الخميس، 17 يناير 2013

الشيخ العريفي يتحدث من قلب الدولة الفاطمية وعقلها!


شباب المهجر (مقال) بقلم: سالم اليامي -- “ولا عجب أن يكون الشيخ العريفي وهو يستظل بروحانية الأزهر يتمتع بتلك اللغة التصالحية ويدعو إخوانه المسلمين والمسيحيين في مصر الأزهرية الفاطمية: أن يتصالحوا ويتسامحوا ويتحابوا من أجل مصر العظيمة بل أنه محق في ذلك, وهو الذي كان قبل فترة قريبة جدا يدعو إلى قتال إخوانه الشيعة المسلمين في المنطقة الشرقية التي تمد بلاد الحرمين الشريفين بخيرات النفط الخام والماء المُحلّى, خاصة في نجدنا الحبيبة التي تقل فيها كل مصادر الحياة وتعتبر مسقط رأس شيخنا المحترم”.../...

هناك من اعتقد كنوع من النقد وربما الخصومة مع نهج وتوجهات الشيخ محمد العريفي التي تثير الراي العام العربي من وقت لآخر أن زيارة الشيخ العريفي لمصر مجرد رسالة سياسية مغلفة بالدين لمد يد التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين الذين باتوا يحكمون مصر.

وهناك من يرى كنوع من التأييد للزيارة , أنها حالة طبيعية في ربيع التقلبات السياسية والمزاجية التي خلقتها أجواء ربيع الثورات العربية.

لكن ما يهمني هنا .. ليس هذا النقد ولا ذلك التأييد بقدر ما يهمني ما هو أبعد من كل ذلك بكثير.

فالشيخ السلفي المنتمي إلى مدرسة تعادي وتزندق الدولة الإسلامية الفاطمية التي بنى إمامها المعز لدين الله الفاطمي ” قاهرة المعز” التي سميت بإسمه , وأنشأت الجامع الأزهر الشريف الذي يعد اشهر منارة إسلامية على مر التاريخ الإسلامي : كان في كامل نشوته الإيمانية والخطابية وهو يخاطب المصريين بلغة تسامحية أخلاقية عظيمة من الجامع الأزهر الذي كان رمزا متفردا في دولة إسلامية كانت أول من أسس للتعايش الديني بين الأديان السماوية الإسلامية والمسيحية واليهودية , وكانت أول من أسس للتعايش المذهبي الإسلامي بمختلف مذاهبه.

ولا عجب أن يكون الشيخ العريفي وهو يستظل بروحانية الأزهر يتمتع بتلك اللغة التصالحية ويدعو إخوانه المسلمين والمسيحيين في مصر الأزهرية الفاطمية: أن يتصالحوا ويتسامحوا ويتحابوا من أجل مصر العظيمة بل أنه محق في ذلك, وهو الذي كان قبل فترة قريبة جدا يدعو إلى قتال إخوانه الشيعة المسلمين في المنطقة الشرقية التي تمد بلاد الحرمين الشريفين بخيرات النفط الخام والماء المُحلّى, خاصة في نجدنا الحبيبة التي تقل فيها كل مصادر الحياة وتعتبر مسقط رأس شيخنا المحترم.

عندما يكون الإنسان في رحاب المكان الجميل … لا يجوز له إلا أن يكون جميلا , وعندما يكون محاطا بإرث تسامحي إيماني معرفي علمي متراكما منذ قرون طويلة, فإنه حتما سيتأثر بأجوائه , إلا أن يكون له قلب من حجر, وعقل من تراب!.

وذلك ما حدث للشيخ العريفي حينما وجد نفسه بوعي أو بدون وعي, تهيم في طهارة المكان لتستلهم التسامح في مصر ومن قلبها القاهرة الذي بناه الفاطميون وهو يتحدث إلى المصريين بلغة وجدانية راقية تدعوهم إلى التسامح والتصالح والوحدة , وهو الذي دعا إلى اقتتال المسلمين في بلده الأجدر بالدعوة إلى خير العالمين كافة.

ثم استيقظ في الشيخ العريفي فكره المستنير وهو يخاطب المصريين من عقل مصر المضيء ”الجامع الأزهر” الذي نشر الإسلام منذ قرون وكان منارة إشعاع فاطمية للدين السمح والعلوم العظيمة والفكر والفنون التي شكلت واحدة من أعظم الحضارات الإسلامية فتخرج من مدارس الأزهر آلاف المبدعين منذ عصر نبوغ ابن الهيثم ”عبقري البصريات” مروراً بعبقري الطب ”ابن سيناء” فابن حيان والفارابي وغيرهم من عظماء المسلمين الذين يتفاخر بهم المسلمون أمام الغرب ويزندقهم البعض عندما يكون تحت وطأة حالة طائفية نتنة, أو عندما ينتمي إلى حالة شاذة متصهينة هدفها أن تظل الأمة غارقة في أوحال الفتنة عبر تزوير التاريخ وتشويهه والعزف على أوتار ”فرق تسد” كي تظل الأمة متحاربة ومتخلفة وممزقة, يسهل بلعها وإخناعها للإستعمار والإستبداد والجهل والتجهيل!.

ولا أعتقد أن عاقلا مؤمنا وأولهم الشيخ العريفي , سيخرج من الجامع الأزهر وهو يظن آثما أن هذا المنبر الإيماني العلمي والفكري الفاطمي العظيم في قاهرة المعز المجيدة , قد قام ببنائه دولة أئمتها زنادقة؟!.

ولا نظن أن دولة الزنادقة جديرة بأن ينتمي إليها عباقرة البصريات والطب ومن أثروا مكتبة دار الحكمة التي أحرقت فيما بعد كيلا يظل فكر وعلوم تلك الدولة التي قهرها الزيف والخيانة شاهدا على إبداع العقل العربي حين يؤمن في حرية التنوع الديني والمذهبي والفكري!.

كان الشيخ العريفي وهو يخطب مبهورا في الأزهر: يعلن شهادة تصالح وتسامح وإعتذار ليس لمصر ولا للإخوان المسلمين والمسيحيين فحسب, وإنما لهذا الإرث الفاطمي الذي أخفق المصريون أنفسهم بسبب العوامل السياسية المتعاقبة أن ينصفوه من ما علق به من زيف أراد له أعداء الأمة أن يكون جدارا فاصلا بين ترابط الأمة بمختلف أديانها ومذاهبها, لأن هذا الإرث الفاطمي لو استمر بنهجه التسامحي والتصالحي مع الآخر لما احتجنا في القرن الواحد والعشرين أن يذهب الشيخ العريفي لمصر كي يجنبهم حرب القرن الرابع عشر العنصرية وهو الذي كاد أن يشعلها في بلده بين فئات الدين الواحد والبلد الواحد واللغة الواحدة!.

نحمد الله جلّت قدرته وعزته ومهابته, أن يكون جامع الفاطميين العظيم خير من أوحى للشيخ العريفي بضرورة التسامح بين المسلم والمسيحي, ونوقن يقينا تاما أنه سيعود إلى بلده الأقرب بمعروف مواعظه ونصائحه وتسامحه ليعتذر بكل شجاعة لإخوته في بلده من أهل المنطقة الشرقية عن كل كلام جارح وجهه إليهم, داعيا مواطني بلده أن يتحابوا بنفس حجم وإخلاص دعوته للإخوة في مصر الحبيبة!.

بل اننا نجزم أن جدارا فاصلا من الزيف قد سقط مع زيارة الشيخ العريفي لمصر الفاطمية, وقد بني على أنقاضه جسورا من التواصل بين جميع مكونات الأمة بمسلميها ومسيحييها ومذاهبها المتعددة لتنطلق الأمة من قاهرة المعز نحو عالم جديد يتحرر فيه الإنسان العربي من عقده ومخاوفه ونوازع الشر فيه, وليمد يده لكل الحضارات والثقافات بانيا لا هادما, محبا لا كارها , وحرا يكره أن يستبد أو يستبد به , ويدرك أنه ليس لأحد الحق أن يدعي إمتلاك الحقيقة !.

ربما أن العيب فينا كمجتمع “سعودي”, عندما نقسوا على أحد منا قسى علينا وهو ليس إلا إنعكاسا لحالتنا ونفسيتنا ومزاجيتنا عندما كان غاضبا متوترا بيننا وهو يدعو إلى عدم التصالح بيننا . وأننا بخطأ فادح منا نستعجل الحكم عليه بسوء الظن قبل أن نتعرف على حالة الإنسان وظروفه ونشأته والمعارف التي تلقاها!.

تقول قصة من التراث العربي القديم:

إن شاعرا كان بدوياً صحراوياً ، وعندما قدم إلى بغداد لأول مرة آثر أن يبدأ عهده بمدح خليفتها المتوكل على عادة الشعراء فأنشده قصيدة منها:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قرع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمناك دلواً

من كبار الدلاء كثير الذنوب

فعرف المتوكل كما تقول القصة حرفياً، حسن مقصدة وخشونة لفظه، وأنه ما رأى سوى ما شبهه به، لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريب منه وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به فكان – أي بن الجهم – يرى حركة الناس ولطافة الحضر ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، والأدباء يتعاهدون مجالسته، ثم استدعاه الخليفة بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد أجمل الكلم:

عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ

جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري

أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن

سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ

سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ

كَأَنَّما تُشَكُّ بِأَطرافِ المُثَقَّفَةِ السُمرِ

وَقُلنَ لَنا نَحنُ الأَهِلَّةُ إِنَّما

تُضيءُ لِمَن يَسري بِلَيلٍ وَلا تَقري

فَلا بَذلَ إِلّا ما تَزَوَّدَ ناظِرٌ

وَلا وَصلَ إِلّا بِالخَيالِ الَّذي يَسري!

هكذا يجب أن ننظر للأمور من الزاوية التي نظر بها المتوكل .. لعلي ابن الجهم الذي هم بعضهم بقتله وهو يهجو المتوكل ويعتقد أنه يمدحه ويتقرب إليه, في تحليلنا لما يحدث في واقعنا السياسي والديني والإجتماعي, كي نتجنب سوء الظنون ونعذر من يخطئ فينا حتى نتأكد من ثبات حالته ونضج فكره وحسن مقصده!.

لأنه عندما تم تغيير بيئة ابن الجهم من محيط “الماعز” ومخالطتها, إلى محيط النهر الرقراق والوجوه الحسنة والعقول التي تتوضأ بنور الفكر المستنير, تغيرت صور المعاني في ذهنه فأبدع شعرا عذبا أدهش كل من قرأه إلى يومنا هذا … مثلما أدهش الأزهر شيخنا المحترم محمد العريفي وهو القادم من مدرسة لا توقر الدولة العربية الإسلامية التي بنت تلك المنارة العظيمة كعقل مشع وسط عاصمة المعز لدين الله الفاطمي الذي بنى القاهرة كي تبقى قلبا نابضا للعروبة بكل أديانها ومذاهبها… فأشاد الشيخ بحضارة المصريين الإسلامية التي بناها الفاطميون .. وألقى شعرا صوفيا لشاعر النيل العظيم حافظ إبراهيم… ودعا إلى التآخي مع الوجه الآخر لمصر العظيمة.. وأقصد أقباطها الذين شاركوا في بناء حضاراتها القديمة قبل الإسلام وبعده!.

شكرا .. للشيخ العريفي هذا التآخي الروحي والفكري والإنسجام مع النفس وسط أجواء تبعث على الطمأنينة التي تزيل القلق والخوف والرهبة.

شكرا .. لثورة مصر برغم خوفي عليها … هذا الإحياء الجديد لروح الفاطميين التسامحية على لسان شيخ سلفي يتحدث من حرم عقل مصر المشع ”الجامع الأزهر الفاطمي”.

شكرا .. لقاهرة المعز .. التي أعادت لنا أجواء التسامح الإنساني الفاطمي إنطلاقا من ميدان التحرير العظيم.

وكلنا .. أمل أن تستمر مصر في ثورتها نحو الحرية التي لا يشعر أحد فيها بالإقصاء أو المذلة !!.


ليست هناك تعليقات: