الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

سيكولوجية اردوغان و”اطروحاته الطائفية” ..


شباب المهجر (مقال) بقلم: حمید حلمی زادة -- التصريحات الاستفزازية واحيانا اللامنطقية التي يدلي بها رئيس الوزراء التركي تارة ضد سوريا وحينا ضد العراق وطورا ضد مصالح الامة الاسلامية، باتت تسلط الضوء على “سيكولوجية السيد رجب طيب اردوغان” وروح التصادم والاقصاء والطائفية في شخصيته الذاتية والاعتبارية على حدّ سواء. فقد اظهر الرجل خلال العامين الماضيين تعصبا واستغلالا غريبين في تعامله مع الخلافات السياسية بالعراق من جانب، والازمة الداخلية السورية من جانب آخر، لكنه ابدى تطرفا مبالغا فيه بالنسبة للقضية الثانية حتى بلغ به الامر ان يتدخل مباشرة ويكون طرفا منحازا لفائدة الجماعات التكفيرية المسلحة ودعمها علنا بالتسليح والمعلومات اللوجستية والاستخبارية وملاذات عمليات حرب العصابات (الكروالفر)، والمجازر الجماعية الطائفية التي يرتكبها افراد هذه الجماعات انطلاقا من الاراضي التركية او الشواطئ المحاذية للحدود مع سوریا.../...

بيد ان اردوغان وعلى الرغم من انهماكه في الاشراف على اعمال الفوضى والاضطرابات واحتضان الاحزاب والفصائل السياسية المنسجمة مع “اطروحاته” والمعارضة لاستتباب الامن والاستقرار فی سوریا والمناهضة للاصلاحات والقرارات التي اطلقها رئیسها الدكتور بشار الاسد منذ اكثر من عشرين شهرا، لم يتجاهل موضوع الازمة السياسية في العراق . بل يمكن القول ان بعض المواقف التي اتخذها في هذا السياق فاقت فی خطورتها حتى التدخل العسكري ، ومنها ايفاده وزير خارجيته الى مدينة كركوك قبل شهور دونما أي تنسيق مع الحكومة المركزية برئاسة نوري المالكي، في خطوة اثارت عاصفة قوية من الغضب والاستياء والانتقادات الحادة داخليا وخارجيا، اضافة الى قيامه بمنح الجنسية التركية لنائب رئيس الجمهورية العراقية الهارب من وجه العدالة (طارق الهاشمي) المحكوم عليه بالاعدام غيابيا عدة مرات لادانته في جرائم قتل ارهابية طاولت شخصيات سياسية وعسكرية وامنية مرموقة وعادية في بلاد وادي الرافدين.

لقد برهن رئيس وزراء تركيا بمواقفه الاستفزازية هذه على نوایا سیئة و نكاية مقصودة بالعراق حكومة وشعبا، واصرار متعمد على تلغيم العملية السياسية والاوضاع الاجتماعية في هذا البلد الخارج منذ عام فقط من سيطرة الاحتلال الاميركي الاطلسي، بالحساسيات المذهبية والسلوكيات الطائفية التي اطفأ العراقيون سنة وشيعة نيران فتنتها السوداء وطردوا المرتزقة والعملاء الذين راهنوا عليها طويلا من مناطقهم، ليعيدوا بذلك السلم الاهلي والتوافق الوطني الى البلاد من اقصاها الى اقصاها.

وها هو السيد اردوغان يعودمن جديد لـ (العزف على الوتر الطائفي لاهداف سياسية) كماصرح بذلك السيد نوري المالكي في معرض رده على تصريحات رئيس الوزراء التركي التي اعتبر فيها “الحكومة العراقية حكومة شيعية طائفية تتلقى دعما خاصا”مضيفا انه ذاهب للولايات المتحدة ليس من اجل سورية فقط، بل ومن اجل تطورات العراق”.

الجانب الاخطر في تصريحات اردوغان والتي جاءت في اعقاب اعتقال مجموعة من الحرس الخاص لوزير المالية العراقي (الدكتور رافع العيساوي) مؤخرا بتهم ارهابية، هو وصفه الحكومة المركزية بانها “حكومة اقلية بالاصل” مشددا بذلك على انها “لا تمثل غالبية الشعب العراقي من العرب والاكراد والتركمان ومعظمهم من السنة”؟!!

واضح اننا نقف امام نموذج خطير في التفكير والعمل السياسيين، ذي مؤدى تدميري مخرب للعملية السياسية المتنامية بالعراق من جانب، وللتركيبة السكانية المتآلفة فيه منذ آلاف السنين من جانب آخر.

وقد يكون من حسن حظ الشعب العراقي ومن سوء حظه ايضا انه وبمختلف خصوصياته العرقية والمذهبية، دفع غالیا ضریبة المواقف والسلوكيات والخطب الطائفية،وذاق مراراتها قتلا و تشریدا واختطافا واعمال سلب و نهب ولصوصیة وجرائم منظمة، وناله ما ناله جراءها من اشكال الدمار والاحتقان والفرقة التی ضربت سحبا سوداء مرعبة على نسيجه السياسي والاجتماعي، وعلی السلم الاهلي والعلاقات الوطنیة في ارض النهرين الخالدين (دجلة والفرات).

بيد ان المثير للحيرة جدا هو انحدار رئيس الوزراء اردوغان الى هذا المستوى غير اللائق في خطابه السياسي الذي قزًّم به دور تركيا الاقليمي في الشرق الاوسط واجاز لنفسه التحدث باسم الشعب العراقي الابعد قدما في تاريخه من “حضارة الاناضول”، والسماح لنفسه ايضا بممارسة مهمة”مسؤول دائرة الاحصاء” على مستوى تحديد الاكثرية والاقلية “طائفيا” في بلاد وادي الرافدين، فضلا عن تشكيكه في الارادة الحرة للعراقيين جميعا، الذين اختاروا صناديق الاقتراع والحريات السياسية والعقائدية والثقافية، سبيلا لاعادة بلادهم الى حاضنة المجتمع الدولي، بعد 35 عاما من العزلة التامة، ودعم حكومتهم المنتخبة انتخابا ديمقراطيا للاخذ بالعراق الى المواقع المتقدمة في المحافل الاقليمية والدولية.

ومن المفيد ان نقرر هنا ان السيد رجب طيب اردوغان خوّل نفسه صلاحيات واسعة النطاق تجاه العراق وسوريا في آن معا، لم يمنحه اياها حتى شعبه في تركيا، وفي هذا دلالة واضحة على ان زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس حكومة انقرة یدس انفه في ما لایعنیه ، دون أی وجه حق، وهو قد فوض نفسه إما تلقائيا او بواسطة اميركا (عبر حلف الناتو) او بتحریض من اضرابه و شركائه في التطرف والطائفية والتعصب بالسعودية وقطر والامارات ، لـممارسة “دور الوصي” على بغداد ودمشق، وتفصيل ما هو الاصلح لهما وفقا لسيكولوجيته الشخصانية واطروحاته التمزيقية.

--------------------------

ليست هناك تعليقات: