السبت، 16 فبراير، 2013

لا أحد يفهم الحكومة لأنها عميقة


شباب المهجر (مقال) بقلم: حميد زيد -- أنا سطحي وبليد، والصحافة غبية، والمعارضة لا ترى إلا الظاهر والقشور ولا تنفذ إلى العمق، والمغاربة عموما قاصرون ولا يستوعبون عبقرية بنكيران ومحمد نجيب بوليف.  منذ أكثر من سنة ورئيس الحكومة يعاني من جهلنا، وكلما أقدم على خطوة نفهمها نحن بالمقلوب، إنه فعلا سيء الحظ بأن منحه الله سبحانه وتعالى شعبا غبيا، ينظر إلى إنجازاته العظيمة بعين الريبة، وذلك بسبب قصورنا العقلي..../...

فحين قررت الحكومة الزيادة في ثمن المحروقات، اعتقدنا جميعا ولسطحيتنا، أنها فعلا زيادة، بينما هي ليست كذلك، والضالعون في العلم هم الذين استوعبوا أن الأمر لا يتعلق بزيادة، وحين زادت وسائل النقل في أثمنة الركوب وارتفعت الأسعار، لم ينفذ أحد إلى كنه هذا التغيير، إذ ليس لأي كان القدرة على سبر العمق والحكمة الكامنين في مثل هذا القرار.

وقبل أشهر قال لنا بنكيران إنه سيصلح صندوق المقاصة، وسيرفع الدعم عن عدد من المواد التي يستهلكها المغاربة لتباع بثمنها الحقيقي، ولأننا أغبياء وسطحيون فإننا لم نفهمه مرة أخرى، وجاء إلى البرلمان ليخبرنا بأن الحكومة عميقة وأن رفع الدعم لا يعني رفع الدعم، وأن ارتفاع الأسعار لا يعني ارتفاع الأسعار، وأن إصلاح صندوق المقاصة لا يعني أبدا إصلاح صندوق المقاصة، وأن ثمن قنينة الغاز سيرتفع لكنه لن يرتفع، وأنه سيخبرنا حين سيقرر أنه سيرتفع، وفي نفس الوقت يطمئننا أن لا شيء سيرتفع ثمنه، وأنه لن يصلح صندوق المقاصة، وإذا أصلحه فإن ذلك سيتم بالتدريج وعلى مراحل، وأنه سيأتي يوم ما سيرفع الدعم بالكامل، لكنه لن يحصل أبدا، ومن يقول هذا غبي ولايفهم ومشوش.

وكلما تقدم عمر الحكومة وظهرت معجزاتها وخوارقها، تأكد بالملموس أن لا أحد يفهمها، وكم هو قاس على رئيس حكومة أن لا يفهمه المواطنون، فالوقت يمر بسرعة ولا يمكنه أن يقضيه في تعليم الصحافة والمعارضة والنقابات أبجدية الإصلاح وفوائد ارتفاع الأسعار التي سترتفع لكنها لن ترتفع.

مشكلة المغاربة أنهم لا يحبون الألغاز والفوازير حين يتعلق الأمر بالسكر والزيت والدقيق والبوتاغاز، ولأن الحكومة عميقة فقد حولت هذا الموضوع إلى فزورة، والأذكياء فقط هم الذين يمتلكون القدرة على حلها.

من السهل أن يحسم بنكيران في الموضوع، ويقول إن الزيادة ضرورية وقادمة لا ريب فيها، أو أنها مجرد إشاعة، لكن المشكل أن رئيس الحكومة عميق والشخص العميق لا ترضيه الإجابات الواضحة والحاسمة، فيظن الناس لجهلهم أن بنكيران دائخ وفي ورطة، وأن ما أقدم عليه في خطوة غير محسوبة ولقلة التجربة جعله يقول الشيء ونقيضه في نفس الوقت، والحال أنهم مخطئون وما يظهر لهم تناقضا هو نتيجة منطقية لعسر في الفهم وعدم قدرة على على مواكبة إصلاحات الحكومة العظيمة.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ظهر نوع من الروايات والأفلام غير المفهومة، وكان هناك نقاد وكتاب يدافعون عنها، ويقولون إن الجمهور هو الذي لا يفهم، وقد انتقلت هذه العدوى إلى المغرب وظهر روائيون ومخرجون وشعراء عميقون جدا ويمدحون الغموض، وكلما أنجز أحدهم فيلما لا بداية له ولا نهاية ولا سيناريو، كان يصنفه في خانة سينما المؤلف، ويتهم الجمهور بالغباء، إلى أن جاء بنكيران واستلهم منهم هذه التجربة، وأدخلها إلى السياسة، وأصبحنا نتوفر على حكومة المؤلف، وعلى رئيس حكومة لا يمكنك أبدا أن تفهمه، إذا لم تكن عميقا مثله، والذي يفهمه جيدا ويتذوق حكومة المؤلف هي النخبة الممثلة في صندوق النقد الدولي والريسوني وأفتاتي وجريدة التجديد الطلائعية التي تنظر لحكومة الموجة الجديدة ولفلسفة الغموض واللبس وقول الشيء ونقيضه، وكل هذا من أجل الرفع من مستوانا وذكائنا، لنستوعب ونتعلم أن رفع الدعم لا يعني بالمرة رفع الدعم، وإنما هو شيء آخر لا علاقة له برفع الدعم.

ليست هناك تعليقات: