السبت، 26 يناير 2013

الثورة المصرية بعيون المخلوع مبارك ..

حسابات الداخل

 وتسليط الضوء من جديد على الأيام 18

التي أطاحت بفرعون مصر


شباب المهجر (تقرير) من ديفيد كينير (DAVID KENNER) / مجلة "فورين بوليسي": القاهرة - في 19 يناير 2011، ونظام حسني مبارك قوي وواثق، استضاف الرئيس المصري مجموعة من الرؤساء العرب في منتجع شرم الشيخ، تم إجلاء مئات من عمال البناء من المنطقة، خشية أن يفسدوا المشهد. ولكن الذين كانوا يستمعون بحذر لاحظوا الإشارات الأولى للغضب. وكان على وزير الخارجية التونسي أن يعود سريعا إلى بلده قبل ساعات من افتتاح القمة، لمعالجة تداعيات ثورة أطاحت برئيسه الدكتاتور بن علي. في وقت كانت صفحات الفيسبوك المصرية تنشر فيه أخبار المظاهرات في 25 يناير، والتي تتطلع لتكرار مشاهد الثورة التونسية في شوارع القاهرة.../...

حين اقتربت القمة من نهايتها، سارع مبارك إلى المطار لتوديع كبار الشخصيات الأجنبية، وتبعه كل من وزير الخارجية المصري آنذاك أحمد أبو الغيط وعمر سليمان، رجل مبارك القوي. سأل أبو الغيط سليمان ما إذا كان قد أثار موضوع الاحتجاجات المحتملة مع الرئيس، أجاب رئيس المخابرات أجاب بأنه ترك مبارك وحده خلال القمة، ولكن حان الوقت لمناقشة هذه القضية.

عندما غادر آخر المشاركين من كبار الشخصيات، اقترب سليمان من الرئيس وقال له إن لديه موضوعا في غاية الأهمية لمناقشته. وهكذا علم مبارك بالانتفاضة التي أزاحته من السلطة في غضون أسابيع قليلة.

في ذلك الوقت، كان مبارك في حيرة. "الرئيس لم يُظهر الكثير من الاهتمام"، كتب أبو الغيط في مذكراته التي نشرت مؤخرا (شهادتي). عندما اقترح سليمان لقاء مع كبار المسؤولين لتنسيق طريقة التعامل مع والرد على الاحتجاجات المحتملة، فإن مبارك "لم يستجب، ولم يتفاعل"، بطريقة فهمنا، ضمنا، أنه يشعر بالقلق.

بعد عامين من احتجاجات 25 يناير، فإن زمرة صغيرة من المسؤولين المحيطين بمبارك بدأت تتحدث علنا عن المناقشات داخل الحكومة المصرية في وقت كانت الثورة قد أحاطت بهم.

وبالإضافة إلى ما قصه أبو الغيط، روى كبار المسؤولين المصريين شهادتهم عن الاضطرابات، سجلها الصحفي الأمريكي "برادلي هوب" في كتابه "أيام فرعون الأخيرة" (وهو ممن التقوا مبارك عدة مرات خلال الأسبوع الأخير قبل سقوط النظام المصري). وكلتا الحكاتين تقدمان لمحة عن التوترات في أعلى هرم نظام مبارك، والسبب في فشل محاولات سحق حركة الاحتجاج.

مبارك، في جميع قصص المسؤولين السابقين، يُصور كشخصية سلبية إلى حد كبير، الزعيم الذي كان تحت رحمة آخر شخص يقدم له المشورة له. "الرئيس كبير السن، وبالتالي فهو يعتمد على رؤية جمال مبارك"، كما كتب أبو الغيط، في إشارة إلى نجل مبارك الأصغر، الذي كان نشطا بشكل واضح في القصر الرئاسي منذ بداية الانتفاضة. جمال، كما أضاف أبو الغيط: "يبقى معه [الرئيس] في كل الأوقات في القصر أو في المنزل".

يمكن أن تكون مثل هذه التفسيرات محاولة من جانب مسؤولين رفيعي المستوى لإبعاد التهمة عن الدولة المصرية وتحميل المسؤولية لمنافسيهم البيروقراطيين. لكن الروايات تتفق بشكل ملحوظ: حسام بدراوي، آخر أمين عام للحزب الحاكم، قال للكاتب "برادلي" إنه أقتنع مبارك بالتخلي عن السلطة يوم 9 فبراير، لكن الرئيس نقض قراره بعد أن واجه جمال (ابنه) وغيره من أعضاء دائرته الداخلية. وقال إنه لان بعد ذلك بيومين.

وتواصلت إدارة الرئيس باراك أوباما مع (وزير خارجية مبارك) أبو الغيط في عدة مناسبات للتعبير عن وجهات نظرها بشأن الكيفية التي ينبغي لنظام مبارك التعامل بها مع الأزمة.

وزير الخارجية المصري يعتقد أن حكومة الولايات المتحدة كانت تحاول جيدة نهج سياسة الشرطي الجيد والشرطي السيئ: "بدا البيت الأبيض صارما للغاية ضد الحكومة، بينما كانت [وزيرة الخارجية هيلاري] كلينتون ووزارة الخارجية تظهر بعض المرونة"، كما قال أبو الغيط لسليمان. وأجاب مدير المخابرات: "هذا توزيع التقليدي للأدوار".

ومع تزايد زخم الثورة، وصف أبو الغيط شلل النظام بسبب الصراع الداخلي: في يوم 31 يناير، حضر أداء اليمين لرئيس الوزراء الجديد، أحمد شفيق، وهو رجل ذو خلفية عسكرية جيء به لاستعادة النظام. مبارك، كما يقول، كان هادئا ويشعر بالملل: "لقد تظاهر بأنه مشغول جدا بقراءة بعض الصحف".

ومع ذلك، كان ثمة أطراف أخرى تناور بالفعل لحماية مصالحها.

وفي هذا، أبلغ محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع حينئذ ورئيس المجلس العسكري لاحقا الذي سيحل محل مبارك، أبو الغيط في حفل مراسيم بأن الجيش لن يضحي بسمعته للحفاظ على حكم مبارك.

"قال لي بعض إن الناس يتحدثون عن استعمال الجيش للقوة للسيطرة على الوضع"، كما تكلم طنطاوي بصرامة، وفقا لأبو الغيط. "وقلت من جانبي إن الجيش لن يضرب الشعب في كل الأحوال، وإلا فإنه سوف يفقد شرعيته".

وفي الوقت نفسه، كان جمال قد عقد العزم على حماية سيطرة مبارك على السلطة، ومهما كان الثمن. وكان جمال يعتقد على نطاق واسع أنه صمم الرئاسة لنفسه، رغم أن الديكتاتور الهرم نفى سيورث السلطة لابنه جمال: "هل تعتقد أنني مجنون؟"، كما كتب أبو الغيط نقلا عن مبارك، وأضاف على لسانه: "أضع ابني ... ابني ... في هذا السجن؟ مستحيل".

وفي الوقت الذي لعب فيه جمال دورا قويا وبلا منازع من وراء الكواليس، قاوم مبارك الجهود المبذولة لعرضه (ابنه جمال) على الرأي العام.

وكتب أبو الغيط أنه اقترح على الرئيس في عام 2010 أن يترشح جمال لمقعد في البرلمان. في ذلك الوقت، فازت جماعة الإخوان المعارضة بما يقرب من 20 في المائة من مقاعد البرلمان مع ما تعرضوا له من إكراه، رغم أن انتخابات عام 2010 كان يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها مزورة.

"هذا هراء"، رد مبارك بشدة: "سوف يُقطع إلى قطع، ألا تعلم ما يحدث في البرلمان؟".

في 1 فبراير، ومع عجز قوات الشرطة للسيطرة على الاحتجاجات الضخمة، ألقى مبارك خطابا في وقت متأخر من الليل، مُعلنا أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسة ثانية. "[الخطاب] كان في وقت متأخر ... بعد فوات الأوان ... وبعد ذلك سقطت نائما"، كما كتب أبو الغيط، عاكسا حالة إحباط العديد من المتظاهرين. استيقظ وزير الخارجية بعد ذلك على مكالمة هاتفية من جمال، الذي قال إن الخطاب قد أثار "روحا جديدة" وتعاطفا شعبيا مع مبارك.

غير أن جمال قد بالغ في تقدير التغيير. في يوم 2 فبراير، كان أبو الغيط متخففا في مكتبه في وزارة الخارجية عندما نظر من النافذة ليرى الحشد، تتخلله الخيول والجمال، باتجاه ميدان التحرير. رن هاتفه: "هم في طريقهم لحرق البلاد". صاح أحد الأقارب: "وحدة مصر في خطر!".

كان ذلك بداية لمعركة الجمل، وهي محاولة فاشلة من قبل الموالين للنظام لفض التظاهرات في ميدان التحرير بأي طريقة. وخلف الهجوم بالخيول والجمال، فضلا عن الهجمات بالحجارة وقنابل المولوتوف، 11 مصريا قتيلا وإصابة أكثر من 600.

لكن الهجوم يمثل أيضا بداية النهاية لنظام مبارك. اتصل أبو الغيط باللواء عمر سليمان على السريع لمناقشة سفك الدماء في التحرير. واتفقا على أن الرئيس ما عاد لديه الآن من خيار سوى التنحي. ومع ذلك، قال سليمان إنه لا يستطيع أن يقول هذا علنا، لأنه سيُتهم بإزاحة مبارك ليصعد هو للرئاسة.

من هذه النقطة، اتسعت بسرعة الكسور داخل النظام المصري. وروى أبو الغيط محادثته مع سليمان، حيث نقل عن رئيس المخابرات قوله: "كانت هناك خطة حقيقية" لتنصيب جمال رئيسا للبلاد، ولكن "أجهزة الأمن القومي لن توافق على هذا"، ولن يعمل لحساب جمال. وأضاف: "إنهم يريدون التخلص مني، وبذلوا الكثير من الجهد في هذا الصدد"، أضاف سليمان. ويعتقد أبو الغيط أن سليمان كان يشير في هذا إلى زوجة مبارك، سوزان.

وربما احتوت المحادثة أيضا على إشارة لفهم لماذا نُحي سليمان جانبا من طرف المؤسسة العسكرية بعد سقوط مبارك. ورأى رئيس المخابرات أن هناك خلافا بينه وبين طنطاوي حول جمال، قائلا إن مبارك الابن في حال أصبح رئيسا: "فإن طنطاوي هو الوحيد الذي سيعمل معه".

وعلى أية حال، فإن تصريحات سليمان بشأن إلقاء اللوم على أطراف أجنبية في إشعال الانتفاضة والادعاء أن مصر ليست مستعدة للديمقراطية، جعلاه لا يحظى بشعبية كبيرة بين المتظاهرين، وعائقا أمام أي حكومة انتقالية.

مع تطور الأحداث، في 9 فبراير، لم يكن بالإمكان الدفاع عن موقف مبارك. عند هذه النقطة، بدراوي – وبتزكية من اللواء سليمان-، اجتمع مبارك بشكل انفرادي، ليصارحه: "سيدي الرئيس، أرى أمامي صورة تشاوشيسكو [نيكولاي]"، في إشارة إلى الدكتاتور الروماني، وهو صديق سابق لمبارك، الذي كان قد أعدم رميا بالرصاص أثناء الثورة المناهضة للشيوعية في البلاد.

"هل تعني أنهم ذاهبون إلى قتلي؟"، كما سأل الرئيس.

"ربما، نعم"، رد بدراوي.

"أنا مستعد للموت من أجل بلدي"، قال الرئيس.

وفقا لبدراوي، اختار مبارك الطريق الأفضل: وافق على تفويض السلطة لسليمان ومهد الطريق لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. غير أنه سرعان ما قوض جمال مبارك وباقي الموالين في دائرة الرئيس الداخلية الضيقة هذا المسار للخروج من الأزمة.

وحتى مع انهيار النظام، أقدم جمال على محاولة أخيرة للحفاظ على حكم والده. يوم 10 فبراير، أعلن مبارك أنه سيوجه خطابا آخر، وقد كان من المتوقع على نطاق واسع أن يعلن استقالته.

"لقد فات الأوان ... فات الأوان"، كما كتب أبو الغيط. "وبعد ذلك جاء البيان، لكنه لم يحمل أي شيء جيد في ذلك الوقت. وفهمت بعد ذلك أن نجل الرئيس كان يحاول صياغة البيان، بحيث يرضي الجميع".

وصُدم المتظاهرون المصريون من محاولة مبارك التشبث بالسلطة، ونزلوا إلى الشوارع بأعداد ضخمة يوم 11 فبراير، وأُطلق عليه اسم "جمعة الرحيل".

وقال أبو الغيط إنه قضى الصباح في الاتصالات الهاتفية مع سليمان وشفيق، في محاولة للتفاوض حول رحيل مبارك. وأخبره سليمان بأن الرئيس سينسحب إلى قصره في شرم الشيخ، أين علم لأول مرة بحركة الاحتجاجات في ذلك اليوم قبل صلاة الظهر.

في محاولة لإنقاذ الموقف، استدعى سليمان أبو الغيط إلى اجتماع في قصر الاتحادية بالقاهرة في الساعة 1 ظهرا. وكان القصر آنذاك محاصرا من قبل المتظاهرين، وقد حذر من إمكان اقتحامه في أي لحظة، وكان على المسؤولين الانتقال إلى قاعدة عسكرية قريبة. "وأخيرا توصلت استنتاج منطقي: إن العالم قد تغير"، كما كتب أبو الغيط.

وقد كشفت المحادثة الثلاثية بين مبارك وسليمان وطنطاوي عن خلافات بين كبار المسؤولين الماسكين سابقا بالحكم. وكان سليمان أول من تلقى اتصالا من مبارك، الذي نُقل في ذلك الوقت إلى شرم الشيخ، وأمره الرئيس حينها أن يقول للمشير طنطاوي إنه قد منحه سلطة الإشراف على إدارة البلاد.

وعندما علم وزير الدفاع آنذاك (طنطاوي) بالأمر، رفضه: "فهمت من المكالمة الهاتفية بأن طنطاوي لا يريد وضع الجيش في السلطة"، كما كتب أبو الغيط.

ثم قال سليمان لمبارك إنه في حاجة إلى أن يطلب ذلك بشكل مباشر من طنطاوي. في نهاية المطاف، اتجه سليمان وشفيق إلى وزارة الدفاع لإبلاغ قائد الجيش بمنصبه الجديد. وبعدها أعلن سليمان أولى الخطوات المترددة في مستقبل مصر ما بعد مبارك.

ليست هناك تعليقات: