الأربعاء، 13 فبراير، 2013

الرويبضة.. وضرورة الحسم

اعطني اعلاما بلا ضمير

 أعطيـــك شعبـــا بـــلا وعـــي


شباب المهجر (مقال) بقلم: خالد الصلعي -- كان الحديث النبوي دقيقا كما شأن أي حديث من لا ينطق عن الهوى. ولعلنا نوثر أن نقف عند الدلالة العلمية لهذا اللفظ ، دون الارتكان الى لغة الخشب التي تقف عند التبجيل والاشادة دون أن تتفحص وتدقق في المعنى الدقيق للمصطلحات واختيارها دون غيرها. وقد تم تسييج المصطلح في حينه ، حين استعصى على الصحابة فهم مدلول الرويبضة ، فكان التعقيب على السؤال كون اللفظ يحيل الى من يتحدث في شؤون العامة من التافهين. وشؤون العامة حقل شاسع ومجال يتسع لكل ممارسات الانسان ؛ سواء تعلق الأمر بالشؤون الدينية ، أو بالشؤون الدنيوية.../...

لكننا تعلمنا ان نقف عند عتبة السماع دون الفهم ، وعند نية الابلاغ دون الافهام ، وعند جدار النطق دون الغوص في المنطوق ، والوقوف أمام الدال دون الانتقال الى المدلول. فغشيتنا القشور وغرقنا في الزبد ، واستأسد القرود الناسخون التكريريون والتكراريون، دون اجتهاد أو تجديد أو ابداع.

مع أن الله مبدع ، ولا يأتي من مبدع الا البديع ، وجعلنا مستخلفين له في الأرض ، لاعمارها واصلاحها ، ولعل من شأن المستخلَف أن يؤتمن على ما استُخلف عليه ، فان خان الأمانة أصبح ناكثا لميثاق الاستخلاف ، ودون الرسالة التي تَحمَّلها دونا عن جميع المخلوقات.

الرويبضة اذن هو النتيجة الحتمية لارتفاع العلم ، وتراجع الاجتهاد ، وتفشي أمراض المجتمع المستعصية ، من رشوة وفساد الحكم ، من نفاق والرضى بالذل ، من جهل وفقر ، وما ينتج عنهما من سلبيات لا تعد ولا تحصى ؛ ان على المستوى الفردي ، أو على المستوى الجماعي.

الرويبضة هي الدمل الذي يطفو على جلد الأمة حين يفقد جسدها حصانته العلمية والمعرفية ، ويموت فيها الحس الحضاري ، فيصبح الواقع كوجود معاش لحظة ملل قصوى ، قد تملأه كل أغبرة التجهيل والاستحمار والتفقير ، وما يجره من تبعية وارتهان لأمم تصنع لنفسها مجدا من خيرات وعقليات مجتمعات رهنت نفسها للشيطان.

من أين أتت قوة الاسلامويين الشكليين الذين لا يعرفون من الاسلام الا المظاهر ونوع من الألبسة والأقمشة ، واطلاق اللحى. أو معلموهم الذين ينتصرون للفروع ويهملون الأصول ، بل الذين ينتقون من مشاييخهم الكبار ، ما يوافق ايديولوجية لا وجود لها الا في عقولهم ، يشحنون بها عقول الشباب الذي ترك نهبا للمتاجرين بالدين والمتآمرين على الدين دون علم ، وهذه هي الطامة الكبرى.

الرويبضة- ولا نعلم للكلمة جمعا - هم كمشة أو شرذمة من المتفيقهين ، ومن اللاعلميين ، والذين لا يقرأون القرآن حق قراءته ، ولا يتلونه صدق تلاوته ، ولا يرتلونه ترتيلا . ولا يقرأون الحديث الا ما يخدم أجنداتهم ، ويلون أعناق التأويل والتفسير ،فيقذفون يالدلالة المتيسرة جانبا ، وينامون عند المعنى الذي يريدونه هم ، وليس ما يريده سياق النص قديما او حديثا ، مع علمهم أن القرآن والحديث ، هما أصلا المعرفة الاسلامية الصحيحة ومنهجها السليم. وهذا بنص الحديث الشريف الذي يقول : (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنة رسوله).

لكن الرويبضة يتحدث في شؤون العامة ، دون علم أو منطق أو عمق . انه بوق الغوغائية والشعبوية التي انفلت عقالها ، وأصبحت تتحكم في مصير الملايين من العرب ، يسنده تدفق مالي لا سقف له ،عربي وغير عربي. ويفتح له كل الأبواب الموصدة ، ويمكِّنه من الاستفراد بمخاطبة الجماهير.

الرويبضة تتأسس عقليته الغائبة على مقولة وزير الاعلام النازي "اعطني اعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي". انها القاعدة الذهبية التي يشتغل عليها الرويبضة عن جهل ،ودون علم. بينما تطاحن من يُفترض فيهم قيادة المجتمع في توافه الأمور كالقيادة والزعامة ومراكمة الأموال ، والتمترس في خندق الوصاية على المجتمع بالانتصار للرأي الفردي الأنوي.

ان المعركة الان هي معركة العقول المتفتحة ، بعدما أبانت نتائج العقود الثلاثةالأخيرة ، أن العرب قد دخلوا في جمود فكري وعقلي خطير ، تبقى نتائجه واضحة في المشهد العربي اليوم كأبلغ تعبير عن حالة التراجع الذي كان بالامكان تفاديه لو خلصت النوايا ، وكان الهدف ينطلق من بعد حضاري.

الرويبضة حسب النص النبوي المقدس ، هو التفاهة بعينها ، هو البذيئ والمخصي ، لكنه في واقعنا وحياتنا هو المهيمن الطاغي ، والصوت المسموع ، والبضاعة الرائجة ، وكأن معادلة الاعلام ومعيار المعرفة اليوم في مشهدنا الثقافي الذي تتنافس جامعاتنا ووسائل اعلامنا في ترويجه، هو انتاج وتخريج الغباء الأكاديمي والاستغباء الاعلامي. فأن تنتج ديمقراطيتنا الرسمية ومثقفونا الرسميون واعلامنا الرسمي ، صراخ الديمقراطية وسطوة الديماغوجية ، بالاعتماد على المصطلحات دون استقطار مداليلها العلمية ، فهذا لايعني الا شيئا واحدا ، هو اعتماد جمهور الرويبضة للقضاء تماما على حصانة المجتمعات التي تمثلها النخبة العالمة والمتنورة والمتفقهة في شؤون العامة والحضارة بشكل أعم.

ان طفو الرويبضة التافه البذيئ المخصي ، بهذه الكثافة المخيفة ، يحيل على مجتمع مشلول أو مسجون في مصطلحات يابسة غير مرنة ، تماما كسجون الأوطان العربية ، فالديمقراطية لا تصريف لها ولا تفعيل ولا معايشة لها في الأوطان العربية ، كالحرية والكرامة والعمل والانتاج.

فلا نستغرب اذن اذا اعتلى الرويبضة أعلى المناصب وصار هو الأستاذ والمعلم والخطيب والسياسي والحاكم والرأسمالي والمتحكم في سير الحياة في الأوطان العربية. لكنه لا يستطيع أن يكون مفكرا او عالما او فقيها أو مبدعا او فنانا ، لأنها حقول تفترض الانتاج الراقي والسامي ، وهو ما يعجز عنه الرويبضة تمام العجز.

ولكن السؤوا هو ، لماذا انسحب العالم المتنور والمفكر المبدع والفنان المجدد والفقيه العارف؟ هل أصبح العالم العربي ، لايحتمل مثل هذه الشخصبات الى هذه الدرجة؟ ولا يأنس برحابة العقل؟ وامكانية الاجتهاد؟ وضرورة الابداع؟ ولزوم المعرفة؟ أم أن هناك خللا بنيويا في شخصية هذا العالم ، وهذا الفنان ، وهذا المبدع ، وهذا الفقيه؟ أم أن الأمر يتعلق بتحولات تاريخية ناشئة عن عقود من امتصاص جرْس النقود لصوت المجهود؟.

لا يمكن لانتصار الرويبضة الا ان يعكس انهزام المفكر العقلاني والعالم الباحث ، وهو ما يحيل الى مجتمع ضامر. والا فان أي نتاج مهما كان تافها انما هو انعكاس أمين لعلاقات واقعة وراسخة في ذهنية المجتمع التافه ، فهل أصبحنا في ظل هيمنة الرويبصة مجتمعات تافهة؟.

ليست هناك تعليقات: