الأربعاء، 16 يناير، 2013

السعودية: القرار المصيري و الوعد المؤجل


شباب المهجر (دراسة) -- “هناك أقلية الشيعية قلقلة ومنظمة بشكل جيد في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، شاركت في سلسلة احتجاجات الشوارع منذ وقت مبكر من العام 2011. ويستخدم الشباب (ذكورا وإناثا) في جميع أنحاء البلاد وسائل الإعلام الجديدة بشكل جيد، حيث لا تتقدم على السعودية إلا مصر في استخدام الفيسبوك في المنطقة؛ بينما نسبة السعوديين في استخدام تويتر ويوتيوب هي الأعلى من بين شعوب العالم تقريبا”.../...


ملخص القسم الأول:

هل تتغير العربية السعودية في عام 2011، أسقطت الثورات الشعبية الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط؛ وحتى الملكيات “الصديقة” مثل المغرب والأردن بادرت بتعديل أو تغيير دساتيرها لإظهار أنها ستكون أكثر استجابة وتناغما مع الشعب.

وعلى النقيض من ذلك، لم يمنح الملك السعودي أي سلطة جديدة لمجلس الشورى، وهو هيئة غير منتخبة مع صلاحيات محدودة للتشاور فقط، ولم يُبد السعوديون اهتماما كبيرا بالمجالس المحلية ذات الصفة الرمزية، حيث يتم انتخاب نصف أعضائها فقط.

“في الواقع، لم يتغير شيء”، قال محمد بن فهد القحطاني، أستاذ الاقتصاد والناشط في مجال حقوق الإنسان، كما حدثني في الرياض في مايو الماضي. (وبعد عدة أسابيع من حديثي معه، استُدعي القحطاني للمحاكمة بتهمة تأسيس منظمة لحقوق الإنسان غير مصرح بها، ويمكن أن يواجه ما يصل إلى خمس سنوات في السجن).

ويبقى التدخل المباشر الذي أقدمت عليه المملكة العربية السعودية في البحرين المجاورة، حيث تم إرسال قوة بقيادة سعودية، في مارس 2011، لدرء ثورة شعبية ودعم النظام الملكي البحريني.

واستخدمت الرياض أيضا نفوذها في مجلس التعاون الخليجي، تحالف الأنظمة المستبدة في دول الخليج العربي، لإسناد القصور الملكية المحاصرة في المغرب والأردن. في حين التزم البيت الأبيض الصمت.

ذلك أن الولايات المتحدة تتاجر، وخصوصا في النفط والأسلحة، مع المملكة العربية السعودية أكثر من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، وتعتمد على التعاون الوثيق مع السعودية في مكافحة الإرهاب في اليمن.

خلال زيارة قمت بها مؤخرا إلى عدة أجزاء من البلاد، تحدثت مع أكاديميين وصحفيين وشخصيات من الأقلية الشيعية، والمدونين الشباب، وكذلك رجال الدين والمسؤولين الحكوميين، وانتقد الكثيرون منهم صراحة الحكومة؛ أحد الصحفيين الذين عملوا في وسائل الإعلام الرسمية قال لي، بعد دقائق من التعارف: “لا أستطيع انتظار انهيار هذا النظام!”.

سألت إحدى النساء الناشطات البارزات في مجال حقوق: لماذا لم يطالب أكثر السعوديين بكتابة دستور كامل، يمكن أن يوفر إطارا قانونيا أكثر صرامة لاستمرار حكم آل سعود، وتتم مناقشة ذلك علنا بعد هجمات 11 سبتمبر، فأجابت: “لا أحد يتحدث عن ذلك بعد الآن، وقد تم سجن كل دعاة الملكية الدستورية”.

بين العديد من الألغاز التي تحيط بمجموعة من الإخوة المسنين الذين حكموا المملكة العربية السعودية منذ عام 1953، وهو العام الذي توفي فيه والدهم، عبد العزيز، مؤسس الدولة الحديثة، هو الكيفية التي يتهربون بها باستمرار من قوى التغيير.

رغم امتلاك السعودية لأكبر احتياطي للبترول في العالم، فقد خفضت عقود من النمو السكاني السريع نصيب الفرد من الدخل إلى مستوى هو الأصغر في دول الخليج، وحتى شعب البحرين، وهو بلد نفطه قليل ويعاني من الاضطرابات منذ مطلع العام 2011، فإنه أكثر ثراء من جاره.

وبعد أن ازداد عدد السكان إلى الضعف تقريبا منذ عشرين عاما، حيث وصل تعداده إلى 28 مليون، بمن فيهم أكثر من ثمانية ملايين من المقيمين الأجانب المسجلين، من العاملين والعاملات. وأما المهاجرين غير الشرعيين، الذين يدخلون بتأشيرات الحج أو عبر الحدود اليمنية التي يسهل اختراقها، قد تقترب من مليوني شخص.

مع ثلاثة أرباع مواطنيها الآن تحت سن الثلاثين، تواجه المملكة العربية السعودية العديد من المشاكل الاجتماعية كما اليمن ومصر. وحسب بعض التقديرات، فإن ما يقرب من 40 في المائة من السعوديين الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين وأربعة وعشرين من العاطلين عن العمل، وبصرف النظر تماما عن تنظيم القاعدة، هناك تاريخ طويل ومضطرب من انجذاب الشباب نحو التطرف.

كما يشكو البلد من أزمة السكن والتضخم المزمن، وشهد حالات متكررة من الإرهاب الداخلي، وتعاني ضواحي الرياض وجدة بسبب الفقر والمخدرات وعنف الشوارع والمشاكل التي لم تكن معروفة في أرض الحرمين الشريفين.

على رأس هذا، يبدو أيضا أن المملكة العربية السعودية تمر بالظروف نفسها التي أدت إلى ثورة أوسع في البلدان المجاورة.

هناك أقلية الشيعية قلقلة ومنظمة بشكل جيد في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، شاركت في سلسلة احتجاجات الشوارع منذ وقت مبكر من العام 2011. ويستخدم الشباب (ذكورا وإناثا) في جميع أنحاء البلاد وسائل الإعلام الجديدة بشكل جيد، حيث لا تتقدم على السعودية إلا مصر في استخدام الفيسبوك في المنطقة؛ بينما نسبة السعوديين في استخدام تويتر ويوتيوب هي الأعلى من بين شعوب العالم تقريبا.

هذا الأمر جعل من الأسهل كشف الفساد المزعوم على أيدي أعضاء من العائلة المالكة، كما هو الحال مع مستخدم تويتر واحد مجهول (مجتهد) “Mujtahidd”، مستندا لمصادر مطلعة من الداخل، الذي جذب أكثر من 800،000 متابع لموقعه.

في تناقض صارخ مع سكان البلاد من الشباب، فإن سلالة آل سعود الحاكمة تبدو في كثير من الأحيان هرمة ومقطوعة الصلات (شعبيا). ورغم أنه عُين ملكا منذ سبع سنوات فقط، إلا أن عبد الله كان وليا للعهد لثلاثة وعشرين عاما قبل أن يصبح ملكا، وقائدا للحرس الوطني لنصف قرن تقريبا. ولم يكن في صحة جيدة (منذ فترة)؛ زياراته الطبية للولايات المتحدة كثيرا ما أثارت التعليقات.

وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى نظام المملكة العربية السعودية غير العادي في الاستخلاف، هناك احتمال ضئيل بأن يصعد شاب إصلاحي “صاحب كاريزما” إلى العرش الملكي في وقت قريب.

ويفترض أن يُعين العاهل الحالي خلفا له، أو وليا للعهد، من بين إخوته الأصغر منه قبل أن ينتقل الحكم الملكي إلى الجيل الثالث، علما أن كثيرا منهم (الجيل الثالث) قد بلغوا منتصف العمر.

في عام 2006، أنشأ الملك عبد الله “هيئة البيعة” المكونة من كبار الأمراء للمصادقة على قرارات الاستخلاف، وهي خطوة يبدو أيضا تهدف إلى تعزيز التوجه المحافظ. وتوفي اثنان من الأمراء وكانا يشغلان منصب ولي العهد على التوالي، في العام الماضي. وولي العهد الحالي (الأمير سلمان)، هو الأخ غير الشقيق للملك عبد الله، وهو شاب نسبيا 76 مقارنة بمن سبقوه. وفي الوقت نفسه، هناك الآن حوالي 7000 أميرا من العائلة المالكة في أكبر عدد لها، وكل واحد منهم يحصل على حصته من الميزانية الوطنية.

وفي مواجهة تحديات مستعصية مثل هذه، نتساءل: هل يمكن للنظام الذي تدعمه الولايات المتحدة البقاء على قيد الحياة؟

وكُتب في هذا تحقيقان جديدان منذ الربيع العربي من طرف صحفيين أمريكيين مخضرمين، وتوصلا إلى إجابات مختلفة بشكل كبير: “كارين إليوت هاوس”، مديرة تحرير سابقة لصحيفة وول ستريت جورنال، ترى أن البلد “يغلي” مع تنامي السخط، وقيادته تذكرها بـ”العقد الميت للاتحاد السوفيتي”.

في كتابها: “عن السعودية: شعبها، الماضي، الدين، الخطوط الخاطئة والمستقبل”، قالت إنها تتوقع “صداما محتملا” عندما يمر التاج إلى الجيل الثالث.

مع تغطيته لأغلب جوانب التحقيق السابق، فإن الكاتب “توماس ليبمان”، وهو مراسل سابق لصحيفة “واشنطن بوست”، سافر إلى المملكة العربية السعودية لأكثر من ثلاثة عقود، وجد “أدلة قليلة على رغبة أي من فئات الشعب السعودي في أن يحل محل النظام”. في كتابه: “المملكة العربية السعودية على الحافة”، قال إنه متفائل عموما بشأن مستقبل ملكية مسلحة بشكل جيد واستثنائي بالأموال.

“بالنسبة للاتجاه نحو الأفضل أو الأسوأ”، كما كتب: “لا يمكن للعالم الخارجي أن يفترض أن آل سعود سوف يستمرون في الحكم ما دامت عائدات النفط لا تزال تتدفق على خزائنهم”…


ملخص القسم الثاني:
  
“بمجرد بداية اعتقاد السعوديين أن الوعد لم يُلتزم به: عائدات النفط التي تدفع العملية برمتها لم تعد قادرة على مواصلة تلبية الاحتياجات المحلية، فإن التحول، الذي يتوقعه بعض المحللين، يمكن أن يحدث في منتصف هذا العقد، وحينها، فإن مستقبل آل سعود سيكون غير مستقراً حقا”

لا تزال الافتراضات الغربية عن المملكة العربية السعودية (إلى حد كبير) تبدأ وتنتهي مع الربع الخالي، المساحة الشاسعة القاحلة في جنوب شرق الجزيرة العربية وتعد أكبر صحراء رملية في العالم وهي تحتل الثلث الجنوبي من شبه الجزيرة العربية. وعلى أطرافها، تم اكتشاف النفط في الثلاثينيات من القرن الماضي، ومن خلال تجارب الاحتكاك بالبدو الرحل، قدم مستكشفو القرن العشرين، مثل ويلفريد ثيسجر، العربية السعودية للجماهير الغربية.

من هذا المنطلق، ظهرت القصة المعروفة إلى اليوم: بدعم من شركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا”، وهي تابعة سابقا لشركة “ستاندرد أويل” النفطية التي أسسها (رجل الأعمال وأحد مؤسسي صناعة النفط في أمريكا) “جون روكفلر”، دخلت الحكومة الأمريكية في تحالف ثابت مع عائلة آل سعود، والتي تنحدر من قبائل نجدية قوية، ويرجع تاريخ هيمنتها على نجد إلى القرن الثامن عشر.

والقصة باختصار، كما هو متداول:

قامت الحكومة السعودية منح الامتياز لشركة ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا (شيفرون حاليا)، وأصبحت تملك الامتياز للتنقيب عن النفط في المملكة العربية السعودية. ولقد تم تقسيم الشركة إلى شركة فرعية مملوكة بالكامل وسمتها كاليفورنيا العربية ستاندرد أويل (CASOC). في عام 1936، بعد أن فشلت الشركة في العثور على النفط، اشترت شركة نفط تكساس (تكساكو) 50٪ من حصة الامتياز للتنقيب عن النفط.

بعد أربع سنوات من التنقيب تم الوصول إلى أول نجاح مع موقع الحفر السابع في الدمام في في عام 1938 وذلك على بعد أميال قليلة شمال الظهران. وفي 1944، تم تغيير اسم الشركة من كاليفورنيا أرابيان ستاندرد أويل (سوكال) إلى شركة الزيت العربية الأمريكية (أو أرامكو).

عام 1950، هدد الملك عبد العزيز بن سعود بتأميم المنشآت النفطية في البلاد، وبالتالي استطاع الحصول من أرامكو على حصة في الأرباح. وكانت هناك عمليات مماثلة حدثت مع شركات النفط الأمريكية في فنزويلا في نفس الوقت. منحت الحكومة الأمريكية الشركة الأمريكية أرامكو تخفيضات ضريبية عرفت باسم الحيلة الذهبية التي تعادل الأرباح التي كانت تمنح للابن سعود. و في الترتيب الجديد تم نقل مقر الشركة من نيويورك إلى الظهران.

في عام 1973، استحوذت الحكومة السعودية على حصة 25٪ من شركة أرامكو الأمريكية. وفي عام 1974 ارتفعت حصة الحكومة السعودية إلى 60٪ . استطاعت الحصول على حصة 100٪ من أرامكو في عام 1980 ومن ثم السيطرة الكاملة على شركة أرامكو في نوفمبر 1988،تم تم تعديل اسم شركة أرامكو بمرسوم ملكي إلى شركة الزيت الأمريكية العربية السعودية أو ( أرامكو السعودية) الذي ترتب عليه إدارة العمليات والسيطرة على البترول والغاز السعودي، وأصبحت أرامكو السعودية شركة مملوكة بالكامل للحكومة السعودية.

وبعد ذلك استخدموا (عائلة آل سعود) أرامكو نفسها لتحويل ما كانت توصف بها أرض “فقيرة ومتخلفة” إلى دولة متقدمة بسرعة خارقة تقريبا: الأميركيون قدموا المهارات والخبرات البيروقراطية؛ والنفط السعودي قدم الأموال النقدية، وآل سعود المدعومون من قبل الأتباع المتحمسين للمصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703-1792)، أعطوا الشرعية الثقافية والدينية لكامل المشروع.

ومع ذلك، فقد تبين أن القليل جدا من هذه القصة هو الصحيح. ذلك أن آل سعود لم يوطدوا سلطتهم حتى العقد الثالث من القرن العشرين، وأن أجزاء مهمة من المجتمع السعودي كانوا على درجة عالية من التطور (وليس بالضرورة تحت سيطرة الوهابية) في وقت اكتشاف النفط. في منطقة الحجاز على الساحل الغربي، كانت هناك تقاليد للجمعيات الأهلية ترجع لعدة قرون

قبل الإخضاع السعودي، كان ميناء جدة العالمي على البحر الأحمر كبيرا بحيث يتسع للهنود والأوروبيين الذين يتاجرون جنبا إلى جنب مع التجار الأقوياء المحليين في التوابل وغيرها من السلع، كما كان للمدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، شركات كبيرة تجمع الإيرادات من خدمات الحج.

خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، عرفت هاتان المدينتان، وغيرها من مدن الحجاز، أحزاب سياسية، ومجالس منتخبة، وصحافة مزدهرة.

ومن جانبها، كانت شركة “أرامكو” أبعد من أن تتحول إلى أداة فعالة للتنمية المستنيرة، كما أكد العالم السياسي والمؤرخ “روبرت فيتاليس”.

ومع استغلالها (الشركة) السكان المحليين بوحشية، تطورت حركة عمالية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وهددت حينها بزعزعة استقرار البلاد.

في الواقع، خلال السنوات الأولى من النفط، كان هيكل النظام الملكي نفسه مفتوحا للنقاش: في بداية الستينيات (من القرن الماضي)، شكل الملك سعود، الذي كان قد خلف أباه الملك الراحل عبد العزيز في عام 1953، حكومة إصلاح (ولفترة وجيزة) شملت أفرادا من عامة الشعب لإقامة شكل من أشكال الحكم التمثيلي.

والأسباب التي دفعت بالسعودية إلى أن تصبح دولة استبدادية تابعة للولايات المتحدة، هو موضوع دراسة جديدة للباحثة “سارة يزرائيلي” (Sarah Yizraeli) (باحثة في مركز موشي ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية في جامعة تل أبيب) بعنوان: السياسة والمجتمع في المملكة العربية السعودية: السنوات الحاسمة للتنمية، 1960-1982.

الباحثة المستعربة (المستشرقة) في جامعة تل أبيب (سارة يزرائيلي) تمكنت من اختراق المجتمع السعودي من بعيد وبطرق استعصت على الصحفيين والباحثين.

ورغم أنها قد مُنعت، على ما يبدو، من دخول المملكة العربية السعودية لكونها مواطنة إسرائيلية، إلا أن لها منذ فترة طويلة متابعات من بين المتخصصين لتمكنها من توفير مواد من مصادر سعودية ودولية غامضة.

ولم تركز على العقود المدروسة بكثرة منذ العام 1979، والتي جرت فيها الصحوة الإسلامية النظام لإعادة تأكيد اعتماده على الوهابية وفرض قيود واسعة النطاق على الحياة الثقافية، ولكنها ركزت أكثر على الحقبة السابقة التي أهملت إلى حد كبير.

وقصة الباحثة “إيزرائيلي” دقيقة وصادمة في استنتاجاتها: خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، استغلت السعودية ثروتها النفطية بشكل لم يسبق له مثيل، وكانت السعودية قادرة على بناء، وبسرعة كبيرة ومتقدمة من الناحية التكنلوجية، دولة الرفاه مكتفية ذاتيا اقتصاديا.

وبعيدا عن مشروع مدفوع من قبل الولايات المتحدة وشركة أرامكو، كان العقل المدبر لهذا التحول الجذري هو العائلة المالكة نفسها (وخاصة من الملك فيصل، الذي خلف الملك سعود في العام 1964 بعد صراع على السلطة)، وهو مصمم خصيصا (هذا التحول) لتعزيز حكمها وتحييد أي ضغط من أجل الإصلاح السياسي.

كما وصفتها الباحثة الإسرائيلية “إيزرائيلي” بـ”التغيير الدفاعي”، فإن هذه الإستراتيجية معنية بإنشاء إدارة مركزية واسعة يمكنها استمالة الفصائل المتنافسة في المجتمع، حتى وإن أدى هذا إلى انهيار الولاءات القبلية التقليدية.

وكان أمرا حاسما بالنسبة للدولة، التأكيد على جذور النظام الملكي الإسلامية، وما تبع ذلك من الحاجة للفصل بين التنمية الاقتصادية والمؤسسات السياسية والدينية، والتي لا يمكن العبث بها، واحتضان مثالية الإجماع الواسع الذي خدم عزل وتهميش أنصار الإصلاحات العميقة.

كما كان تشريح الباحثة “إيزرائيلي”، الدقيق، لبداية سياسة الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، استفزازيا.

حتى السنوات الأولى لإدارة (الرئيس الأمريكي) جونسون، كما لاحظت الباحثة، كانت وزارة الخارجية ترى أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية يُفترض أن تفرز حكومة تمثيلية، وقد ضغطت باستمرار على آل سعود لفتح النظام السياسي. “وهذا ما فعله على الدوام سفراء أمريكا في المملكة العربية السعودية … تسليط الضوء على قضية الإصلاح السياسي والاجتماعي”، كما كتبت الباحثة.

وفي اجتماع مع سفير الولايات المتحدة “ايلتس هيرمان”، رد فيصل بصوت مرتفع: “هل تريد الولايات المتحدة من المملكة العربية السعودية أن تُصبح حرما آخر لجامعة بيركلي؟”.

ولكن كل هذا أفضى إلى نهاية مفاجئة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، عندما بدأت واشنطن في الحد من انتشار المد الناصري، ورأت أن ذلك من مصلحتها الكبرى، وتعزيز سياسة التصنيع بقيادة الولايات المتحدة، والتي دافع عنها فيصل: “توقفوا عن دفع السعوديين للإصلاح الداخلي”، كما نصح وزير الخارجية الأمريكي حينها “دين راسك” سفير الولايات المتحدة في الرياض “ايلتس”: “الملك يعلم ما هو الأفضل لمصلحته الخاصة”.

وسرعان ما أصبح يُنظر إلى الملك فيصل، المدافع القوي لحكم آل سعود المطلق، والذي ملأ سجونه بالآلاف من المعتقلين السياسيين في بداية السبعينيات من القرن الماضي، في العاصمة واشنطن، على أنه الحاكم الذي يعمل على “تحديث المملكة”.

في الواقع، أقرت الولايات المتحدة إستراتيجية لبناء الدولة جلبت للشركات الأمريكية، مثل شيفرون وبكتل، ولوكهيد مارتن، مليارات الدولارات من عقود واستثمارات، في حين تمكن النظام الملكي والمؤسسة الدينية من مزيد السيطرة، وبشكل غير مسبوق، على المجتمع السعودي. وكان هذا القرار مصيريا، مما عزز سياسة تجاهل حقوق الإنسان لسنوات واستمر ذلك حتى يومنا هذا.

عندما التقيت السفير الأمريكي الحالي لدى المملكة العربية السعودية “جيمس سميث” في الرياض خلال شهر مايو الماضي، ولم يكن واضحا بشأن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية: الركائز الثلاث، كما قال، هي أمن النفط، الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، حيث كانت الضغوط حول حقوق الإنسان والتغيير السياسي غير منتجة. بدلا من ذلك، فإن واشنطن تحتضن بنشاط التيار الرئيس للشباب السعودي، وقد يكونون غير راضين على قادتهم، وهم يسعون الآن للدراسة في الولايات المتحدة كجزء من برنامج الملك عبدالله الطموح للمنح الدراسية.

بالتأكيد، فإن إرسال الشباب السعودي للكليات الأمريكية سيكون له تأثير، مع مرور الوقت، في تحرير المجتمع السعودي. ولكن يناسب أيضا سلسلة التطورات، بما في ذلك نوادي البحر الأحمر الخاصة، حيث يمكن للسعوديين ارتداء الملابس الغربية، والجسر الممتد إلى البحرين المجاورة، حيث يمكنهم الاستمتاع بحرية بتناول الكحول (والمتع الأخرى)، أو حتى انتشار المجمعات السكنية المتكاملة في العاصمة السعودية نفسها، حيث يمكن أن يعيشوا خارج نطاق اختصاص الشرطة الدينية، ويمكن للنظام أن يزرع الفئات الأكثر تقدما في المجتمع.

على مدى عقود، ازدهرت المملكة الجافة على الوعد بأن يحول قادتها النفط إلى المياه وأن يوفروا وسائل الراحة كما هي في المجتمع الغربي المتقدم دون التخلي عن دين وثقافة البلد الموغلة في التقليدية. ومع استمرار النفط والدعم الأمريكي، قد ستمر النظام في القيام بذلك لسنوات قادمة.

ولكن بمجرد بداية اعتقاد السعوديين أن الوعد لم يُلتزم به: عائدات النفط التي تدفع العملية برمتها لم تعد قادرة على مواصلة تلبية الاحتياجات المحلية، فإن التحول، الذي يتوقعه بعض المحللين، يمكن أن يحدث في منتصف هذا العقد، وحينها، فإن مستقبل آل سعود قد يكون غير مستقر حقا.
هوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة في ثلاث كتب عن السعودية صدرت مؤخرا، والمقال نشر بتاريخ :12 ديسمبر 2012م

* كتاب: “عن المملكة العربية السعودية: شعبها، الماضي، الدين، الخطوط الخاطئة والمستقبل”،

الكاتبة: بيت كارين إليوت (Karen Elliott House)

* كتاب: “المملكة العربية السعودية على الحافة: المستقبل المشكوك فيه لحليف الولايات المتحدة”،

الكاتب: توماس ليبمان (Thomas W. Lippman)

* كتاب: “السياسة والمجتمع في المملكة العربية السعودية: السنوات الحاسمة من التنمية، 1960- 1982″،

------------------------------------------
الكاتبة: سارة إيزرائيلي (Sarah Yizraeli)
هيو ايكين ـ كبير المحررين في مجلة
مرآة الجزيرة

ليست هناك تعليقات: