الأربعاء، 30 يناير 2013

القاعدة وتراجيديا الضارب و المضروب ..


شباب المهجر (مقال) بقلم: عبد الرحمن غنيم -- أن تكون ضارباً ومضروباً في الوقت نفسه, مسألة عادية يواجهها الخصمان المشتبكان . أما أن تكون ضارباً لحساب من يضربك, فتلك حالةٌ يمكن تصوّرها فقط في مقام العبودية والاسترقاق, حيث يقوم السيّد بتسليط عبده على خصمه دون أن يتردّد في ضرب عبده لتأديبه إذا لزم الأمر. وربما قال البعض إننا في زمن لم تعد فيه عبودية في الأرض, أو إنه لم يبق منها سوى أقل القليل. ولكن , يبدو أن قدرة بعض القوى على شراء الذمم والتحكم بأصحابها تعيد إحياء منطق العبودية, ولو بصيغ جديدة.../...
       
حين ننظر إلى سلوك "القاعدة" في هذه الأيام , لا بدّ وأن نستنتج بأنّ شيئاً ما في هذا السلوك يخالف المنطق . فالقاعدة تقاتل لحساب الناتو وأتباعه وعملائه في سوريا , لكنها تتلقى ضربات تهدف إلى استئصالها أو إضعافها على يد أطراف من الناتو وشركائه من الأفارقة في مالي ومحيطها . فهل يعقل أن يكون الطرفان متعاديين في إفريقيا ومتحالفين في آسيا؟

لو وجهنا مثل هذا السؤال إلى واحد من قادة أو قياديي القاعدة , فإنه لن يعدم الحيلة في تفسير ما يحدث على النحو الذي يتناسب مع سلوك القاعدة . فقد يقول لنا ببساطة : إن العلاقة بين القاعدة والغرب هي علاقة عداء مستحكم ومصالح متضاربة , ولكنها قد تتقاطع في بعض الأحيان . وبالتالي , فإن استهداف الغرب لها في أيّ مكان كان هو أمر طبيعي . أما استغلال الغرب للقاعدة في بعض الحالات – كما هو الحال في سوريا – فقد يكون في وجهه الآخر استغلالا من القاعدة لحاجة الغرب لها فيما يمكن أن تكون فرصة سانحة لتمكين القاعدة من فرض سيطرتها حيث تسعى القاعدة لإقامة نواة لدولة الخلافة انطلاقاً من بلاد الشام وهو هدف مركزي بالنسبة للقاعدة . فإذا ضربت القاعدة في مكان مقابل تقدمها في مكان آخر أكثر أهمية في نظرها فلا بأس من أن تلعب مع الغرب وأتباعه لعبة الضارب والمضروب.

ما يحدث إذن هي – في نظر القاعدة – فرصة يتمّ انتهازها أو اغتنامها!!. وهذه الفرصة قد تصيبُ في مكان وتخيبُ في مكان آخر حسب مدى اهتمام الأطراف المضادة باعتراض سبيل القاعدة أو بالاستفادة من سلوكها. ولكن بماذا تختلف الفرصة التي تسعى وراءها القاعدة في سوريا عن فرصة أزواد في مالي ؟ . ولماذا تواصل الدور الإرهابي الذي تلعبه في سورية رغم الضربات التي توجهها لها القوات الفرنسية وقوات أخرى في مالي؟.

بالنسبة للقاعدة التي تتلقى تمويل وتسليح حكام قطر والسعودية وخدمات لوجستية تمكنها من التحرك حيث تشاء أو حيث يشاء الممولون , قد يقال بأنّ سوريا ليست أزواد , وأنّ إقامة نواة دولة الخلافة في الشام هو أمرٌ أهمّ بكثير بالنسبة للقاعدة من إقامة إمارة إسلامية في تلك المنطقة المعزولة ضمن الصحراء الإفريقية الكبرى , وإن الواقع يقول بأن إرادة الممولين من آل سعود وآل ثاني قد التقت مع إرادة حكام تركيا وإرادة الأمريكيين والانجليز والفرنسيين وأطراف أخرى لتشجيع الدور الذي تقوم به القاعدة في سوريا , بينما اصطدمت إرادة بعض هذه الأطراف مع القاعدة في مالي , فما المشكلة في احتمال أن تخسر القاعدة مالي وتكسب السيطرة على الشام؟

ولكن أيّ تفكير منطقي يجعلنا نتساءل : إذا كان الغرب لم يسمح للقاعدة بإقامة تلك الإمارة الصغيرة المعزولة الفقيرة في أزواد فهل سيسمح لها بإقامة نواة لدولة الخلافة في بلاد الشام؟. ألا تتوقع القاعدة أنه في اللحظة التي تعتقد فيها بأنها نجحت في أداء دور "الضارب" في الشام بمساعدة الغرب وأتباعه في المنطقة , ستجدُ نفسها تضرب بقوة , وبمنطق الاستئصال , من قبل القوى التي ساعدتها , أي من قبل الغرب وأتباعه . وبذلك تكتمل تراجيديا دور الضارب والمضروب الذي تلعبه؟.

دعونا نقول بأن قادة "القاعدة" , وحكام الدول الممولة والمساعدة لهم والمتعاونة معهم , والأطراف الامبريالية والصهيونية التي تسمح للقاعدة بأن تتمادى في غيّها وإرهابها في بلاد الشام , لهم جميعاً عملية حسابية تجعل من مثل هذا السلوك أمراً ممكناً بينما يكون التمكين للقاعدة في مالي مستحيلاً .

كيف؟...

إن ما هو مستهدف في سوريا هو النظام المقاوم وعلاقاته مع محور المقاومة . وهذا الاستهداف غايته تأمين مصالح العدو الصهيوني في المنطقة . فإذا قال البعض بأن القاعدة قد تتبع مستقبلاً نهجاً مقاوماً {مجاهداً} بمواجهة العدو الصهيوني , قلنا: إنه حتى لو فعلت هذا – والتجربة حتى الآن تقول بأنها تبتعد عن مقاومة الصهاينة في أيّ مكان وكأن اتفاقاً سرياً يربط بين الطرفين – فإنها ستكون قد اتبعت نهجاً مقاوماً ولكنها قوّضت العلاقات مع محور المقاومة لصالح العلاقة بينها وبين الأطراف الممولة لها حالياً , وهي أطراف لها علاقات تطبيع مع العدو الصهيوني . وهذا من شأنه إضعاف محور المقاومة أو محاولة عزل بعض قواه عن التواصل مع جبهة المقاومة , عدا عن السياسة المعادية التي يعتمدها الصلفيون من حلفاء جماعة القاعدة ضد بعض فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين والتي قد تتحول إلى ممارسة أشكال من العنف غايتها التدمير الذاتي لقوى المقاومة بدلاً من تعزيز هذه القوى.

ثم إن ما هو أهم , وما هو أخطر , أن فكر القاعدة لا يقود إلى قيام دولة الخلافة الإسلامية بمفهوم توحيد العالم الإسلامي , بل يقود إلى تفتيت المنطقة بدءاً من محاولة تفتيت سوريا نفسها . وهذا المنطق يخدم الاستراتيجية الصهيونية . ولعل ما جرى في مالي كان مؤشراً على سياسة "التفتيت" التي تتبعها القاعدة إذا كان الإمساك بالسلطة في مكان ما يتطلب ذلك . فمشروع الإمارة الإسلامية المستقلة في إقليم أزواد شمالي مالي هو عمل انفصالي , ومشروع الإمارة الإسلامية المستقلة في حلب التي تتحدث جبهة النصرة عن محاولة إقامتها هو أيضاً عمل يدل على منطق انفصالي يخدم هدف " التفتيت الاستراتيجي " باعتباره الهدف الرئيس للاستراتيجية الصهيونية.

إن فهم النقاط السابقة هو الذي يسمح لنا بمعرفة مدى الانسجام العملي خلف التناقض العلني بين موقف دول الغرب الاستعمارية من القاعدة في مالي وموقفها من القاعدة في سوريا , فما يبدو تناقضاً بين الموقفين إنما يكشف الخلفية العميقة وراء مساندة الغرب وأشياعه في المنطقة للإرهاب الذي تمارسه القاعدة في سوريا نظراً لما ينطوي عليه ما تفعله القاعدة من أهمية استراتيجية في خدمة المشروع الصهيوني بمواجهة محور المقاومة. وهذا ما يجعل تراجيديا الضارب والمضروب تجد مبرراتها لدى القاعدة , فلا تؤثر على سلوكها ضدّ سوريا.

لندع القاعدة , وهي تعيش تراجيديا الضارب والمضروب , غارقة في أحلامها المتعلقة بإقامة دولة الخلافة , ولنحاول مقاربة ما يجري معها في إفريقيا الآن.

ما هو الهدف الفعلي لفرنسا وشركائها غربيين وأفارقة من شنّ الحرب على القاعدة في مالي؟...

وما هي النتائج المترتبة على بوادر توسع هذه الحرب لتشمل العديد من الأقطار الإفريقية؟...

نحنُ نعرف بداية أن الاستعمار يريد أن يعيد وجوده الاستعماري المسيطر على إفريقيا تحت ذريعة محاربة القاعدة. وبالتالي , فإن القاعدة باتت بمثابة الذريعة التي يبرر بها الغرب سياسته الاستعمارية. وما تراها القاعدة فرصةً لإثبات وجودها في مكان يراها الغرب فرصة لاستعادة سيطرته المباشرة على ذلك المكان. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن: هل يريد الغرب من حربه الراهنة على القاعدة في بعض الأقطار الإفريقية استئصال القاعدة من إفريقيا أم يريد أن يلعب معها من خلال المبادرة إلى ضربها ومطاردتها لعبة القوة الطاردة ؟ وفي أيّ اتجاه يراد دفعها؟

هناك فارق جوهري بين أن تضرب أحداً بهدف قتله أو أن تضربه بهدف حمله على الرحيل من مكان معين إلى مكان آخر مغيّراً وجهته لأن مصلحتك تكمن في انتقاله إلى ذلك المكان. ولكي نصل إلى فهم منطقي لما يحدث على الأرض بالفعل علينا أن نراقب سلوك الغرب تجاه القاعدة والتنظيمات السلفية أو الصلفية الشبيهة بها في كل من تونس وليبيا بشكل خاص . ففي الظرف الراهن , وفي أعقاب ما أسميت بثورات "الربيع العربي" باتت ليبيا وتونس ملاذين أساسيين للقاعدة , وقاعدتي انطلاق لها باتجاه البلدان الأخرى , سواء في آسيا أو في إفريقيا . وما حدث في مالي عملياً , حين سيطرت القاعدة على شمالها , لم يكن سوى بداية طوفان القاعدة المفترض باتجاه المناطق الإفريقية المجاورة . لكن هذا التحرك كان محدود الحجم بالقياس إلى عملية تعبئة العناصر في المنطقة وإرسالها إلى تركيا والأردن ولبنان للتسلل إلى سوريا. وهذه العملية باتجاه سوريا تمت برعاية الغرب الاستعماري , بل وبرعاية جهة تابعة للأمم المتحدة في ليبيا. وهنا نقف أمام التناقض الواضح في سياسة الغرب , فهو حسّاسٌ بشأن توسّع القاعدة باتجاه إفريقيا انطلاقاً من ليبيا وتونس , ولكنه يشجع هذا التوسع باتجاه سوريا انطلاقاً من أيّ مكان كان. وهذا يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن عمليات الغرب ضدّ القاعدة في بعض أقطار إفريقيا لا ترمي إلى استئصالها , وإنما إلى أداء دور القوة الطاردة التي تبعد عناصر القاعدة عن المدى الإفريقي لتصدرها إلى المدى الآسيوي , وتحديداً السوري.

قد يكون المشهد العملي المتعلق بالدور المطلوب من القاعدة غربياً أكثر تعقيداً من الصورة التي أوردناها. بمعنى أنه قد يكون هناك تركيز مرحلي أيضاً على استهداف بلدان مثل الجزائر أو السودان أو تشاد أو حتى مصر إضافة إلى استهداف سوريا. لكن ما هو واضح بشكل جليّ أن الغرب لا يزال مستمراً في سياسته التي تجعل كلاً من ليبيا وتونس مصدرين لتجنيد عناصر للقاعدة وتدريبها وتسليحها وضخها في الاتجاهات التي يرغب الغرب بها , وفي مقدمتها حالياً سوريا. وبالتالي , فإن قوة الغرب الطاردة إنما تستهدف دفع القاعدة باتجاه محدد يخدم هدف الغرب المرحلي في استهداف سوريا بما يخدم مصلحة الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة.

لو أنّ قادة تنظيم القاعدة فكروا مليّاً في دلالة هذا السلوك الغربي لأيقنوا من الحقيقة الأساسية القائلة بأن الغرب الذي لا يسمح للقاعدة بإقامة إمارة إسلامية صغيرة معزولة فقيرة في أزواد , فيزجّ بقواته وبقوات إفريقية حليفة للقضاء على تلك الإمارة , لا يعقل أن يسمح للقاعدة أن تقيم لنفسها نواة خلافة إسلامية في الشام كما يحلم قادتها . فالقاعدة التي تعيش تراجيديا الضارب والمضروب مسموح لها بالحراك والتنفس والأداء ضمن الحدود التي تخدم أهداف الغرب المرحلية والاستراتيجية , بما فيها أهداف العدو الصهيوني , ولا شيء غير ذلك. وعليه , فإن الغرب يتعامل مع القاعدة تعامل السيّد الذي يتحكم بعبده , فيضربه إذا استلزم الأمر , أو يطلقه على الآخرين لضربهم لحسابه , وليس مسموحاً له أن يتجاوز إطار هاتين الحالتين: ضارب ومضروب في خدمة أميركا وأتباعها.

ومَن يعتقد أن بوسع القاعدة أن تتجاوز تراجيديا الضارب والمضروب ضمن هذا الحيّز العبودي وأن تعثر على فرص لتنتهزها غير ما يريده الأعداء لها إنما هو واهم . ففي اللحظة التي يقرر فيها الغرب أن تتحول القاعدة في مكان ما من ضارب لحسابه إلى مضروب لحسابه أو مصلحته , فإن مصادر التمويل والتسليح والخدمات اللوجستية ستقفل من كلّ اتجاه , وستجد القاعدة نفسها محاصرة وقيد الاستئصال. وإذا لم تتمكن القوى المحلية المعنية من إنجاز هدف استئصال القاعدة جاء الغرب بنفسه ليطلق على عبده الذي تخلى عنه وعن خدماته رصاصة الرحمة. ونعتقد أن تصريحات القادة الصهاينة التي يتحدثون فيها عن استعدادهم لشن العدوان بذريعة الحيلولة دون وصول الأسلحة الكيماوية إلى القاعدة أو إلى فصيل مقاوم تعني أنهم يفكرون بتكرار ما حصل في أزواد بحيث تضرب القاعدة في اللحظة التي تعتقد فيها بأنها اقتربت من تحقيق هدفها . وتكتمل بذلك تراجيديا الضارب المضروب مرّةً أخرى.

نستطيع الافتراض الآن بأن حكام مشيخة قطر ومملكة آل سعود سينصحون قادة القاعدة بتفادي استمرار الاشتباك مع الفرنسيين وحلفائهم في مالي , مؤكدين على أهمية تركيز الجهد في سوريا , وأهمية كسب مساندة الفرنسيين وغيرهم من الغربيين للقاعدة في سوريا , بدلاً من الاشتباك غير المحمود معها في مالي . ولن يتردد هؤلاء الحكام المنافقون المارقون في إبداء تعاطفهم الكاذب مع القاعدة وحنقهم على سلوك الفرنسيين في مالي , مُدّعين عجزهم عن التأثير على الموقف الفرنسي , خاصة وأن أميركا وبريطانيا أيّدتا فرنسا!!. ونعرف أن بعض قادة القاعدة سيتقبلون هذه النصيحة , خاصة إذا ما اقترنت بمزيد من المساعدات المالية والتسليحية. ولكن الهيمنة على الموقف قد لا تكون سهلة , وخاصة في مواجهة عناصر إفريقية محلية من أبناء مالي أو الدول العربية والإفريقية المحيطة بمالي. فربما أحسّ هؤلاء بالإهانة. وربما أحسّ هؤلاء بأن عليهم تحدّي الفرنسيين.

لكننا نعرف ما بعد ذلك. إن تراجيديا الضارب والمضروب ستأخذ مسارها. وسيكون بوسع الرعاة الأعراب للقاعدة إمكانية محاصرة القاعدة في الأماكن التي يريد الغرب محاصرتها فيها. وستكون الثغرة الوحيدة المفتوحة في دائرة الحصار مرحلياً هي باتجاه سوريا. ولو كانت القاعدة تتمتع بقيادة أمينة صادقة واعية لأدركت دون أن ينبهها أحد أن الغرب وعملاءه هم الذين يحددون لها مواضع أقدامها , ويفرضون عليها مشيئتهم , ويستغلونها في حروبهم , وأن تراجيديا الضارب والمضروب التي تعيشها هي دليل وقوعها في قبضة العبودية للغرب , والاسترقاق لعبيده من أمثال آل سعود وآل ثاني , وأن هذه التراجيديا تحكمها في كل مكان ما دامت مصلحة الاستعمار والصهيونية هي الأعلى بالنسبة للاستعمار والصهيونية , وما دامت نعاج الأعراب تخدم هذه المصلحة وتصر على أداء دورها العبودي.

----------
إسلام تايمز

ليست هناك تعليقات: