أن نكد ونجتهد من أجل بلورتها ورسم حدودها وفي أعماقنا إحساس مرير بالدون والهوان لكوننا كنا نضبط أنفسنا متلبسين بتعذيب أنفسنا ونحن نمارس عليها نوعا عجيبا من العنف.

كنا مقتنعين بأن تلك الخطوط الحمراء إنما هي رمال متحركة لا تستقر أبدا على حال أو قرار، وأن كل محاولاتنا لضبطها وتحديد معالمها ستذهب سدى ما دامت  نتائجها ستكون في نهاية المطاف مغايرة للمفهوم الذي يريد أن يعطيه المخزن إياها.

والغريب العجيب فوق كل هذا، هو أننا كنا نعلم أن من نُصب علينا رقيبا كان هو بنفسه جاهلا تمام الجهل لماهية هذه الخطوط.

لذلك، فقد كان شغله الشاغل هو استقراء أفكار رؤسائه وتخمين ما قد يمكن أن يثير غضبهم، فيزيد على استنتاجه ذاك قدرا مهما من توابل الاندفاع والحماس لعله يكون عند حسن الظن، فيفوز بالرضا ويأمن من العقاب.

وقد كان قامعو الأفكار وجلادوها في سنوات الرصاص يتشكلون من فئتين اثنتين: فئة الموظفين الصغار التابعين لوزارة الإعلام.

وقد كانوا يقومون بعملهم بدون أدنى شعور بالذنب أو الحرج، وفئة «المثقفين» الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها ماسكين بزمام سلطة  واسعة كانت تخول لهم  تقرير ما ينبغي على المواطنين قراءته وعدم قراءته.

 وهؤلاء كانوا يشتغلون مدفوعين بغريزة الانتقام المشوبة بكثير من الضغينة والسادية.

وهكذا كنا قبل إصدار أي عدد من الجريدة، نطبع منها بعض النسخ ثم نرسلها إلى وزارة الاعلام وإلى مختلف المصالح الأمنية.

وقد كان موظف شاب بالمطبعة يدعى العوني، يأخذ نسخة ويذهب بها باحثا عن رجل الأمن المكلف بالرقابة. وعادة ما كان يجده في إحدى الحانات منكبا على كأس نبيذ يغرق في قعرها همومه، فيرغمه مجيء الموظف إليه للرجوع إلى مكتبه ثائرا مغتاظا وهو يلعن الصحافة والصحافيين الذين يعكرون عليه دائما  صفو نشوته.

وانطلاقا من هذه الساعة، كانت تبدأ عملية انتظار قد تطول أو تقصر حسب الظروف والأحوال. فإما أن يعطي المراقب موافقته فيطبع على النسخة بخاتم خاص، وإما أن يأمر بحذف عنوان أو مقال أو فقرة أو صورة، وفي هذه الحالة، كان غالبا ما يلتجأ إلى وزيره لاتخاذ القرارالأخير درءا لمؤاخذات قد تكون عواقبها غير محمودة.

فكان العوني يتوجه إلى إدارة الأمن الوطني لتسليم قرارالاذن بالطبع في حالة الموافقة. أما إذا كانت هنالك ملاحظات من قبيل إدخال تعديلات ما، فكان الشاب يرجع إلى إدارة الجريدة ويتصل بمديرها لاتخاذ قراره بقبول أو عدم قبول إجراء التعديلات.

فإذا رجح كفة القبول، كلف صحفي المناوبة إما بإعادة صياغة المقال وإما بحذفه نهائيا وتعويضه بغيره.

وبعد هذه العملية المملة الطويلة، كان على العوني المسكين أن يرجع من حيث أتى ليقوم بنفس الطواف الذي قام به في الأول. غير أنه في بعض الأحيان، قلما كانت تعجب الرقباء إعادة صياغة المقال، فكانوا يصدرون الأمر بمنع طباعة العدد، هكذا... بكل بساطة...

 وانطلاقا من هذه الساعة، كان يأتي دور رجال الأمن مع رجال الاستعلامات العامة المرابطين بصفة دائمة أمام مقر الجريدة يتقدمهم وجه معروف يدعى «با المكي»، فيشرعون بتفتيش العاملين في المطبعة تفتيشا دقيقا عادة ما كان يرفق باستعراض مبالغ فيه للقوة مع التلفظ بأفحش وأقذع العبارات القديمة والمستحدثة في قواميس الشتم والسباب.

----------------------
مذكرات خالد الجامعي
ترجمة -  أحمد المرزوقي
المساء




ليست هناك تعليقات: