الاثنين، 4 فبراير، 2013

من لغا ... فلا وطنية له


شباب المهجر (مقال ساخر) بقلم: أنور خليل -- الثامنة والنصف مساء، ينزل علينا الغضب وتحل بنا لعنة الوالد إن لم نَـخِط أفواهنا ونصمت، لأنه وقت النشرة الإخبارية. في هذا الوقت يصبح كل شيء محرما عدا الاستماع  إلى النشرة التي يركز فيها الوالد بشكل يجعلنا نشك بأنه هو رئيس تحريرها أو مخرجها التلفزي . لكن في جميع الأحوال فالموضوع له علاقة بالإخراج ، إن لم يكن إخراجا تلفزيا فهو إخراج " العينين".../...

كانت لوالدي طقوس خاصة في متابعة النشرة، فقبل بدايتها بخمس دقائق ، كان يلبس جلبابا أبيض وقبعة وطنية ويحمل العلم الوطني في يده ثم يفترش زربية الصلاة ويستقبل التلفاز الموضوع بناحية القبلة، ويقول لنا عند بداية كل نشرة : "من لغا فلا جمعة له "، ثم يضع التلكموند عن يساره وحزام سرواله عن يمينه "واللي سميتو راجل يهضر، والله حتى يبان فالأخبار ديال غدّا"، فما إن تبدأ النشرة حتى يصير كل من في البيت "منشورا" أمامها ملزما بشوف واسكت، ومشكورا على الإحتفاظ برأيه لنفسه، لأن إبداء الملاحظات على النشرة سيشكك في وطنيته ويعتبره ضد الحكومة وضد النظام، وهذا أمر – حسب اعتقاده - يمكن أن "يجرجر" الأسرة كاملة في المحاكم والسجون، ويجني على الوالد المسكين الذي يقول دائما أنه راجل درويش وطالب غير التعادل ... تماما كمنتخبنا الوطني.

أبي كان ينعت نشرة الأخبار بالسياسة، فكان يقول لنا بعد أن يكمم أفواهنا، دعوني أتابع السياسة في صمت، فنسكت نحن خوفا منه ومن السياسة، هاد عمتي الغولة التي لم أعرف شكلها في صغري ، فقط كنت أختبئ في حضن أمي عندما ينطقها فم من الأفواه.

في طفولتي، علمني والدي أن الفم المغلق لا تدخله الذباب، وأن للحيطان آذان، وأن كل شاة تعلق من "كرعها" وأن الأمثال الشعبية تقول دائما " مادير خير مايطرا باس"، وقبل أن يعلمني قول " بابا " و "ماما " علمني كيف أقول "نعم" بجميع اللغات واللهجات. بل أصر علي أن أتقنها حتى بحركات رأسي الذي إن لم يقل نعم بالإشارة سيُنعم عليه بوابل من العصي أو الحجارة.

في طفولتي، كان والدي يصر على أن يضع في فمي "سكاتة" حتى وإن كنت ساكتا أتناول السريلاك بأدب و محافظا على حفاظاتي، وأحيانا كان يوقضني من نومي ليضع هذه السكاتة اللعينة في فمي خوفا من أن أبكي وقت النشرة، لأنه كان يعتقد أن مقدم الأخبار سيسمع بكائي من داخل البلاطو ويوصلها سخونة "إليهم"، ويقول لهم: ولد بّا قدور كايبكي فوقت الأخبار، حينها سيكون بّا قدور مضطرا لتسليم نفسه لأقرب كوميسارية معرضا نفسه للمتابعة القضائية بتهمة عدم تربية الطفل على السكوت وقت النشرة.


ليست هناك تعليقات: