الجمعة، 14 ديسمبر 2012

دستور أم خطة اختطاف مصر؟


شباب المهجر (مقال) بقلم: د. عمار على حسن -- ما يعرض على الناس كى يقولوا له «لا» أم «نعم» الآن ليس دستوراً بالمعنى المتعارف عليه فى تاريخ الأمم، بل هو ترجمة قانونية ركيكة لخطة التمكين التى وضعتها جماعة الإخوان فى تسعينيات القرن المنصرم، وظلت سنوات تحلم بتحققها عبر التدرج البطىء والحذر، إلى أن جاء شباب مصر وأزاحوا نظام مبارك ففتحوا الباب واسعاً أمام الجماعة المترقبة فى انتهازية مفضوحة لتنفذ خطتها بعد أن هددت العسكريين قليلا، ثم ها هى تُحيدهم بمنحهم صلاحيات ومزايا أكبر فى «مشروع الدستور»، بعد أن أقام الإخوان الدنيا ولم يقعدوها ضد «وثيقة السلمى»، لأنها ستجعل الجيش دولة داخل الدولة، وعرفنا الآن أن اعتراضهم لم يكن مبدئياً، إنما لأنهم أرادوا هم أن يمرروا هذا الأمر للعسكريين فى محاولة للتقرب منهم والتودد إليهم إلى حين، وفق سياستهم المعهودة المتراوحة بين «التمسكن» و«التمكن».../...

إن مشروع الدستور هذا الذى أصروا على أن يستأثروا به، أو يخطفوه بليل، يبدو فى ظاهره «وثيقة» لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية فى بلدنا، لكن من يمعن النظر فى بعض مواده، أو فى بنيته الكلية- والدساتير تقرأ كوحدة واحدة- يدرك أنه دستور وضع لترتيب السلطة لصالح جماعة الإخوان إلى أن تتمكن تماماً من تنفيذ مخططها القديم بالسيطرة التامة على الدولة المصرية، كى تصبح فى نهاية المطاف مجرد «وحدة دولية» فى مشروع لإمبراطورية متخيلة أو مستعارة من القرون الفائتة تمتد من غانا فى غرب أفريقيا إلى وادى فرغانة فى آسيا الوسطى، بل تتعدى هذا إلى «أستاذية العالم» كما يعتقد الإخوان.

فالدستور هندس الانتخابات التشريعية المقبلة على مقاس الإخوان من خلال تغيير قواعد اللعبة فى التوزع بين النظامين الفردى والقائمة، مع تعديل عدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا وإعطاء الرئيس حق تعيينهم، ورتب لمجلس الشورى «المحصن»، الذى لم ينتخبه سوى أقل من 7% من المصريين، حق التشريع إلى أن يأتى مجلس النواب، ثم يشاركه هذا الحق مستقبلاً، وأعطى الرئيس حق حل البرلمان، فإن أتى على غير هوى جماعته لن يفعل سوى اتخاذ قرار بعد منتصف الليل ثم يظهر بعد عصر اليوم التالى ليخطب فى الناس عن الظروف القاهرة والأسباب الحتمية التى دفعته إلى اتخاذ هذا القرار.

وناهيك عن أن الدستور يفتح نافذة أمام الإخوان لتغيير «لون العلم» و«النشيد» و«شعارات الدولة»، فإنه يفتح باباً وسيعاً للقضاء على الكثير من مكتسبات الدولة الحديثة التى بدأت مع محمد على، عبر إقحام الدولة بل المجتمع فى رعاية «الفضيلة والأخلاق»، وبعد أن كانت هذه المسألة منوطة بمؤسسات يحددها القانون، مثل المساجد والكنائس والمدارس والجمعيات الدعوية الأهلية، بات من الممكن لأى مجموعة أو تنظيم أو حتى فرد أن يمارس «الحسبة» على الآخرين، مطمئناً إلى أن الدستور يحميه. وتدريجيا سيقوم الإخوان أنفسهم، وليس غيرهم، بهذا الأمر.

وكثير من مواد الدستور أحالت إلى «القانون» ومن ثم فإن اعتماده سيعطى الرئيس، الذى يمتلك حق التشريع الآن، أن يصدر ما شاء من قوانين، وستعرض على البرلمان عقب التئامه ليواصل هو الرحلة إلى ترتيب أحوالنا ومعاشنا على مقاس الأفكار التى تدور فى رأس قادة الجماعة، التى هى فى أغلبها الأعم مستندة إلى ميراث سيد قطب الذى يعزز الاستبداد الدينى والدنيوى والتكفير، ويرمى المختلفين معه فى الرأى بالجاهلية، ويتيح لتابعيه أن ينعزلوا شعورياً عن غيرهم، ويتعالوا عليهم.

إن ما قيل عن الأخونة، بوضع كوادر الإخوان فى المناصب العليا بالدولة، رغم ضعف إمكانياتهم وعدم استحقاقهم وغياب جدارتهم، هو مجرد فرع من فروع مشروع التمكين هذا، الذى يرمى إلى نشر أفكار الجماعة وترسيخها عبر المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، ربما عنوة كما فعل الفاطميون فى القرون الوسطى من خلال نشر المذهب الشيعى، وذلك من الناحية الشكلية بالطبع وليس من ناحية المضمون، أو ما حاول أن يفعله الرومان بمذهبهم ضد المسيحيين المصريين فى الزمن القديم، وقاوموه بضراوة فى عصر الاستشهاد، وذلك أيضا على سبيل المضاهاة الإجرائية. ولا غرو فى ذلك فمن يحلل كتابات الإخوان وتصريحاتهم وتعاليمهم وأناشيدهم وطقوسهم ورموزهم وشعاراتهم يتبين له أنهم يدركون أنفسهم على أنهم «طائفة»، تختلف عن بقية المسلمين، ولم يكن صبحى صالح يسخر أو يمزح حين قال «بناتنا الأرقى». وفى الدستور عشرات المواد التى تمهد إلى هذا السبيل، وما يتعارض معه الآن، سيتم تغييره إن تمكن الإخوان من أغلبية البرلمان القادم. مع الأخذ فى الاعتبار أنهم سيسعون بكل قوة إلى أن يكون تداول السلطة عملية شكلية، بمعنى أن يتم داخل الجماعة وليس خارجها، فيذهب رئيس إخوانى انقضت مدته ليأتى غيره، سواء بالتلاعب فى قواعد المنافسة أو تزييف إرادة الأمة أو أى إجراءات استثنائية.

إن كل هذا يفرض على المواطنين أن يفكروا طويلاً أمام هذا الدستور، فمن أراد منهم أن يساهم فى اختطاف الدولة فليصوت بـ«نعم» وليكذب على نفسه ويصدق السخافات التى تربط بين الموافقة ودوران عجلة الإنتاج وتحقيق الاستقرار، فالدستور سيعطى أرضية للتنازع وليس للتصالح، أما من أراد أن يقى الدولة شر الاختطاف، علاوة على غبنه من الصلاحيات المفرطة للرئيس والعدوان على القضاء وهضم حقوق الفقراء، فيقول بملء إرادته: لا.. لا .. لا.

------------------------------
د. عمار على حسن 
 

ليست هناك تعليقات: