الاثنين، 28 يناير، 2013

هل ستصبح مالي مسرحا للغارات الاميركية؟


شباب المهجر (مقال) بقلم د. منذر سلمان / واشنطن -- لم تشهد منطقة شمال القارة الافريقية اضطرابات واسعة كما تشهده آنيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حين توقف القائد الالماني الاسطوري، رومل، وقواته على مشارف مدينة الاسكندرية. فالتطورات الجارية في مصر تشير الى تجذر نظام سلطوي شديد التخلف يتحكم بها مما يذكر بممارسات نظام الرئيس السابق مبارك. وليبيا ترزح تحت حالة قصوى من الفوضى وانتشار السلاح. ولا يزال الشعب التونسي ينتظر ترجمة ملموسة لنظام حكم يبشر بالاقلاع عن نظام الحكم السابق وتنخر الحكم الجديد الانقسامات وحالة من الضياع والجمود. اما الجزائر، فقد بدأت تتكشف ملامح المساعي لتشظيها، لا سيما وانها اقترنت مع زيارة امير دولة قطر لعاصمتها مؤخرا، وانطلاق النشاط المسلح "للقاعدة" من اراضيها بالاغارة على منشآت النفط والغاز في عين اميناس بالصحراء الجزائرية.../...

اضحت الاضطرابات  الحديثة تهدد بالانتشار السريع جنوبا بخلاف ما واجهته المنطقة ابان الحرب العالمية. ولهذا السبب حركت فرنسا قواتها العسكرية على الفور للتمركز في مستعمرتها السابقة في مالي. بدأت فرنسا التحرك عسكريا يوم 10 كانون الثاني الجاري في اعقاب سيطرة تنظيم "القاعدة في المغرب الاسلامي" على مدينة كونا، وسط البلاد، استعدادا للتحرك جنوبا نحو العاصمة باماكو. وبحكم موقع مدينة كونا الاستراتيجي بالقرب من نهر النيجر، تعاظم القلق لدى فرنسا لفقدانها اذ ان اي تغيير في استقرار المنطقة جنوبي النهر يعني لديها تضعضع استقرار منطقة الشطر الغربي من القارة الافريقية، لادراكها ايضا ان فيلق القوات الفرنسية المكون من نحو 2000 جندي، قوام العملية العسكرية سرفال، بالكاد سيستطيع المحافظة على الاستقرار النسبي وطرد المسلحين الاسلاميين من المناطق التي يسيطرون عليها شمالي البلاد.


دوافع الغزو الفرنسي

نشر مركز دراسات وابحاث مؤخرا تقريرا يوضح فيه توفر احتياطي هائل من الغاز الطبيعي والنفط في باطن الارض شمالي مالي، فضلا عن توفر مخزون اليورانيوم ايضا بنحو 5200 طن ومعادن اخرى،  مما شكل حافزا اضافيا للرئيس الفرنسي هولاند اتخاذ قراره بالتحرك للسيطرة على ثروات المستعمرة السابقة، لا سيما وان فرنسا تعتمد بنسبة 80% من انتاج طاقتها الكهربائية على المفاعلات النووية. وعليه، برزت مالي بموقعها وثرواتها الطبيعية كعمود فقري وممر عبور فرنسا للمنطقة بأسرها، والتي تضم: موريتانيا، ساحل العاج، غينيا، وبوركينا فاسو؛ وهي منطقة شاسعة مترامية الاطراف تسبح فوق مخزون موارد طبيعية ذات استخدامات استراتيجية، منها الذهب والمنغنيز والنحاس والكوبالت وثروات اخرى. وربما اعتقدت فرنسا ان تدخلها عسكريا هذه المرة سيكون سهلا وسريع المفعول، بالتزامن مع النقاشات الدائرة  في مجلس الامن الدولي للنظر في بلورة خطة تدخل عسكرية (قرار رقم 2085)، مما سيؤدي الى تلقي فرنسا دعما دوليا هذه المرة بخلاف تدخلاتها العسكرية السابقة في القارة الافريقية.

(تم تأسيس المركز المذكور، آفرو ميدل ايست سنتر، عام 1998، مقره مدينة جوهانسبيرغ في جنوب افريقيا، ممول حكوميا، وترأسه لفترة قصيرة مدير قناة الجزيرة المستقيل، وضاح خنفر.)

تورطت القوات الفرنسية ووسعت رقعة القتال لتلاحق المسلحين في منطقة ديابالي في غرب البلاد، كما تفيد احدث التطورات، بالتزامن مع اعلانها ان غاراتها الجوية نجحت في اخراج مجموعتي "انصار الدين" و"القاعدة" من مدينتي غاو وتيمبكتو. وصرح القادة العسكريون الفرنسيون ان الغارات الجوية استهدفت "مراكز القيادة" للمتمردين بالقرب من تيمبكتو في الايام القليلة الماضية. بالمقابل، يرجح ان تستند اسيتراتيجة القاعدة القتالية الى فرض الانتشار الى اوسع مساحة جغرافية على القوات الفرنسية، والتي ستصبح هدفا سهلا لغارات الفر والكر، ولن تكون محصورة برقعة مالي الجغرافية وحدها.

الثابت من سير المعارك ان القوات الفرنسية تفتقد الى بنية لوجستية تحتية مؤهلة مما دفع بالولايات المتحدة الى الزج بطائرات نقلها الضخمة من طراز C-17 لنقل القوات الفرنسية جوا، وعلى متنها القوات البرية والمعدات القتالية انطلقت من قاعدة عسكرية جنوبي فرنسا الى العاصمة المالية، باماكو. وحققت الطائرات الاميركية رحلتين جويتين مطلع الاسبوع الماضي، اعقبتها برحلة ثالثة يوم الثلاثاء، وستستمر الرحلات الجوية في الايام المقبلة، استنادا الى ما صرح به الناطق باسم قيادة افريكوم الاميركية.

للدلالة على عمق المأزق الفرنسي، انضمت دول افريقية اخرى للجهد العسكري ابرزها تشاد التي تعهدت بتوفير قوة قتالية مكونة من 2000 جندي للانضمام الى القوات العسكرية القادمة من غربي افريقيا "لدعم الحكومة المالية والقوات الفرنسية." كما صادق مجلس النواب الايطالي على طلب ارسال وحدة من المدربين العسكريين يتراوح تعدادها بين 15 الى 24 عنصرا، والذين سيعملون جنبا الى جنب مع قوات الاتحاد الاوروبي لتدريب القوات المالية. كما وافقت ايطاليا على توفير دعم لوجستي للحملة يضم طائرتي نقل على الاقل، بيد ان الفترة الزمنية لتنفيذ ذلك لم تحدد بعد.

كما تطوعت دول اخرى لدعم الحملة العسكرية الفرنسية، اذ خصصت كل من كندا وبريطانيا طائرات نقل عسكرية لمحاربة المسلحين؛ كما اعلنت وزارة الخارجية الاميركية عن انضمام قوة عسكرية افريقية قوامها  نحو 700 الى 800 جندي من عدة دول افريقية لدعم الحملة تشمل بينين، نيجيريا، توغو، وبوركينا فاسو.

التصدي الفعال لنشاط القاعدة في مالي يعتمد الى حد كبير على مدى العزم والتصميم لدى الجانبين الفرنسي والاميركي للمضي بذلك. ففرنسا اعربت عن عزمها منع التدخل في مستعمرتها السابقة؛ في المقابل الغموض يلف النوايا الاميركية.

هناك اجماع في الفهم بين البيت الابيض والبنتاغون حول استطاعة تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي التسبب بايقاع قدر هائل من الخراب. والبيت الابيض، بدوره، منهمك في تحديد طبيعة مخاطر القاعدة خارج المنطقة الجغرافية الراهنة. الاشارات الاولية تدل على الميل لنفي القدرة التخريبية، ومقاومة الضغوط المختلفة للتدخل المباشر ضد القاعدة – لكن الى حين.

اما البنتاغون فقد اوضحت موقفها بشكل جلي لخشيتها من استطاعة تنظيم القاعدة التمركز في مالي وتحويلها الى قاعدة انطلاق لعمليات الارهاب اسوة بما حصل في افغانستان قبل احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وقالت للدلالة ان المسلحين في مالي "لو تركوا وشأنهم ... سيراكمون قدرة (ميدانية) تتسق مع نواياهم – والتي ستوسع رقعة التحكم والتحرك لديهم لشن هجوم على المصالح الاميركية،" كما ورد على لسان قائد قوات افريكوم، الجنرال كارتر هام، ليومية لوس انجليس تايمز.

من جانبه، يزعم الرئيس اوباما انه من المعارضين لاي ترتيبات تعيد الاستعمار من جديد – نيوكولونيالية، ويتبنى وجهة نظر تفيد بأن تواجد القوات الفرنسية (على اراضي الغير) سيحفز المشاعر المحلية الكارهة للغربيين، ومن ثم ستؤدي الى شن هجمات ارهابية، كما اكدت الهجمات الاخيرة واخذ الرهائن في الجزائر.

التقارير المتواترة لفترات زمنية متعددة من مالي تدل على تشابه قوي بين مسلك تنظيم القاعدة في مالي وقوات طالبان في افغانستان قبل فترة حكمهم للبلد. فمقاتلي القاعدة في مالي يلقون دعما فاترا بين صفوف السكان المحليين الذين لا ينظرون بعين العطف نحوهم لمحاولاتهم تطبيق نمط متشدد من فهم الدين الاسلامي والذي لا يوازي شعائر الايمان والتعبد المعتدلة لمعظم الاهالي في مالي.


الخيارات الاميركية

قلق شديد يساور الرئيس اوباما للخشية من التورط في عمل عسكري طويل الاجل في مالي، بالتساوق مع اجراءات ترشيد النفقات وخفض عديد القوات العسكرية الاميركية. وتعكف البنتاغون على دراسة التداعيات المرتقبة الناتجة عن التخفيضات المالية الكبرى، والحد من التواصل مع النشاطات العامة المعتادة الى الحد الادنى امتثالا لتخفيضات الميزانية العامة. بل لعل الاهم قدرتها على التأقلم مع خفض نشاطات القواعد العسكرية الروتينية الى مستوى اقل يبلغ 30%، كما هو منصوص عليها.

للدلالة، اوضح قائد هيئة قيادة الاركان المشتركة، مارتن ديمبسي، لرئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، كارل ليفن، في خطابه الموقع بالاشتراك مع قيادات القوات البرية والبحرية ومشاة البحرية (المارينز)، ان "عوارض شروط الميزانية الجارية الأن هي المسؤولة عن ازمة الجاهزية" للقوات العسكرية، محذرا "اننا على وشك ابتداع قوة مجوفة،" جراء الامتثال لشروط التخفيضات المالية، الامر الذي قد يفرض على البنتاغون الاحتفاظ بعدد من القوات (القتالية) والتي لا يمكنها مراعاتها على قدر كاف.

الضحايا الاولية لتلك التخفيضات قد تتجسد في الدعم اللوجستي الاميركي لفرنسا في غزوها لمالي. فسلاح الجو الاميركي، الذي يقع على عاتقه المسؤولية الاساسية للدعم الحربي هناك، قد باشر في تطبيق اجراءات التخفيضات بالرغم من عجزه المالي المتوقع بمبلغ 2 مليار دولار الى نهاية السنة المالية الجارية؛ مع الاخذ بعين الاعتبار ان طائرات الشحن العسكرية تتطلب كميات كبيرة من الوقود لانجاز مهامها، وحاجتها الدائمة لاجراءات الصيانة، وتكلفتها العالية لكل ساعة طيران مقارنة مع الطائرات المقاتلة.

تنفرد الولايات المتحدة بقدراتها اللوجستية العالية التي لا تضاهيها اي دولة اخرى. اما كندا وبريطانيا، المشاركتين في الحملة العسكرية، فقد وعدتا بتوفير ثلاث طائرات شحن ضخمة اصاب العطل اثنتين منها قبل وصولها لمالي. لو افترضنا ان الولايات المتحدة سترغم على تقليص رحلات الطيران اللوجستية (للمعدات والقوات) الخاصة بالقوات الفرنسية والقوات الاخرى المشاركة، ستجد القوات العسكرية الفرنسية نفسها فجأة مضطرة لتقليص نطاق عملياتها القتالية. وعوضا عن قيامها بعمليات هجومية، ستلجأ للقيام بدور دفاعي وتسليم جزء كبير من اراضي مالي للمسلحين.

من ضمن الخيارات الاخرى المتاحة، توافق الكونغرس والرئيس اوباما على ادخال بعض التعديلات للنصوص القانونية الخاصة بتقليص الميزانية كي تجنب القوات المسلحة تطبيق تخفيضات تضر بقدراتها. ومن شأن هكذا خيار السماح للقوات العسكرية الاميركية الاستمرار بتوفير الدعم غير القتالي للعمليات الدائرة في مالي.

وهناك خيار آخر ولو انه مثير للجدل، لكنه سريع المفعول، يقضي بالسماح للقوات الاميركية القيام بمهام قتالية، رغم ما يتطلبه من توفير اموال اضافية، لكن قد يشكل عاملا هاما لانهاء الحرب بشكل سريع وحاسم. ويتطلب الامر قرارا من الكونغرس مما يعني تعزيز دوره في التأثير على قرار الحرب الذي يفضل اوباما اخراجه من حيز التداول بالكامل.

طبيعة مالي الجغرافية وارضها المنبسطة تقلل من فرص اعتماد المسلحين على شن حرب عصابات، بخلاف ما شهدته فييتنام وافغانستان حاليا. اذ تخلو مالي من المناطق الجبلية وغطاء نباتي كثيف مما يحرم قوات القاعدة من انشاء معاقل آمنة تخضع لسيطرتها. فمعدل الكثافة السكانية في المنطقة ضئيل، فضلا عن معارضة المواطنين لقوى المسلحين مما يحرمهم من تلقي الدعم والحماية وتوفير الموارد اللازمة. ان تسنى للقوات الفرنسية السيطرة والاحتفاظ بالقرى السكانية، سيرغم المسلحون على الانتشار في الصحراء للمحافظة على سلامة قواتهم. كما ان تشديد اجراءات الرقابة على الحدود المشتركة مع الدول الاخرى (التي تتطلع لهزيمة المسلحين) سيحرم المقاتلين من الامدادات الغذائية والمادية وتسهم في تلاشي حركة التمرد.

الرئيس اوباما كان يفضل التركيز على الزهو بنشوة الانتصار وبريق احتفالات مراسيم تنصيبه رئيسا للمرة الثانية، الا انه وجد نفسه مرغما لاتخاذ قرار عاجل بشأن المدى الذي ينبغي ان يذهب اليه في مالي. من ناحية، لو تسنى استمرار العمل بقواعد الوضع الراهن فان القوات الفرنسية المتواجدة والتي تعاني من نقص في الامدادات قد لا تنجح في وقف اندفاعة تنظيم القاعدة، مما سيؤدي الى تشكيل قاعدة انطلاق للارهاب في القارة الافريقية من شأنها تهديد دولها، بل سيصبح بمقدورها تنفيذ هجمات في مواقع بعيدة خارج القارة. النتيجة المتوقعة ستؤدي الى كارثة سياسية لادارته المقبلة.

ومن ناحية اخرى، الاستمرار في تقديم الدعم اللوجستي على النحو الحالي سيؤدي الى اطالة امد الحرب، مما سيضع النتيجة النهائية للازمة رهنا لعزم الفرنسيين حسم القتال. في تلك الحالة، قد لا تأتي النتائج مواكبة لتطلعات الادارة الاميركية. المفارقة الكبرى في هذه المعادلة ان "اوباما الذي يزعم انه مناهض للظاهرة الاستعمارية" سيفسح مجالا اكبر لدور فرنسي في افريقيا.

كما باستطاعة اوباما اطلاق يد وكالة المخابرات المركزية في مالي كي تحولها الى ساحة معارك اخرى لحرب بطائرات الدرونز. وعلى الرغم من الاغراءات الكامنة في مثل هذا الخيار، الا ان الحروب تستوجب وضع "قوات على الارض" لتحقيق الانتصار تقود اما الا التزام الولايات المتحدة بنشر قوات مقاتلة او دمج سلاح طائرات الدرونز في الاستراتيجية العسكرية الفرنسية. في حال قرر اوباما خوض الحرب بطائرات الدرونز دون دعمها بقوات اميركية مقاتلة، او الاحجام عن تنسيق الجهود مع القوات الفرنسية الموجودة، فانه بذلك يغامر ببلورة مشاعر عدائية في مالي على قدم وساق مما يجري في عدد من الدول الاخرى التي تتعرض لغارات مستمرة وغير مقيدة من طائرات الدرونز لما ستسببه من اضرار جانبية جسيمة. فضلا عن ان المهام المنوطة بسلاح طائرات الدرونز راهنا تقتضي استمرارها الدائم في شن عملياتها، اما تحويل وجهتها الى مالي ستؤدي الى تقليص نطاق عملياتها في الجبهات الاخرى.

الخيار الاخير المتوفر ينطوي على تصعيد نطاق التدخل الاميركي على أمل قدرته حسم نتيجة الازمة في وقت مبكر وربط تطورات المرحلة المالية المقبلة رهن سياسة الرئيس اوباما. استنادا الى المعطيات القائمة في مالي، يبدو ان هذ الخيار هو الاوفر والاسرع واقل كلفة عن سواه.
لا تملك الادارة الاميركية ترف تجاهل التطورات المتسارعة في مالي، بصرف النظر عن رغبة الرئيس اوباما "انهاء عقد من الحروب" الاميركية، وقد يجد نفسه في وضع يضطره الى توسيع نطاق ما بشر به من "حروب محدودة ..."

------------------------
د. منذر سلمان



ليست هناك تعليقات: