الثلاثاء، 29 يناير 2013

توقعات الربيع العربي ومحاكمات "حسم" ...

تحوّلات القوة في السعودية


شباب المهجر (مقال) يقلم: * الباحثة نورا عبد الكريم -- في أعقاب الربيع العربي، كانت هناك مقترحات تفيد بأن صورة الشرق الأوسط قد تحسّنت، بحسب منظومة باطنية من المعايير، وأن لا حاجة لتبديد التصورات النمطية. أعتقد بأن ذلك خطأ، الإطار حول الشرق الأوسط، بصورة عامة لم يتغيّر. المستشرقون وعدسات الاسلاموفوبيات بقيت راسخة بقوة أمام أعين المحللين، وتم تبنيها أيضاً من قبل أشخاص من داخل الشرق الأوسط، الذين اختاروا ممارسة (الاستشراق الذاتي).../...

مؤخّراً، أصبحت مهتمة في ما إذا كانت مشكلة الإطار تؤثّر في دراسات الشرق الأوسط. حتى الآن، فإن أكثر الدروس التي جئت عليها هي (الثورات العربية)، لمارك ليفين، و(روايات الشرق الأوسط) لدانيال برنستيتر، حيث أن الاثنين جمعا أصواتاً بصورة مباشرة من الشرق الأوسط، سواء عبر ضيوف متحدّثين أو مكالمات عبر برنامج سكايب، وركّز كلاهما على السياق التاريخي. ولم يكن هناك الكثير قد قيل من قبل (أصوات الشرق الأوسط) تلك، التي أضافت قيمة، وانما، بدلاً عن ذلك، كانت محاولة بسيطة لاستبعاد (الآخرية) السائدة، التي كانت شائعة عن المنطقة.

خلال الربع الماضي، على أية حال، حيث حضرت درسين في السياسة الخارجية الأميركية، تعرّفت على نمط جديد من دراسات الشرق الأوسط. أحد هذه الدروس فرض شرطاً في بدايته بأن هذا الدرس سيغطي تاريخ علاقة اميركا بالعالم، باستثناء الشرق الأوسط. لم يكن لدي أبسط فكرة عن سبب ذلك. الدرس الثاني، حيث كان مقصوداً بصورة جيدة، عرض تحليلاً للشرق الأوسط ليس أعمق من مقالة توماس فريدمان (السعودي مثل كثبان من رمل، فإذا غصت فيها، فإن النفط سوف يتفجّر. الكويت ليست سوى نموذج مصغر، إنه يدور حول حجم هذا الحرم) كما يشرح ذلك أستاذي. وفيما شغلت نفسي، أبحث من حولي عن أقرب سطح خشن لأضرب به رأسي.

مضى ليقول كيف أن المنطقة (هشّة)، وأن الربيع العربي عنى مجرد مشاكل لواشنطن. سأل طالب ماذا يعني الربيع العربي في بلدان مثل السعودية، وحينئذ شعرت كأني طفل المشاكل في العائلة. ردّ أستاذي بأنه لم يكن متأكداً، ولكن كان هناك متعاطفون مع الإرهابيين في هذه البلدان. راقبت حيث بدأ زملائي في الصف يدوّنون ملاحظات بحرارة. بالنسبة لهم، رأيه كان حقيقة. وكانت تلك من اللحظات حين تكون في مواجهة مع خيار: أن تدع ذلك يمضي كما هو؟ أو، هل علي الإشارة كيف أن وجهة نظره نفسها تتوقف على فرضية أن كل شيء يستحق فحسب اذا كان مستقراً، قابلاً للتكّهن، وأيضاً في حالة انسجام مع رغبات واشنطن، فيما يصبح كل شيء آخر، كما يبدو، (تعاطف مع الإرهاب). شعرت بالإحباط، لقد فصل السعودية عن فئاتها المتباينة، والتاريخ المعقّد، والتغييرات الجارية. وكنت أيضاً ساخطة كيف أنه قام بتصوير الربيع العربي على أنه (مريع) من خلال الإشارة الى الصدام الحتمي المفترض مع (الارهابيين)، وكل ذلك من خلال تحذير زملائي المعجبين بذلك التحليل.

ونتيجة لذلك، وفي مرحلة لاحقة من الدرس، وجدت نفسي أستخدم مهمة مقالة مفتوحة النهاية كفرصة لرصد (الأدلة) على أن (التغيير) كان سيحدث في السعودية، وأنه سوف يكون أكثر من كونه كثبان حب الارهاب من الرمل. وفقط بعد تسليم الورقة البحثية تبّين لي بأنه بالرغم من أنني حاولت إبراز تعليقه السطحي بكونه إشكالية، فإنني قمت بذلك فحسب من خلال الاشارة الى الأمثلة التي تتوافق مع ما أعلم بأنه سيضعها في الحسبان (القيم الأميركية). وتوصلت الى النتيجة المحبطة حيث أنني خضعت لإغراء المجادلة ضمن نفس إطار الاحتكام. إنه إغراء، أليس كذلك؟ فمن الإغراء مزاولة المنهج الأشد سهولة لتبسيط السعودية، وبصورة أكبر الربيع العربي. فمن السهل مثلنة السعودية (أي جعلها مثالية) وكذلك الربيع العربي، وبالتالي الاشارة الى كل الجوانب التي نعرف أنها سوف تدخل السرور على كل من نناظر.

ولكن الحقيقة هي أن (الربيع العربي) هو مصطلح يتموقع فقط في ملعب (النسبيين). فليس هناك من طريق حول ذلك، فقد اكتسب معنى مختلفاً من قبل أشخاص مختلفين، وسوف تجد عناصر من داخله من كل طيف من الفكر السياسي. وكنتيجة، فإن القليل يمكن قوله بصورة عامة حول المصطلح. في الحقيقة، سيكون كل شيء يقال عن الربيع العربي موضع تساؤل. ولكن ذلك هو دور الكاتب، أليس كذلك؟ على الأقل لجهة المحاولة في خلق معنى حول ما يلاحظونه، في الوقت الذي يقرّون بتأثير وجهة نظر سوف تكون حاضرة حين يقومون بذلك.

وعليه، ففي هذا الموقف، سوف أقوم بإعادة تقديم الورقة البحثية، تاركة ورائي ضغط الاعجاب بتوماس فريدمان ـ مثل بروفسور. وسوف أنظر الى ما عنى الربيع العربي بالنسبة للخطاب السياسي السعودي الحالي، وكيف أنه أوقد حركة الحقوق التي يبدو أنها تريّدت من قبل جمعية الحقوق المدنية والسياسية، والتي نجمت عن اعتقال ومحاكمة مؤسسيها، كما أضاءت علىى بعض الحالات لمواطنين سعوديين شهدوا نشاطاتها واكتشفوا دور أنماط الاقصاء والآخروية في كل ذلك.

وأتذكر اللحظة التي قرأت فيها تغريدة لمحمد القحطاني، أحد مؤسسي الجمعية حول محاكمته، والتي كتب فيها (أرادت الحكومة إخافتنا (هو وزملائه الناشطين عبد الله الحامد) بتقديمنا للمحاكمة، ولكن قررنا تقديم الحكومة للمحاكمة). هل يمكن ذلك، أتساءل، لشخصين أن يقدما الحكومة بأكملها للمحاكمة؟ فهل لديهم القوة للقيام بذلك؟

ولكن هذا إساءة تمثيل السلطة، فبإمكان أي شخص امتلاكها، أو تؤخذ من قبل شخص آخر. بدلاً عن ذلك، فإن تحوّلات السلطة، ويتخللها الرجوع الى (الهياكل الاستطرادية المهيمنة التي تقدّم مجموعة توقعات بالرجوع الى الوكلاء الذين قد يمارسون السلطة على وكلاء آخرين، وكذلك على أنفسهم، لتأمين التوافق..بما يشكّل الاعتيادية أو العصيان) فوكو. باختصار، السلطة هي لعبة العالم. وعليه، من حيث الأثر، حين يقول القحطاني بأن الجمعية كانت (تقدّم الحكومة السعودية للمحاكمة)، فإن ذلك عنى بأنه، وزملاؤه الناشطون، كانوا عازمين على الاستفادة من اللحظة لتوصيم النظام في الاعلام الاجتماعي وفضحه من خلال رسائل لاتحصى الى مجلس حقوق الانسان التابع للأم المتحدة بسبب مخالفته لمبادئه والهياكل الاستطرادية المهيمنة التي بات ينظر اليها بصورة عامة بـ (توقعات الربيع العربي) في الخطاب السياسي السعودي الحالي.

وبالرغم من أنه من الصعب حسم ماذا يعني مصطلح (الربيع العربي) على وجه الدقة، فإنه يمكن القول بأن أولئك الذين يعملون في الحكومة السعودية ليس فقط لم يسجّلوا ذلك، ولكن أيضاً تبيّنوا بأنه، مهما يعني المصطلح، فإنه فرض حضوره على البلاد. الربيع العربي برز كحدث باهر حيث أراد أعضاء الحكومة (مباشرة وغير مباشرة) ربطه به، بقوته كأداة إيجابية لا يمكن تفاديها. على سبيل المثال، في مقابلة حديثة مع عرض تشارلي روز، الأمير تركي الفيصل، السفير السابق للولايات المتحدة صرّح (أعتقد بأن السعودية خلال الـ 80 سنة الماضية كانت تمضي في ربيع عربي). والأمير خالد الفيصل، الشاعر المزعوم، أخبر جمهوراً من الطلبة في احتفال التخرج (لقد بدأتم الربيع السعودي قبل 82 عاماً. المعجزة هي أنكم دائماً تسبقون الآخرين..لقد أثبتم بأن هناك معجزة في هذه الأرض، هي الإنسان السعودي).

آخرون، يدعون غالباً (الطبّالين)، حاولوا ربط الحكومة السعودية بـ (الربيع العربي)، أحياناً من خلال التلميح به عبر استعمال (الديمقراطية)، التي أصبحت على صلة وثيقة بـ (الربيع العربي) في الخطاب السعودي. وفي مثال غير مشهور عن ذلك يجادل كاتب في افتتاحية بأن السعودية هي (ديمقراطية صامتة). دعائم اكتشاف هذا الشكل الجديد بالكامل للديمقراطية تعود الى سمر المقرن، التي زعمت، بأن (يشكو الكثيرون دائماً من أن السعودية ليس فيها صحافة حرّة..ولكنها البلد الوحيد في العالم العربي الذي يسمح للمعارضين بالكتابة في صحفها..لأننا نمارس الديمقراطية بصمت، وهذه ديمقراطية حقيقية). وفيما كتب إدريس الادريس، بعد أن أعلن الملك عبد الله عن ولي العهد الجديد (وبعد أن مات ولي العهد المعيّن جديداً) بأن “التعيينات الجديدة للملك عبد الله كانت نتيجة معرفته بنبض الشارع، والرأي السديد لأولئك الذي اختارهم، وشعبيتهم بين الناس بسبب أعمالهم الوطنية..في الحقيقة، هذا هو الشكل الحقيقي لديمقراطية الصحراء”. وليس مصادفة أن هؤلاء يحيلون الى مفاهيم مثل (الصحافة الحرة) و(الرأي العام)، وهي مصطلحات يمكن اعتبارها بأنها مشتقة من (الديمقراطية)، وأصبحت أيضاً موصولة بـ (الربيع العربي) داخل الخطاب المحلي السعودي. تلك هي (توقعات الربيع العربي)، التي أحلت اليها سابقاً التي وجد حتى داعمو الحكومة أنفسهم يستحضرونها. هناك العديد من أمثلة (الطبّالين) الذين يمكن الإشارة اليهم، ولكن هذين الاثنين هما المفضّلان لدي، وهما الى حد بعيد الأكثر إثارة للضحك.

الآن، من المهم أن نلاحظ أنني لا أستطيع الزعم بأن هذه التوقعات المتفق عالمياً على خصوصيتها في أن يسبغ عليها قبولاً. بعض هذه التوقعات متنازع عليها أكثر من غيرها، كما يتضح من مسألة “حرية التعبير”، وآخر متصور “توقع الربيع العربي” في السعودية، الذي تمّت مناقشته بسخونة أثناء اعتقال حمزة كشغري بتهمة التجديف (قصة التنافس السياسي المحلي والطبقية التي تستوجب مقاربة مستقلة). ولكنني أعتقد أن هذه التوقعات في واقع الأمر أصبحت الآن أكثر انتشاراً ورسوخاً كتوقعات أخلاقية مجردة للسلوك المفروض من قبل الحكومة والأفراد على حد سواء. هذا لا يعني القول بأن الشعب السعودي قد (استيقظ) بواسطة الربيع العربي، على الفساد الذي لم يكن سرّاً أبداً. بدلاً من ذلك، فإن الرغبة في “التغيير” مجردة، لأن مختلف الأفراد لديهم تعريفات مختلفة للتطوير والتغيير، فقد تم تصعيد ذلك الى ذروة التوقع. هذا التوقع هو نتيجة لمزيج من الوقوف على إمكانات حقيقية للتغيير التي نجمت عن الربيع العربي، وزيادة القدرة على التحدث في ما يخص المظالم في المملكة. مركز الصدارة في هذا هو تويتر، الذي جلب الى النور محادثات سابقة بقيت داخل البيوت وأحيانا فقط تتسلل الى المساجد ومقالات الرأي، وعادة ما تتبعها تدابير حكومية سريعة. الآن، فإن لدى الجمهور العام مكاناً للكلام، وعندما يتكلم شخص ما ويسمع رجوع صدى كلماته إليه من قبل الآخرين، وهو شعور لا يضاهى من القوة ويجري تبريرها كنتائج المتكلم. تلك هي الطريقة التي ولدت فيها التوقعات القوية.

هذا هو التدفق المستمر للنقد الجماعي على وسائل الاعلام الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع ما نشهده في الربيع العربي ووعده بالتغيير، الذي أدّى الى تطبيع السياسي، مستحضراً (غير القابلة للذكر من أشياء) كيما تخرج للعلن، للمجتمع كله. هذا صحيح بشكل خاص عندما تربطه بتزايد نسبة الشباب السعودي في الوقت الراهن، وارتفاع معدلات البطالة، وبعبارة أخرى، عدم القدرة على تحقيق ظروف معيشية جيدة. لأنه، على عكس الصورة النمطية الشائعة في منطقة الخليج، فإن الثراء لا يمكن العثور عليه لدى كل فئات المجتمع. بدلا من ذلك، فهو يتركّز في فئة من النخب والطبقة المتوسطة العليا من البرجوازية السعودية. وهذه النخب تزاول العمى السياسي، فهي تدرك طبيعة الفساد، وبعضهم حتى مشارك فيه، لكن لن يتحدثوا عنه. بدلاً من ذلك، يشغلوا أنفسهم بتأمّلات الإستشراق الذاتي في كيف هم (الرجعيين) في البلاد، وغالباً ما يسافرون هرباً من ذلك كله.. وبسبب هذا التوجه، وربما الأكثر شهرة في لحظة الربيع العربي التي فرضت قوتها السياسية على كل جزء من المجتمع يمكن تصورها، بما في ذلك هذه الطبقات الغنية، كان عندما ملأت احتجاجات حركة (اعتقال)، ضد الاعتقال غير القانوني، مراكز التسوق التابعة لهم في الرياض. في تلك اللحظة، إضطرت البرجوازية السعودية لمواجهة السياسي. ويجب أن اعترف هنا، لقد وجدت أنه من الطريف جداً مشاهدة شكاواهم ملء تويتر، فقد زعموا بأنهم فهموا السبب ولكن لم يعجبهم توقّف أنشطة التسوق الخاصة بهم. لا يمكنني سوى الابتسامة على الأذى الآخذة في التوسع سياسياً الذي جلبه الربيع العربي إلى “كومة رمالي الحبيبة”.

على أية حال، ليس كل السعوديين البرجوازيين كان يفهم المتظاهرين. فبعضهم يشير اليهم بالـ (المتطرّفين) الذين يجب اعتقالهم بسبب اعتراضهم. تم تغطية كامل جسم المرأة في الاحتجاجات وكان الرجال يرتدون أثواب قصيرة، ما يشير الى مواقفهم الدينية المحافظة، ويبدو أن هذا كان كافياً لتحديد الذنب في أعين المتسوّقين. بصراحة، ذكّروني بأستاذي في شيطنة المحافظين المتشددين كونهم “متعاطفين مع الارهابيين”. الحكومة تدرك جيداً بأن هذا يشكّل فرصة لها، وقد حاولت استغلالها عندما يكون ذلك ممكناً. في تعليق صدر مؤخراً عن المفتي العام، الرمز الديني للحكومة السعودية، “ بـ’عدم جواز التساهل أو تبسيط أو تسطيح جرائم وقضايا الفئة الضالة واظهارهم بصورة (سجناء رأي). البعض قام بالاعلان عن القضية، وعقد اللقاءات لفترات من الوقت في أماكن مختلفة، وانهم يدعون للإفراج عن هؤلاء المحكومين أو المتهمين بارتكاب جرائم إرهابية “. ما هو أكثر من نفوذ حركة (اعتقال) هو أن هذا البيان استخدم نفس اللغة التي كان الناشطون يستخدمونها على الانترنت في احتجاجاتهم. وفي تمييزها بين أنواع مختلفة من المعتقلين، على الرغم من أن القصد هو تشويه صورة الناشطين كانت الحكومة لا تزال تستخدم خطاباً وفقا لـ “توقع الربيع العربي” من قبيل “حرية التعبير” عندما تدلل على ان المعتقلين هم “مجرمون إرهابيون” يجب أن يسجنوا، وليسوا من سجناء الرأي، الذين لا يجب زجهم في السجن. الحكومة السعودية أصدرت أيضا بياناً مفصلاً على نحو غير معهود إلى وسائل الإعلام ادعت فيه بأن جميع السجناء يتلقون حقوقهم كاملة بعد السجن ثم سرد أسماء عشرة أشخاص والتهم الموجهة إليهم، الاسماء تم الترويج لها على شبكة الإنترنت لاحقاً. عبر الكثيرون عن انزعاجهم من حقيقة أن الحكومة قد أدرجت محمد البجادي، وهو المؤسس المشارك لجمعية الحقوق المدنية والسياسية الذي اعتقل لنشاطه والكلام ضد الحكومة. اعتبر هؤلاء إدراج اسمه بين عدد قليل من الأسماء التي كانت تعرف علناً عن انتماءاتهم الإرهابية، مثل هيلة القصير، كان استهداف مغرض من أجل تشويه صورته بأنه سجين رأي.

وعلى الرغم من أن هذا صحيح على الأرجح، فإنه لا يزال مهماً أن الحكومة شعرت أنه كان من الحكمة على الإطلاق أن يصدر مثل هذا البيان الطويل رداً ودليلاً على الضغط الذي مارسته حركة (اعتقال)، واتهاماتها ضد الحكومة بإساءة معاملة السجناء، واحتجاجاتها العديدة ضد الاعتقال غير القانوني. ومن المفارقات، أن ردود الحكومة الخطابية غير المباشر وهبت الحركة المزيد من القوة. وحتى الآن لا يمكن للحكومة الإمتناع عن إصدار هذه البيانات، رغم أنها سوف تعزّز الحركة أيضاً..

الخطاب هو أداة والكلمات قوية، ومرونتها تسمح بالتلاعب عبر جميعات، ولكن لم تكن تمارس دائماً بنيّة الشيطنة والخداع. في الحقيقة، فإن واحدة من مساهمات جمعية الحقوق المدنية والسياسية لحركة الحقوق المدنية السعودية هو إعادة التشكيل الخطابي الفاعل لمصطلح (جهاد) كمقاومة سلمية، و(الشورى) كمشاركة ديمقراطية في الحكومة. وهذا التشكيل الخطابي هو بصورة ملحوظة مجهود أحد مؤسسي الجمعية، أي عبد الله الحامد. جاء ذلك بعد أن طوّرت الحكومة السعودية من هذا المصطح بوصفه قوة استباقية فاعلة، وسمحت لشيوخ الصحوة في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي في الافادة منه كمصطلح تعبوي لتشجيع المواطنين السعوديين على الانخراط في حرب الولايات المتحدة والحكومة السعودية ضد الاتحاد السوفيياتي الشيوعي في افغانستان. وبعد أن بات يشار بالمصطلح في وقت لاحق داخلياً، من قبل ما يدعى بالقاعدة، لتنفيذ هجمات ضد الحكومة السعودية نفسها في التسعينيات، ونجم عن ذلك اعتقالات واسعة، جنباً الى جنب مراكز إعادة التأهيل الحكومية التي استخدمت تكتيكات موضع تساءل لـ (معالجة) الوضع.

كان من الصعب مجرد استجابة فقط لمثل هذه المسألة المعقدة. ومؤخراً، وكجزء من مشروع جون هوبكنز للتقارير الدولية، جرت مقابلة مع جهادي سعودي سابق والمعتقل السابق في معتقل غوانتنامو وأسمه خالد الحبيشي وقال بأن “الجهاد شيء جيد في الإسلام، ولكن غالباً ما يساء تفسيره. فإذا كان هناك من حارب في بلدي، وأخذ بيتي، فإنني سوف أحاربه. هذا هو ما نسميه الجهاد. ولكن إذا ذهبت إلى بعض المناطق لمساعدة جماعة ضد جماعة أخرى، فذلك لن يكون إسلامياً). وفقا لهذه المقالة، فإن هذا الرجل خضع لـ برنامج “إعادة تأهيل” من قبل الحكومة السعودية، التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة تشكيل مصطلح “الجهاد”، بعد هجمات 11 سبتمبر، ليكون عملاً سلبياً، يقتصر على الدفاع عن النفس، كما سمع ذلك في مقابلة الحبيشي.

عبد الله الحامد الذي جرى تصويره في واحدة من محاضرات جمعية الحقوق المدنية والسياسية على اليوتيوب وهو يخبر مشاهديه (هناك اختلافات هامة بين الجهاد العسكري والجهاد السياسي. الأول، أن الجهاد السياسي سلمي. أدواته القلم، واللسان، والجهود الاجتماعية مثل الاحتجاجات والاعتصامات التي ألغت دور رصاص البنادق وخلال ذلك لا يرفع المشاركون عصى أو سوطاً..النساء وكبار السن قد يشاركون في هذا الجهاد السلمي، بالرغم من أنه ليس واجباً عليهم فعل ذلك. وقد رأيت العديد من النساء والأطفال يحضرون محاكماتي..الجهاد السياسي يحتاج الى تطوير في الثقافة السياسية، أكثر منه الجهاد العسكري، جنباً الى جنب مع فكرة الشورى (المشاركة الديمقراطية)..كم كانت مفيدة الطريقة الحالية لـ (نصيحة السر) للحاكم؟ كلا على الإطلاق!! ولكن أنظر الى المجتمع المدني في مصر، تونس، اليمن، فجميعها قد سار نحو حكومات قائمة على الشورى في شهور! وهذا دليل على أن الجهاد السلمي هو الحل وهو، وليس السيف، له الصدارة على مئات الديمقراطيات في العالم). ومن هذا المقتطف من المحاضرة، يمكن للمرء أن يفهم إعادة تعريف مصطلح (الجهاد)، كي لايقتصر على الفعل السلبي الذي يعني الدفاع الذاتي حصرياً ورجعياً، كما تعلّم ذلك الحبيشي في مركز إعادة التأهيل لدى النظام السعودي، بدلاً من، كفعل إيجابي يشمل الفعل الذي يستهدف إزالة الجور عبر المشاركة في مظاهرة سلمية.

هذا، بطبيعة الحال، لا يعني إنكار أن السعوديين الذين يطلق عليهم (الاسلامين المتنوّرين) أو بصورة واسعة، الفقه الاسلامي بصورة عامة، في الماضي قد فسّر النص الديني بطريقة تدعم ما يسمى (الديمقراطية) و(قيمها). في الحقيقة، لقد كان النبي محمد الذي بدأ عهده بالقول (إن أعظم الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر). ولكن بدلاً عن ذلك، فإن الربيع العربي بصورة عامة، وجمعية الحقوق المدنية والسياسية بصورة محدّدة، هما من قام بتجديد تلك التفسيرات وأحضروها للواجهة مرة أخرى في السياسة السعودية. المثير للسخرية، أن الحكومة السعودية نفسها التي ساعدت في هذا التجديد، عبر اعتقالها المستمر للناشطين، والذي يحفّز حركة (اعتقال)، ومحاكمة إثنين من مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية، التي تعبئ المؤيّدين للتضامن معهم بصورة منتظمة على الشبكة والحفاظ على وعي عام ثابت للمنظمات غير الحكومية وهدفها في التغيير عبر (الجهاد السلمي)، و(الشورى). وقد تم تحقيق ذلك حين دفع الناشطون لأن تكون محاكماتهم علنية، ونتج عن ذلك أكثر المحاكمات العلنية في السعودية حتى الآن، حتى أن الصحف المحلية والمراسلين من الجزيرة وسكاي نيوز كانوا حاضرين.

بعض الليبراليين السعوديين عبّروا عن اعتراضهم على حجب ديني ظاهر قامت به جمعية الحقوق المدنية والسياسية لما ينظر اليه على أنها (توقعات الربيع العربي) ودعمها للمحافظين في حركة (اعتقال). وفي حين أن هؤلاء الليبراليين يطالبون بدعم مفهوم حكم القانون، فإنهم ينظرون أيضاً الى الروّاد السياسيين كـ (متعاطفين مع الارهابيين) التي يجب على جميعة الحقوق المدنية والسياسية أن تنأى بنفسها عنهم، سواء لأنهم يفرضون تهديداً لأمن المجتمع أو لسبب براغماتي بأنهم قد يقومون بتشوية صورة الجمعية. في مثال مشابه لذلك كان الحديث الذي جرى قبل شهور قليلة على تويتر، بين محمد القحطاني، عضو مؤسس في الجمعية، وسيدة سعودية، ذات ميول ليبرالية أيديولوجياً ولديها روابط غير مباشرة مع هيئة حقوق الانسان الحكومية. سألت: (لماذا يريدون تحرير كل أولئك الذين في السجون، هل يريدون أن يجعلون من المذنب بريئاً؟)، فأجاب القحطاني بأن كل مواطن بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة ومفتوحة. (لم أقل أبداً بأن كل هؤلاء سجناء رأي، ولكن هؤلاء في الحقيقة ضحايا لاعتقالات غير قانونية. فلماذا لم يتم محاكمتهم؟). فردّت عليه بالإصرار على موقفها من كونهم مذنبين، مشيرة الى حسابات تويتر لبعض داعمي محتجي (اعتقال)، وصور الاعلام السوداء الخاصة بهم. بالنسبة لها، فإن ذلك كان تثبيتاً لشرّهم، التعاطف مع الارهابيين. لم تحل فقط الى (الآخروية)، بهدف إقصاء الآخر من الحقوق، وإنما لم تصغ أيضاً لتناقضاتها: فقد كانت مهتمة بأولئك المعتقلين بصورة غير قانونية كونهم يصنّفون كسجناء رأي، بينما في الجوهر تطالب باعتقال داعميهم، ببساطة بسبب آرائهم الأقل جاذبية حيال ما تعرّفه بأنه (ارهاب). جمعية الحقوق المدنية والسياسية ترحّب فقط بالاحتجاج السلمي، (قد عملنا بقوة لإبعاد كثيرين عن العنف الى وسيلة أكثر سلمية للتعبير)، حسب القحطاني. (وإذا كان يجب مكافأة الجمعية على أي شيء، فيجب أن تكافىء على تشجيعها كثيرين للتخلي عن العنف). ومضى يذّكرها (أن الحكومة أول من شرعن أسلوب العنف عبر التشجيع على استعماله في أفغانستان).

وأنتقل الآن إلى مثال من “المتعاطفين مع الإرهاب”، حتى لاتكون مناقشة هذا الآخر مجردة ، ويمكن الاعتراف بتعقد الحياة الحقيقية. كان ذلك اليوم الوطني للسعودية، 23 سبتمبر، وهو يوم مروري لا نهاية له، وسيارات مزيّنة بالطلاء الأخضر المؤقت، وتخريب المتاجر، والأعلام السعودية. وفيما تتواصل الاحتفالات الجامحة، فإن مدينة بريدة في منطقة القصيم شهدت محتّجين سعوديين يمضون الساعة الثامنة مساءً في ما كان يعرف بـ(اعتصام الطرفية). المحتّجون كانوا بصورة رئيسية محافظين، وحضروا الاعتصام لأن قريباً لهم جرى اعتقاله بصورة غير قانونية. كثير من الصور تمّ وضعها على الشبكة، لفتت نظري إحداها على وجه الخصوص. إنها صورة طفل، الصورة التوضيحية تبين أنه كان يرتدي لباساً أفغانياً..وأن أسمه أسامة. لا شك أن اختيار إسمه لمحاكاة ما اعتبره “الخير” على عكس ما يرى “الشر”. كنت أتساءل عما كان يجب عليه التفكير فيه. كانت عيناه كبيرتين جداً. أدركت أن أحد أفراد أسرته كان في السجن،، لهذا السبب انضم إلى الاعتصام. في ظل ظروف أخرى قد يكون، مثل الأطفال السعوديين الآخرين في اليوم الوطني، يجلس على حافة نافذة السيارة، أو الرقص في الشوارع.

لكنه لم يكن كذلك. كان في الاعتصام، احتجاجاً على احتجاز أحد أقربائه بصورة غير قانونية، جنبا إلى جنب 13 طفل آخر، و60 رجلاً و45 إمرأة.
كنت أتساءل ما كان يجب عليه أن يفكر في ملابسه؛ مختلفة عن الثوب الأبيض الاعتيادي الذي كان يرتديه المتظاهرون. كنت أتساءل كذلك، هل تمّ إخباره بقصص المعارك التي كانت سائدة في أفغانستان؟ هل سمع عن الالتحام العظيم ضد الشيوعيين السوفييات “الكفار” قبل سنين مضت، بمساعدة الملائكة، كما تقول الأساطير، وبطبيعة الحال، بدعم مالي وتدريبي من حكومتي الولايات المتحدة والسعودية.

كنت أتساءل ما كان يجب عليه أن يفكر في ملابسه؛ مختلفة عن الثوب الأبيض الاعتيادي الذي كان يرتديه المتظاهرون. كنت أتساءل كذلك،هل تمّ إخباره بقصص المعارك التي كانت سائدة في أفغانستان؟ هل سمع عن الالتحام العظيم ضد الشيوعيين السوفييات “الكفار” قبل سنين مضت، بمساعدة الملائكة، كما تقول الأساطير، وبطبيعة الحال، بدعم مالي وتدريبي من حكومتي الولايات المتحدة والسعودية.

تحدّث الضباط مع المحتّجين وأكّدوا لهم على أن مطالبهم سوف يتم تحقيقها إذا ما وافقوا على المغادرة. وبسبب الاجهاد والتحضير السيء، حيث أن المحتّجين بقوا طيلة المساء وأن أكلهم وماءهم قد نفذا قبل ساعات، كما يقولون. ولسوء الحظ، وريثما قرروا المغادرة اكتشفوا بأن الطريق قد أغلقت من جانب واحد، وبدأت حافلات مكافحة الشغب بمحاصرتهم من الجانب الآخر.

كانت المشكلة مع هذا الاحتجاج بأنه كان في منطقة معزولة مثل الصحراء، أي تحديداً خارج السجن. هذا يعني أنها بعيدة عن أعين الجمهور، الذي كان يمكن أن يتصرف كحماية للمتظاهرين. من نافلة القول، إنتهى الاعتصام بصورة مريعة. وأشارت التقديرات إلى أن نحو 50 رجلاً جرى اعتقالهم. وأفرج عن بعضهم منذ ذلك الحين، بينما لا يزال آخرون محتجزين. إمرأة تدعى ريما الجريش، وقد اعتقل زوجها لمدة ثمان سنوات دون وجه حق، وأيضاً قد ألقي القبض عليها لفترة وجيزة بعد مشاركتها في الاحتجاجات ضد اعتقال زوجها، قالت لوكالة رويترز قبل المشاركة في اعتصام الطرفية ( والأرجح بسبب ذلك) قد تم استهدافها في وقت لاحق على وجه التحديد والاعتداء عليها من قبل الضباط. كان عليها أن ترقد في مستشفى بعد ذلك، ولكن لم تتردد في الحديث إلى قناة (الحوار) عن المعاملة التي تلقتها. كانت هناك تقارير عن حدوث حالات أخرى من الضرب، بما في ذلك استخدام مسدسات الصعق الكهربائي. كل ذلك جرى بحضور الشاب أسامة.

شهور قلائل فحسب، سوف يسأل طالب في صفي حول (بلدان مثل السعودية) و(مشكلة المتعاطفين مع الإرهابيين). وهذه الاسئلة الاختزالية يتم طرحها لأن لحظات كهذه لن يتذكرها أحد. إنها الظلم الحكومي ويفتقدون للاهتمام بمظالم المواطنين التي سوف يتم تجاهلها. وكما المحتجّون في الربيع العربي الذين رفعوا قنابل مسيلة للدموع للكشف عن كونها (صنعت في الولايات المتحدة) المختوم في أسفلها، فإن الشاب أسامة قد يكبر ويعلم بالعلاقة الخاصة بين بلاده والآخر، الولايات التحدة. سوف يكبر ليقرأ عن ريالات لا تحصى قد أنفقت على صفقات الأسلحة، كما سوف يتحدّث لأصدقائه العاطلين عن العمل. سوف يفكر في الثوريين السوريين، وهم كثر الآن، ويتسائل لماذا منعته الحكومة السعودية من مساعدتهم عبر الجهاد. سوف تكون رسالة مربكة، ألم تحب الحكومة ما حدث في أفغانستان؟ لقد هزمنا السوفييات، نحن (المحاظفين المتشدّدين) كنا أبطالاً، أليس كذلك؟ الرسالة المختلطة سوف تشعر بلا نهاية. سوف يرى القواعد الأميركية في الرياض والمعاملة الخاصة التي تمنح لأولئك العاملين فيها أو المرتبطين بها، وسوف يسمع عن احتلال العراق. قد يسمح كيف “خلال السبعينيات، كان هناك تقارب متزايد للمصالح بين شركات البترول والسلاح العالمية..تسييس النفط، جنباً الى جنب تسويق صادرات الأسلحة، ساهم في تشكيل تحالف غير سهل من سلاحدولار ـ بترودلار” (نيتزان وبيتشلر)، وقد يخلص الى نتيجة، كما فعل مارك ليفين، بأن (شعوب المنطقة لابد أن تشن معركتين في وقت واحد: ضد حكوماتها الطاغية والفاسدة، وضد النظام المالي العالمي الأكبر).

نعم، قد يستخدم الوصمة الدينية (كافر)، ولكن فقط بعد الشعور بفقدان السيادة السياسية لبلاده والاستفسار عن تقرير المصير داخلها. وقد يسمع بحزب الأمة الإسلامية الذي حاول أن يحظى بوضع قانوني في السعودية، لكنه فشل وألقي القبض على العديد من مؤسسيه لمجرد طلب “امتياز”. وقد يسأل حتى، لماذا لا يسمح لي بمناقشة الأمور مع حكومتي، والمشاركة فيها، الاحتجاج ضدها، والتعبير عن آرائي حول قضايا تهمني؟ الحكومة سوف تعطي الجواب الجاهز: أن أبوابها مفتوحة دائماً. وعندما يجد أن تلك الأبواب تفتح فقط عندما تقرر الحكومة ذلك، فإن العلماء سوف يجيبون: التظاهر حرام شرعاً، فهذا يعني الخروج على الحاكم، الظالم – ما لم تكن، بالطبع، ثورياً سورياً. في هذه الحالة، سوف يكون الاحتجاج جائزاً شرعاً، وليس أقلها لأن تريد أن تحتج على نظام الأسد، وهو حليف لخصم السعودية الشرير: إيران. سوف يسأل نفسه، أليس القمع السياسي في بلدي، هو من الناحية الدينية “شر”، أيضاً؟ إنجازات النفاق سوف تملأ عقله.

ربما ينضم الى حركة (اعتقال) السلمية ضد المعتقلين بصورة غير قانونية وينظم اعتصامه الخاص، تماماً مثل الذي شاهدناه فيه قبل قليل. أو، ربما، سوف يسوقه إداركه الذهني الى حركة الملكية الدستورية في السعودية والمشاركة في المعارك القانونية ضد الحكومة، تماماً كجمعية الحقوق المدنية والسياسية. أو، للأسف، قد ينتقل الى طريق الاحتجاج العنفي. واذا ما فعل ذلك، سوف تكون صدمة المعلّقين الضحلة من جديد إذ سوف تعيد طرح ذات الأسئلة. (لماذا هؤلاء عنيفون جداً؟ وكيف نحل مشكلة هؤلاء المتعاطفين مع الإرهابيين). هناك أسباب كافية للناس كيما يلجأوا للعنف، ولماذا هذه (المشكلة) باقية، إذا كنت وحدك الذي يعني بالإصغاء.

أنا لا أكتب هذا الرأي بسهولة، أو أتخذ موقفاً عادياً. وكمواطنة سعودية ـ أميركية، فإنه من الصعب اعتناق هذه الآراء. في 11 سبتمبر، 2012، استيقظت على جدول زمني مليئ بالتغريدات من أقارب السجناء، التي أتابع وكتبت عنها لدعم حقوقهم، يعبّرون عبر تغريدات عن دعمهم لأسامة بن لادن. ثم شاهدت، حيث تم انشاء مجموعة (هاشتاقات) بعنوان (11 سبتمبر سعيد)، (في ذكرى أسامة)، وما شابه ذلك. وبعد ذلك اليوم، بعد كارثة الفيلم المعادي للإسلام التي وقعت، شهدت احتجاجات بمشاعر مناهضة للولايات المتحدة تظهر في بضع مدن سعودية. تم إبراز ذلك عن طريق صديق قومي عربي قام بتغريد شيء ما للتأثير “حيث أن الأمريكيين لا يهمهم أننا (العرب) نموت، ونحن لا نهتم عندما يموتوا!”. انها عاطفياً بالغة الأثر، للتعامل مع النصف الآخر من هويتي، ومقاومة إغراء الرد بنفس الطريقة. ثمة شعور بوجود معضلة أخلاقية، وقعت لي أنه ربما كنت أفعل شيئاً خاطئاً؟ في مناصرة دعوة الاستيعاب (التضمين) السياسي لـ (الآخرين)، والكتابة بنشاط في دعم حقوقهم، وحين ظهرت كانوا سعداء على مرأى من الوفيات الأمريكية، فهل أنا أخون نصفي الأميركي؟

لتلك اللحظة القصيرة، كنت أظن، كما كان أستاذي يفعل، وكذلك بعض الليبراليين السعوديين، ينظروا لهم على أنهم مجرد “متعاطفين مع الارهابيين”. بعد منحها مزيداً من التفكير، توصلت إلى استنتاج مفاده أنني فقدت النقطة الجوهرية. فقد سمحت لنفسي أن أفهمها على أنها هجوم شخصي، وليست شكوى سياسية. آراؤهم ليست غير تاريخية، بل لها جذور في الأخطاء المحتملة والفعلية التي ارتكبت في الماضي. وإذا كنت تلجأ إلى الرغبة في استبعادها، أوافق أساساً على استبعاد نفسي كذلك.لا يجب أن تتوقف المواطنة على التماثل. ويتعين علينا الانخراط مع الآخرين، وليس الاشارة الى (الآخرين).

ولهذا السبب بالدقة دعمت جمعية الحقوق المدنية والسياسية، بصرف النظر عمّا يقوله الليبراليون عنها. لقد اختارت الانخراط، المشاركة، أن تحاول وتناور من خلال مرحلة سياسية معقّدة. وأنا ممتنة لهم بذلك. أتمنى فحسب أن يهبط الليبراليون من أبراج تويتر العاجية، وأن يوقفوا هستيريتهم حول معرفتهم الدينية المحدودة التي ينظرون من خلالها للإصلاحيين السياسيين، وأن يتخلوا عن الخوف التي تروجه الحكومة عنهم بأنهم آخرون (إرهابيون). إقبلوا بأنهم مواطنون من نفس بلدهم، ويجب أن ينالوا نفس حقوقهم.

شهد يوم السبت جلسة المحكمة النهائية للمؤسسين لجمعية الحقوق المدنية والسياسية. كان محمد القحطاني الأسبوع الفائت، قبل محاكمته النهائية، يروى في تغريداته تجربته في النشاط السياسي، إبتداء من صيف عام 1991 عندما وصل الى الولايات المتحدة ليحصل على درجة في الاقتصاد. للأسف، كانت تغريداته تنطوي على لهجة وداع. خلال جلسة المحاكمة السابقة، عبد الله الحامد، حيث تم اعتقال ممثل سليمان الرشودي، قرأ رداً مطوّلاً من 40 صفحة على المحكمة. ودعا إلى ملكية دستورية، وختم بأن ذرف الدموع أثناء القيام بذلك. إستجاب الكثيرون على الانترنت، حتى البدء بصنع (هاشتاق) تكريماً له. والآن بعد أن عقدت جلسة المحكمة النهائية يخشى العديد من أن نسمع قرار القاضي في 7 يناير، 2013. لحظة وجيزة من الجدل وقعت بعد إلقاء القبض على تركي الحمد، ليبرالي سعودية معروف. البعض إنتقد جمعية الحقوق المدنية والسيايسة لصمتها الأولي عن اعتقاله، ولكن هذه الأصوات هدأت تقريباً عندما بدأ كل من محمد القحطاني وعبد الله الحامد وتحدثا ضد الاعتقال غير القانوني لتركي الحمد، وأنهما فعلا ذلك على الرغم من معرفتهما بالتداعيات السياسية المحتملة التي قد يواجهونها من مؤيديهم المحافظين.

وعلى نحو أقل ملاحظة، هبّت رياح الربيع العربي من خلال قاعات مدرسة ابتدائية صغيرة في مدينة رفحاء، حيث علّق صبية صغار ملصقات حملتهم، متقّدمين بوعود المساهمة في مدرستهم. وضع آخرون ورقة أخرى في الصندوق، على أمل نجاح خياراتهم لاتحاد الطلاب. تمّت تغطية ذلك في صحيفة محلية في رفحاء، حيث أوضح المعلمون هذه النقطة على أنها “وسيلة للطلاب لتعلم المسؤولية، وحب الآخرين، والاهتمام بتلبية احتياجاتهم، وطريقة للتعبير عن آرائهم والحفاظ على حقوقهم داخل المدرسة”.

ونأمل أن “الربيع العربي” وشجاعة الناشطين في الاحتجاجات وجلسات المحاكمة، سوف تتواصل لدفع تحول السلطة من الحكومة الى الشعب. ومهما يكن قرار القاضي فيما يخص المحاكمة السعودية الأكثر علنية لمؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية ، فإن هؤلاء الناشطين دفعوا الى الأمام قضية حقوق الانسان، أثّروا في العقول، وخاطروا بحياتهم، وقد تركوا بالفعل علامة كبيرة في تاريخ السعودية لا يمكن أن يشكروا عليها بما يكفي.

--------------------------------------------------
*  نورا عبد الكريم : باحثة أميركية من أصل سعودي

ليست هناك تعليقات: