الخميس، 17 يناير 2013

المغرب: صناديق التقاعد مثقوبة ..

الحل ليس في رفع سن التقاعد

 بل في البحث في أسباب افلاسها


شباب المهجر (مقال) بقلم: رشيد نيني -- بفتحه ملف التقاعد في المغرب يكون رئيس الحكومة وضع يده في جحر الزنابير الذي تجنبت كل الحكومات السابقة المغامرة بدس أصابعها داخله. كل الأرقام المهولة والمخيفة المتعلقة بصناديق التقاعد التي قدمها رئيس الحكومة أمام مجلس المستشارينصحيحة. وإذا لم تتخذ الحكومة إجراءات وتدابير صارمة وعاجلة سيجد المتقاعدون أنفسهم بدون تقاعد. وحسب رئيس الحكومة فليست هناك حلول سحرية لإنقاذ صناديق التقاعد من الإفلاس. فالحل يوجد بيد الموظفين الذين مازالون يشتغلون ويساهمون شهريا في هذه الصناديق. مما يعني أن رفع سن التقاعد ونسبة المساهمة في صناديق التقاعد هو الحل الوحيد لتفادي الكارثة.../...

هذا ليس صحيحا. هناك حلول أخرى لم يشر إليها رئيس الحكومة. كما أن هناك أسبابا أخرى لإفلاس هذه الصناديق لا أحد يريد أن يتحدث عنها.

يعرف رئيس الحكومة أكثر من غيره أن صناديق التقاعد مجبرة على إيداع مدخراتها لدى صندوق الإيداع والتدبير مقابل نسبة أرباح سنوية محددة لكل صندوق على حدة.

وإذا كان "الصندوق المغربي للتقاعد"CMR يحصل على نسبة أرباح سنوية على ودائعه لدى صندوق الإيداع والتدبير تعادل 6،09 في المائة، فيما يحصل "النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد" rcar على نسبة أرباح سنوية تصل إلى 6،07 في المائة، و 10،68 في المائة بالنسبة إلى الصندوق المهني المغربي للتقاعد CIMR، فإن النسبة السنوية للأرباح التي يحددها صندوق الإيداع والتدبير بودائع صندوق الضمان الاجتماعي لا تتعدى 3، 81 في المائة.

وبالتالي فإن أضعف نسبة أرباح سنوية على الودائع لدى صندوق الإيداع والتدبير هي تلك التي يحصل عليها صندوق الضمان الاجتماعي.

وإذا عرفنا أن مجموع الأموال التي يضعها الصندوق سنويا لدى إمبراطورية "بلاص بيتري" يصل إلى عشرة مليارات درهم، أي ألف ملياؤ سنتيم، بالنسبة إلى الذين مازالوا يحسبون بالسنتيم، وعرفنا أن القانون يجبر صندوق الضمان الاجتماعي على وضع أموال زبنائه بشكل حصري في صندوق الإيداع والتدبير، فسوف يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط للغاية، وهو لماذا لا ينقذ رئيس الحكومة صناديق التقاعد، خصوصا صندوق الضمان الاجتماعي والصندوق المغربي للتقاعد، بتمكين إدارات هذه الصناديق من الحق في استثمار مدخرات زبنائها في المشاريع التي ترى أنها ستعود عليها بالربح، عوض إجبارها على الخضوع لنسب الفوائد السنوية التي يحددها صندوق الإيدا والتدبير.

في فرنسا، حيث جوبهت الحكومة بنفس مشكل صناديق التقاعد الذي يواجه حكومة بنكيران اليوم، لدى صناديق الضمان الاجتماعي الحرية في استثمار مدخرات المنخرطين في المشاريع التي تنسجم مع الرؤية الاستثمارية لهذه الصناديق. وليس هناك ما يجبرها على التعامل بشكل حصري مع صندوق الإيداع والتدبير، الذي بالمناسبة يخضع سنويا عندهم لمراقبة المجلس الأعلى للحسابات، وللسلطة التشريعية ممثلة في الجمعية الوطنية، وليس رئاسة الحكومة كما هو الحال عندنا.

عندنا نحن كان يجب انتظار أكثر من نصف قرن على تأسيس صندوق الإيداع والتدبير لكي يقرر أخيرا رئيس المجلس الأعلى للحسابات إرسال قضاته لمراقبة حسابات ومصاريف الصندوق العجيب، الذي رغم المليارات التي يتصرف فيها مازال يقبل بمنح صفقة حراسة مقره لشركة تدفع 2100 درهم راتبا شهريا لحراسها، دون احترام للحد الأأدنة للأجور.

والواقع أن الوقت قد حان لمراجعة كل المشاريع التي استثمر فيها صندوق الإيداع والتدبير مدخرات صناديق التقاعد، خصوصا أن هذه الأموال تبقى أموال دافعي الضرائب ومن حقهم أن يعرفوا أين تم صرف فوائدها. وعندما نلقي نظرة سريعة على نوع المشاريع التي استثمر فيها صندوق الإيداع والتدبير مدخراته، نلاحظ أن أغلبها مشاريع تدخل ضمن المشاريع السياحية الفخمة التي تعتبر غير مضمونة من ناحية العائدات والأرباح. فيكفي أن يتعرض قطاع السياحة لفترة ركود، وهو ما يحصل حاليا، لكي تتوقف هذه المشاريع وتصبح عالة على الصندوق عوض أن تكون رافعة له.

ويكفي أن نعرف أن المبلغ الإجمالي الذي استثمره صندوق الأإيداع والتدبير في المشاريع السياحية والعمرانية والتي انخرط فيها يصل إلى حوالي 650 مليار درهم، أو 6500 مليار سنتيم. بمعنى أن المبلغ الذي استثمره صندوق الإيداع والتدبير يفوق المبلغ الذي منحه صندوق النقد الدولي للمغرب في الخط الانتمائي المفتوح، والذي وعد رئيس الحكومة بعدم استعماله.

ويبدو أن عمل قضاة إدريس جطو سيكون كبيرا ومعقدا داخل صندوق العجب هذا. غير أن مسحا أوليا قد يفيدهم في تفقد أسباب تعثر بعض المشاريع السياحية التي مازالت تراوح مكانها، والتي راهن الصندوق بمليارات الدراهم على إنجازها.

هناك مشروع" الشريفية "السياحي بمراكش، حيث الفنادق وحفر الغولف، والذي رصد له صندوق الإيداع والتدبير مبلغ 4،6 مليارات درهم. وهناك مشروع"إكوبارك سمير" السياحي بالمضيق ، الذي رصد له الصندوق 80 مليون درهم، وهناك مشروع "فندق كرابو" بالمضيق، الذي رصد له الصندوق مبلغ 122 مليون درهم، وهناك مشروع "واد شبيكة" بطانطان الذي رصد له الصندوق 6،8 مليارات درهم، والذي أصبح عادل الدويري، وزير السياحة أنذاك، عضو في مجلس إدارة شركة "أراسموس" بعد أن منحها الصفقة، وهناك مشروع"واد فاس" الذي رصد له الصندوق 600 مليون درهم. وهناك مشروع "عبدونا طريفة" بالناظور الذي رصد له الصندوق ميزانية قدرها 8 مليارات درهم. زهناك مشروع"كازا غرين تاون" الذي رصد له الصندوق ميزانية قدرها 9 مليارات درهم. وهناك مشروع"مارينا الدارالبيضاء" الذي رصد له الصندوق ميزانية قدرها 5 مليارات درهم.

وهذا جزء بسيط من المشاريع السياحية الفخمة التي رصد له صندوق الإيداع والتدبير ميزانيات بمئات المليارات من الدراهم. وهي كلها مشاريع تتضمن فنادق خمسة نجوم بالاص وملاعب للغولف ومارينا لرسو اليخوت وخدمات صحية وترفيهية موجهة إلى الأأثرياء وسياح الدرجة الأاولى.

المشكلة الوحيدة بالنسبة إلى المشاريع التي ذكرنا أعلاه هي أن إنجازها مازال متعثرا، رغم كل الميزانيات التي رصدت لها. كما أنه ليس هناك ما يدل على أنها ستكون مشاريع مربحة في حالة إنهائها، لأن السياحة الوطنية تعرف تراجعا واضحا وركودا غير مسبوق.أما مليارديرات المغرب فيفضلون امتلاك سكن في المنتجعات السياحية، لكن خار المغرب.

والسؤال الذي يبدو أن رئيس الحكومة تهرب من طرحه بخصوص معضلة صناديق التقاعد، هو ماذا كانت ستكون عليه أرباح هذه الصناديق لو أنها لم تكن مجبرة على إيداع مدخرات زبنائها لدى صندوق الإيداع والتدبير؟

والسؤال الثاني، والأهم، هو كم كانت ستكون أرباح صندوق الإيداع والتدبير لو أنه استثمر مجموع مبالغ صناديق التقاعد المودعة لديه، والتي وصلت إلى 6500 مليار سنتيم، في مشاريع مدرة للدخل والثروة عوض المقامرة، عفوا،"المغامرة"، بها في بناء الفنادق وحفر الغولف والمشاريع السياحية الفخمة غير مضمونة الأأرباح وجلها متعثر؟

إذن ليس تمديد سن التقاعد وإجبار المغاربة الكادحين على العمل إلى حدود 65 سنة، مع إنهاكهم بالرفع من نسبة مساهمتهم الشهرية، هو الحل الوحيد لإصلاح أنظمة التقاعد.

هناك حلول أخرى. أهمها تحرير صناديق التقاعد من إجبارية وضع مدخراتها لدى صندوق الأإيداع والتدبير، أو على الأأقل إجبار صندوق الإيداع والتدبير على رفع نسبة الفائدة السنوية لفائدة هذه الصناديق.ثم امتلاك رئيس الحكومة الشجاعة السياسية للقيام بإصلاح داخلي عميق لصندوق الإيداع والتدبير لمديرياته 12، ومتصرفيه التسعة، وفروعه 103 التي تبدأ من البناء والخدمات والسياحة وتنتهي في الغابات ومواقف السيارات.

على رئيس الحكومة أن يوجه عبارة"مكاتخلعونيش" التي قالها للمعارضة في مجلس المستشارين نحو "إمبراطورية بلاص بيتري" عندها فقط سنعرف أنه "مامخلوعش منهم بالصح".

وكما قال"لويز باولز"فإن الدواء الوحيد ضد الخوف هو الشجاعة.

ليست هناك تعليقات: