السبت، 16 فبراير، 2013

نحتاج إلى فكر إنساني جديد يتجاوز التسنن و التشيع


شباب المهجر (حوار) -- يتحدث المفكر أحمد الكاتب في هذا الحوار مع “إسلام أون لاين” عن الربيع العربي وارتباطه بربيع الأفكار ونقد المذهبين: السني والشيعي على حد سواء، بوصفهما مذهبين استبداديين. وتحدث صاحب “البيان الشيعي الجديد” على دور اليد الاجنبية في إذكاء الصراع السني الشيعي لضرب المجتمعات الإسلامية، وأن الحل لتجنب التسلط الأيديولوجي للدولة هو الفصل بين الديني والسياسي فيها، مشيرا إلى أن المدرستين (المنتسبتين للتشيع والتسنن) ديكتاتوريتان في طريقهما إلى الانقراض، ودعا إلى إشاعة ثقافة جديدة هي ثقافة الحوار والتعدد والديمقراطية وحقوق الإنسان.../...

وفي ختام حديثه، أعرب الكاتب عن معارضته لافتتاح حُسينية في مصر، قائلا إن الأئمة من أهل البيت لم يكن همهم  إحياء أسمائهم ومواليدهم وذكريات وفياتهم، أو اللطم والبكاء عليهم، بقدر ما كان يهمهم إحقاق الحق والعدل والحرية.

ومن أهم ما جاء في الحوار الأفكار الأساسية التالية:


  • الثورة الديمقراطية لا علاقة لها بالفكر السني أو الشيعي بل هي ثورة عليهما معا.


  • المدرستان السنية والشيعية مدرستان ديكتاتوريتان وهما في طريقهما إلى الانقراض.


  • الفقه السياسي السني والشيعي فقه استبدادي.


  • الصراع اليوم ليس بين التشيع والتسنن وإنما بين الأنظمة المستبدة وبين الشعوب المغلوب على أمرها.


  • هناك أجهزة استخبارات إقليمية وعالمية تعمل من أجل إذكاء الخلافات الطائفية  وإثارة الفتن بين المسلمين.


  • لو جاء الإمام الحسين اليوم لما بنى حسينية بل لانخرط في حركة الشعب المصري من أجل إقامة العدالة والديمقراطية.


حاوره: مصطفى فرحات. و إليكم نص الحوار الهام:


  • ثورة الأنترنت وتطور وسائل الاتصال حوّلت الخلافات بين المسلمين، سنة وشيعة، إلى معركة مستعرة وصلت حتى إلى عقول الناس البسطاء الذين وقعوا ضحية التجييش العاطفي، هنا وهناك.. ما هي الأخطار والتأثيرات التي قد تؤدي إليها أمثال هذه المصادمات في شبكة الأنترنت؟

فعلا كانت الأنترنت ثورة  كبرى في عالم المعرفة ونقل المعلومات، ومثلما كانت لها إيجابيات فقد كانت لها سلبيات ومنها تحويل الحوارات والنقاشات بين العلماء والمفكرين الى حوارات جدلية بين عامة الناس،  وعلى أدنى المستويات الثقافية، حيث راح الرعاع والجهلة يتقاذفون السباب والشتائم والاتهامات والإشاعات في كل موضوع  يطرح للجدال، بعد أن كانت الكتابة من عمل المثقفين والعلماء المعروفين الذين يضطرون في كثير من الأحيان إلى التزام  قواعد الأدب في الحوار، ومراعاة المسؤولية في الكتابة ولو في الحد الأدنى، ولكن عندما يدخل مجهولون  في منتديات الأنترنت وبأسماء مستعارة فإنهم يتحررون من كل القيم والمبادئ والالتزامات الخلقية ولا يتورعون من استخدام أي سلاح في المعركة، ولذلك تحولت الحوارات الإنترنتية إلى جدالات عقيمة  وسلبية ومضرة أكثر مما هي نافعة ومجدية ومفيدة، وأشاعت ثقافة العنف والكراهية.


  • بعض باحثي أهل السنة بدأوا في عمل سلسلة مراجعات نقدية للتراث السني، فهل هناك جهد مبذول في الجانب الشيعي لمراجعة التراث وتنقيته ونقده؟

لا توجد مراجعات نقدية من بعض أهل السنة أو بعض أهل الشيعة، وإنما في الحقيقة توجد ثورات شعبية كبرى وهي ما يطلق عليه بالربيع العربي في العالم السني، والربيع الشيعي قبل ذلك في العالم الشيعي، فقد عاش الشيعة مثلا قرونا من الزمن تحت هيمنة نظريات سلبية مخدرة ترفض الثورة وتوصي بانتظار الإمام المهدي المخلص، ولكنهم قاموا منذ عقود بثورة على ذلك الفكر السلبي وقرروا إقامة أنظمة حكم على أساس الشورى أو الديمقراطية أو ولاية الفقيه، وهي أقرب إلى الفكر السني والشورى منها إلى فكر الإمامة الإلهية القديم، ويمكننا القول إن الشيعة قاموا بمراجعة نقدية جوهرية وكبيرة للفكر الإمامي  وتخلوا عنه عمليا، والثورة لم تقتصر على بعض الباحثين أو العلماء وإنما كانت ثورة شعبية، وما يوجد من التشيع اليوم هو مجرد قشور تاريخية عن فكر منقرض لا وجود له اليوم وهو الفكر الإمامي، وكذلك من الجهة الأخرى  أو ما تسميه بأهل السنة فإن ثورة الربيع العربي تشهد على حدوث ثورة كبرى في العالم  السني ضد الاستبداد والديكتاتورية والحكم الوراثي، والمطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية، وهذه أمور كانت محرّمة في الفكر  السني القديم المتداعي. إن الثورة الديمقراطية لا علاقة لها بالفكرين القديمين السني والشيعي، بل إنها ثورة عليهما معا. وإن هذه  الثورة لا تقتصر على طائفة دون أخرى ولا  تتحدد في فئة صغيرة من الباحثين، ونأمل أن تستمر الثورة وتتعزز  لتؤتي ثمارها في المستقبل القريب بإذن الله تعالى.


  • ما هي الأشياء التي تعتبرون أن مراجعتها من أولويات ما ينبغي أن يقوم به علماء الشيعة؟ وما هي الأشياء التي تُعتبر مراجعتها من أولويات السنة؟

أخي العزيز، الفكر الشيعي  فكر تاريخي وليس فكرا  معاصرا، وهو كان يحصر الحق بالحكم بسلالة معينة هي سلالة علي والحسين  ويشترط  في الإمام شروطا مستحيلة  كالعصمة والنص، وقد تخلى الشيعة جذريا عن هذا الفكر وآمنوا بالفكر الديمقراطي،  وهم الآن يقيمون دولا مع إخوانهم  من بقية الطوائف على أساس المساواة والحرية والديمقراطية، ويشتركون معهم في  تبني دساتير حديثة للحكم لا وجود فيها للشروط المثالية  من العصمة والنص أو السلالة العلوية الحسينية. وربما لا تزال توجد بعض المخلفات “الفلوكلورية” والعاطفية والطقسية والفقهية  التي قد تعطي انطباعا  وهميا بتمايز الشيعة عن السنة، ولكن الحقيقة  هي زوال أعمدة الخلاف الرئيسية بين الحزبين القديمين، أقصد السنة والشيعة.


  • شبح الحرب الطائفية أصبح جاثما فوق العالم الإسلامي، من يتحمل مسؤولية هذا التهييج غير المدروس الذي قد يؤدي إلى حروب أهلية تُفجر المجتمعات من الداخل؟

عفوا، التهييج مقصود ومخطط له، وهناك أجهزة استخبارات إقليمية وعالمية تعمل من أجل إذكاء الخلافات الطائفية  وإثارة الفتن بين المسلمين،  من أجل الهيمنة على المنطقة ككل واستمرار السيطرة الديكتاتورية على هذا البلد أو ذاك.

لا حاجة لنا للتقريب بين المدرستين السنية والشيعية، وإنما  نحن بحاجة إلى استبدالهما بفكر إنساني جديد هو الفكر الديمقراطي.


  • يبدو أن محاولات التقريب بين المدرستين باءت بالفشل، هل العيش تحت غطاء الصراع الطائفي هو قَدَر العالم الإسلامي؟ وهل يمكن التأسيس لخطاب بديل يقوم على التعايش بدل التقارب؟

في الحقيقة إن المسلمين عموما متعايشون ولا يوجد بينهم خلاف حقيقي، ولا حاجة لنا للتقريب بين المدرستين السنية والشيعية، وإنما  نحن بحاجة إلى استبدالهما بفكر إنساني جديد هو الفكر الديمقراطي، فالمدرستان القديمتان مدرستان ديكتاتوريتان أو حزبان استبداديان منقرضان أو في طريقهما إلى الانقراض، وعلينا  إشاعة ثقافة جديدة هي ثقافة  الحوار والتعدد والديمقراطية وحقوق الإنسان.


  • شهد العالم العربي ربيعا عربيا وثورة على أنظمة الحكم القمعية، رغم التباين في قراءة هذا التحرك وأسبابه ونتائجه، فهل يحتاج العالم الإسلامي إلى ثورة معرفية ودينية؟

أعتقد أن الثورة العربية الديمقراطية تحتاج إلى ترسيخ وتعزيز أكثر، وذلك  ببلورة فكرة الفصل بين الديني والسياسي، وليس بين الدين والسياسة. فالإسلام يحتوي على منظومة قيم وأخلاق ومبادئ نحتاج إليها لترشيد العمل السياسي، ولكنّ  المجال السياسي الدستوري هو مجال بشري وليس دينيا، ولذلك لم يدخل الإسلام في تفاصيل الأنظمة السياسية وترك عملية بناء الدساتير للناس في كل زمان ومكان ليؤلفوا أي دستور يشاؤون حسب احتياجاتهم  واتفاقهم فيما بينهم، ولم يقسرهم على اتباع نظام ديني معين كالخلافة أو ولاية الفقيه، وهذه اجتهادات بشرية  وليست بالضرورة من الدين. ويلاحظ أن كثيرا من الحركات الاسلامية قد التزمت مؤخرا بالآلية الديمقراطية لكن بعضها لا يزال يفكر بذلك تكتيكيا لا إستراتيجيا، أي لم يؤمن بعد بالخيار الديمقراطي بقوة وإنما مرحليا ويحلم بالعودة لفرض نفسه  بالقوة كقدر من الله. ولهذا نحتاج الى تعزيز الثقافة الديمقراطية بالفصل بين الديني والسياسي.

الفقه السياسي السني والشيعي هو فقه استبدادي، والاستبداد يصنع الفقه الاستبدادي، أي  يدور في حلقة مفرغة، ولكن الصراع اليوم ليس بين  التشيع والتسنن، وإنما بين الأنظمة المستبدة وبين الشعوب المغلوب على أمرها.


  • هل يمكن القول إن الفقه السياسي، سنيا كان أو شيعيا، هو سبب رئيس لهذه المعارك، وبالتالي لن يكون الحل إلا بديلا عنهما: دول علمانية تتعامل مع الإنسان ولا تنحاز إلى أيديولوجيا؟

أجل إن الفقه السياسي السني والشيعي هو فقه استبدادي، والاستبداد يصنع الفقه الاستبدادي، أي  يدور في حلقة مفرغة، ولكن الصراع اليوم ليس بين  التشيع والتسنن، وإنما بين الأنظمة المستبدة وبين الشعوب المغلوب على أمرها،  وهو يحتدم في بلاد لا تعرف الاختلاف الطائفي، بل تعيش وحدة طائفية تقريبا، وهو ما يؤكد أن المعركة  في حقيقتها سياسية وليست طائفية، وأننا نحتاج  إلى ثقافة ديمقراطية بديلة عن الاستبداد  وثقافته الطائفية التي يستخدمها كأداة لتفريق الجماهير وتخديرها وقمعها.

لو جاء الامام الحسين اليوم لما بنى حسينية وإنما انخرط في حركة الشعب المصري من أجل إقامة العدالة والديمقراطية.


  • أثار افتتاح حُسينية في مصر جدلا كبيرا، وتجدد الحديث عن التشيع في مصر.. ما رأيكم في ذلك؟

إن  المبادئ الديمقراطية تُحتّم علينا احترام إرادة الناس وخياراتهم، كما يحترم الغرب ويحتضن جميع الفرق والطوائف الإسلامية، ولا يمنع أي جماعة من فتح مسجد أو حسينية أو تكية أو خانقاه. ولكن لو سألتني عن رأيي بجدوى  هذه العملية فسأقول لك إنها لا تخدم مصر ولا التشيع ولا تسير في خطى أهل البيت، فالأئمة من أهل البيت لم يكن همهم  إحياء أسمائهم ومواليدهم وذكريات وفياتهم، أو اللطم والبكاء عليهم، بقدر ما كان يهمهم إحقاق الحق والعدل والحرية. وأعتقد لو جاء الامام الحسين اليوم لما بنى حسينية وإنما انخرط في حركة الشعب المصري من أجل إقامة العدالة والديمقراطية، وكان واحدا من المصريين. أعتقد أن المشكلة لدى البعض من الشيعة هو أنهم يتمسكون بالقشور ويتركون الجوهر. وأنا أعرف في مقابل ذلك  مواطنين مصريين وزعماء سياسيين يحبون أهل البيت أكثر من غيرهم من مدعي التشيع، ولكنهم ينخرطون في حركة الثورة أو ما يسمى بالربيع العربي، دون أن يسمحوا لأنفسهم بالتمايز عن عموم الشعب.  فأن تقول إنك شيعي اليوم في مصر وتعزل نفسك في حسينية  يعني أنك تشكك في حب المصريين لأهل البيت وولائهم لهم. ومن هنا لا أفضّل  الانعزال عن الشعب تحت أية يافطة تاريخية أو طائفية.

ليست هناك تعليقات: