الاثنين، 4 فبراير 2013

العدوان الاسرائيلي الجوي على سورية: بين الخلفية و النتائج


شباب المهجر (مقال تحليلي) بقلم: العميد امين حطيط -- في لحظة اعتبرت الاكثر حراجة منذ بدء العدوان الغربي على سورية اغارت طائرات اسرائيلية على مركز ابحاث علمي تابع لوزارة الدفاع في جمرايا على بعد 38 كلم من الحدود السورية اللبنانية فقصفته بصواريخ اطلقت عن بعد 22 كلم و دمرت بعض اجزائه. عدوان روجت اميركا له قبل التنفيذ و استمرت على تبنيه بعد التنفيذ و ارفقته بتهديد لسورية اذا قامت بنقل سلاح الى حزب الله ، تهديد من اجل التمويه و صرف النظر عن العدوان ذاته و عن الاهداف التي توختها اميركا منه ، فما هي حقيقة الدوافع و خلفية العدوان و الاهداف التي رمى اليها و التداعيات.../...

بداية لا يد من التذكير بان المجموعات المسلحة و الارهابية التي تنفذ العدوان على سورية بقيادة و توجيه اميركي ، عولت على تدخل اجنبي مباشر يحاكي ما نفذ في الخليج او في افغنستان او العراق او اقله ما نفذ في ليبيا ، موقنة ب” النصر ” لان الغرب الذي امتلك زمام الامور و قاد العدوان لن يتراجع مهزوما و لا يمكنه الوقوف دون تحقيق اهداف عدوانه و التي اقلها كما خطط ، اسقاط النظام المقاوم للمشروع الغربي و اقامة النظام العميل – الدمية التابع له.

لكن تلك الاحلام و الامال ، ذهبت ادراج الرياح اذ و مع اقتراب المواجهة من عامها الثاني بات المشهد يظهر حقائق لا ينكرها الا مخبول او مجنون فالواقع بؤكد بان العدوان هزم و ان سورية باتت تسير حثيا و بخطى ثابتة نحو انجاز المرحلة النهائية من المواجهة و تتحضر لاستعادة السيطرة و الامن لما تبقى من مناطق دخلها المسلحون و زعزعوا استقرارها و قد تأكدت الحقيقة تلك عبر ادلة و قرائن ميدانية و سياسية:

فعلى الصعيد الميداني : يلاحظ تراجع مناطق الاشتباك حيث كان للمسلحين القدرة على التواجد و مواجهة القوات المسلحة النظامية من جيش و قوى امنية ، تراجعت من 16 منطقة (كبرى و وسطى) الى 8 مناطق ما يعني تراجع بمقدار النصف مع تسجيل للخسائر في صفوف المسلحين بين قتيل و مصاب و مخرج من الميدان بما يتعدى النصف ايضا من مجموع المسلحين ، و قد اكدت ذلك ايضا تقارير استخبارية اميركية تقول بان بان عمليات المسلحين تراجعت بنسبة 40% في اقل من 3 اسابيع (عممت التقارير بتاريخ 29 12013) .

اما على الصعيد السياسي فيسجل تصدع في صفوف ما يسمى المعارضة السورية ، و لم يقتصر الامر على ما كان من تشتت و تناحر بين اشخاصها و انقسام مبدئي بين فئة معارضة ترفض اي حوار وطني و تطالب بالتدخل العسكري الاجنبي تحت الفصل السابع او خارجه ، و فئة ترفض التدخل الاجنبي و تتقبل بطريقة ملتبسة فكرة الحوار و لكنها تتخذ الموقف الذي لا يوحي بالطمأنينة لجهة القدرة على السير قدما في حوار ينهي الازمة بما يحفظ سيادة سورية و قرار الشعب السوري المستقبل ، بل زاد الامر تعقيدا في صفوفها حيث اخفق ما يسمى “ائتلاف الدوحة ” في تشكيل حكومة انتقالية يطمح عبرها الى استلام السلطة في سورية ، و تراجع حجم ما زعم انهه مؤتمر ” اصدقاء سورية ” من 104 دول شاركت في الغرب الى 45 دولة في باريس ، ثم كانت الكارثة على تجار المعارضة ذاتهم عندما تم التضييق عليهم بالمال بنسب تصل الى 75% مما كانو يتلقون .

لقد استخلصت اميركا من هذا الامر ان التصدع في عملائها و بوجيهيه الميداني و السياسي سيؤدي اذا استمر او تفاقم و في مهلة اسابيع قليلة الى تمكن سورية بشعبها و حكمها من حسم الامور و استعادة كامل السيطرة على كامل البلاد و لن يبقي لها بعد ذلك دور في الحركة التفاوضية الدولية الجارية او التي يحضر لها من اجل ارساء المخرج من الازمة ،مخاوف فاقمها موقف الاخضر الابراهيمي في مجلس الامن التي ذكر فيه بان الرئيس بشار الاسد ممسك بمقاليد الامور في سورية و لا يبدو ان احداً قادر على ازاحته من منصبه ، و هو قول لاقى الصدى السريع عند المعارضة التي لطالما جاهرت بفجورها رفضا للحوار ، فخرج من يسمى “رئيس ائتلاف الدوحة” (معاذ الخطيب) بموقف – مفاجأة يعرض فيها الحوار مع السلطة .

لكل هذه الاسباب امرت اميركا ربيبتها اسرائيل بتنفيذ عمل عسكري مباغت و محدود تتوخى منه تحقيق الاهداف التالية:

1) حجب الانتصارات و الانجازات التي حققتها الدولة السورية في وجه المسلحين و الارهابيين ، حجبها عن شاشة الاعلام العالمي و تقديم خبر مناقض لها من اجل المس بالمعنويات السورية . و قد تكون اميركا راهنت ايضا على ردة فعل سورية انفعاالية بقصف اهداف داخل اسرائيل تبرر قيام الطيران الاسرائيلي مباشرة بقصف يشكل اسنادا مباشرا للارهابيين لتحقيق انجازات ميدانية عجزوا عن بلوغها.

2) رفع معنويات جماعات الاجرام و الارهاب بعد التصدع الذي لحقها نتيجة الخسائر البليغة التي اصابتها و ذلك عبر تقديم دليل مادي حسي و ميداني للارهابيين يؤكد لهم بان قيادتهم الاستعمارية التي خططت للعدوان على سورية لم تتخل عنهم بعد .

3) استعادة ورقة القوة المتصدعة على طاولة المفاوضات حول سورية ، و توجيه رسالة لمحور المقاومة و الجبهة الدولية الرافضة للعدوان على سورية ، مفادها ان حسم الامور ميدانيا امر لن تتقبله اميركا بيسر و سهولة ، و انها لن تتخلى عن موقعها التفاوضي او تجبر على التخلي عنه.

انطلاقا من تلك الخلفية و من اجل تحقيق تلك الاهداف قامت اسرائيل بتنفيذ الطلب الاميركي بالعدوان. و لا نقول “بعد الحصول ضوء اخضر اميركي” – كما يقول البعض – فالعملية كانت حاجة اميركية و تنسجم مع الطبيعة العدوانية- الارهابية الاسرائيلية . لهذا جهدت اميركا قبل التنفيذ و من اجل تأمين المبرر و اضفاء الشرعية على العدوان، جهدت في التحذير من نقل سورية اسلحة لحزب الله. ثم انها سربت الخبر بعد العملية باعتبارها كانت ضد قافلة تنقل سلاحا لحزب الله ، و اصرت على ذلك عندما فضحتها سورية بصدقيتها و اعلانها عن العملية و نشر بيان واضح و مفصل عنها باعتبارها عدوان على منشأة علمية عسكرية و لا علاقة للامر من قريب او بعيد باي قافلة مزعومة لكن اميركا، عادت و اصرت على مسألة القافلة و قالت بان اسرائيل نفذت عملها ضد هدفين ، المنشأة و القافلة . و نحن نعلم ان اميركا لو كانت صادقة في ادعائها او كانت تملك ادنى دليل لاثباته لكانت نشرت على الاقل صور القافلة قبل القصف و بعده و هي بدون ادنى شك تكون التقطت من قبل الطائرات المعتدية او من قبل الاقمار الصناعية التي تغطي المنطقة على مدارا الساعة . و من المؤكد عليه بان اميركا التي عجزت مع كل المنظومة الصهيونية الغربية من منع تراكم القوة عند حزب الله خلال السنوات الماضية و لم تستطع ان تدعي انها تمكنت من اكتشاف عملية نقل سلاح واحدة لن نستطيع ان تقنع عاقلا بادعائها و يبقى الاصرار على الادعاء ذو غاية واحدة هو تبرير العدوان الاسرائيلي باعتباره عمل دفاعي وقائي.

لكل هذا و ذاك كانت العملية الجوية الاسرائيلية التي استهدفت مركز البحث العلمي في جمرايا ، عملية نفذت بعد ان تمكنت الطائرات المعادية من التملص من هوائيات الرادارات السورية و ارادت اميركا و اسرائيل منها ان تبلغ الوكلاء – العملاء (الذين صرحوا يوما بجهوزيتهم للترحيب بشارون اذا جاء مقاتلا ضد سورية ) قائلة اني معكم فتابعوا الاجرام و الارهاب ، فما كان من هؤلاء الذين طلقوا طلاقا بائنا كل مبادئ الاخلاق و الشرف و الوطنية الا ان تلقوا الرسالة بحفاوة و رقصوا طربا للعدوان الاسرائيلي ، اما الذي خشي منهم ان يعلن مكنون مشاعره االمؤيدة للعدوان فقد حمل سورية مسؤولية العدوان و بكل فجور . هذا ما حصل و لكن هل حقق العدوان اهدافه؟

لن نغرق في التفاصيل و يكفى للاجابة و اظهار النتائج و الانعاكسات ان نتوقف عند الامور التالية:

- اعلنت سورية عن العدوان كما حصل و بوضوح كلي اما قرارها بالرد فكان مضمرا و اتخذته دونما ضجيج و بنته على رؤية عسكرية و استراتيجية ميزت فيها بين مبدأ الرد و قد تقرر ، و التنفيذ الذي ترك لظرفه في المكان و التوقيت المناسبين و بالحجم الملائم و من طبيعة العدوان ذاته . و هنا نلاحظ كيف ان اسرائيل فهمت السلوك السوري فاتخذت تدابير الحيطة و الحذر و لا زالت. و بهذا يكون اجهاض لهدف من اهداف العدوان ، لجهة الاحتفاظ بالرد و عدم الانزلاق الى ما تريد اميركا.

- عدم تأثر معنويات الجيش العربي السوري و خططه و عملياته الميدانية و استمراره في ملاحقة المسلحين والارهابيين و مراكمة الانجازات العسكرية و في ذلك اجهاض لهدف اخر من اهداف العدوان.

- لم تكترث سورية او حزب الله بمواقف اميركا و لم تعلق عليها ، باعتبار المقاومة مستمرة في مسيرتها و وفقا لما تراه من اساليب لتراكم القوة اعتمدتها في السابق و عجزت اميركا و اسرئيل عن اكتشافها ، وليس لاميركا اي حق او مشروعية في ان تحدد ما ينبغي فعله او الاحجام عنه في هذا السبيل.

- التصرف الروسي و بمسؤولية دولية عالية ، تصرف بدء بادانة العدوان ثم اطاح باللقاء الرباعي الذي روجت له اميركا ليجمعها الى روسيا ، مع الاخضر الابراهيمي و رئيس ائتلاف الدوحة ، ثم اضطرار الاخيرين للقاء لافروف كل على حدة ، بعد ان لحس معاذ الخطيب كل ما كان اتخذه هو ائتلافه من مواقف ضد روسيا و اندفاعه للقاء وزير خارجيتها ثم الاستعداد للذهاب الى موسكو.

و في الخلاصة نرى ان العدوان الاسرائيلي لم يغير مسار الاحداث ، و لم يحقق ما كانت تشتهيه اميركا ، فالازمة السورية تخط طريقها الى نهاياتها المكرسة للحق السوري و لا نقول بحثاً عن ” حل سلمي ” لان هذه العبارة لم يعد لها مكان على المسرح بعد ذاك الثمن الذي دفعته سورية للاحتفاظ بسيادتها و قرارها المستقل و حقوقها القومية ، بل نقول باتجاه مخرج من الميدان كما فرض الصمود السوري ، مخرج بدأ البحث عنه و بشكل جدي و هذا ما بات اكيدا لدى العقلاء المتابعين و المعنيين بالشأن السوري ، اما الذين ران على قلوبهم او على اعينهم غشاوة و المكابرون الرافضون لهذا الحقيقة فليس لهم محل على طاولة البحث اصلا ، و لن يكون لهم وزن او دور في صياغة المخرج و لن يعبأ احد بمواقفهم طالما لا يملكون اصلاً قرارهم.

-----
البناء

ليست هناك تعليقات: