السبت، 9 فبراير، 2013

يوميات سجناء في القطيف: تعذيب.. ومصير مجهول


شباب المهجر (تقرير) -- «بقيت في السجن الانفرادي لمدة شهرين ونصف الشهر، ولدي إصابة في صدري، ولم أتلق الرعاية الصحية الملائمة، كما أنني كنت أتلقى الضربات والإهانات بشكل مستمر ومتواصل». هكذا تحدث شاب في الثالثة والعشرين من عمره لصحيفة «السفير» حول رحلة في السجون السعودية امتدت لخمسة أشهر، خرج منها إنساناً آخر ليكمل مشواراً، بدأه في الانخراط في الحركة الاحتجاجية في المنطقة الشرقية في السعودية، وبالتحديد في تاروت، بإصرار أكبر وإيمان أكثر بأن التغيير يجب أن يحدث.../...

لسلامته الشخصية فضّل ألا يذكر اسمه وأن يشار له بالحرف «ميم». «ميم» تمّ اعتقاله في أعقاب مشاركته في مسيرة تطالب بإطلاق سراح المعتقلين والمنسيين، والإفراج عن الشيخ النمر فضلاً عن إخراج قوات درع الجزيرة من البحرين في آب من العام الماضي، وقد شارك في تلك المسيرة ما يقارب الثلاثة آلاف شخص. يروي «بعد انتهاء المسيرة وعندما كنا نهمُّ بالمغادرة، حاصرت المكان قواتُ الأمن بالمدرعات وراحوا يطلقون النار بالرشاشات، فهربنا، إلا أن سيارة شرطة لحقتني وصدمتني وداست فوق صدري، ثم نزل رجال الشرطة من السيارة وراحوا يضربونني بأرجلهم وأيديهم وبأعقاب السلاح، وتم سحلي على الأرض ما أحدث رضوضاً وإصابات شديدة في الرئتين، وتمزقا في عضلات الظهر. بعد ذلك نُقلت لقسم شرطة القطيف ومن هناك أخذتني سيارة الإسعاف للمستشفى العسكري، وعندما وصلت إلى هناك، عمد رجال الشرطة إلى ضربي مجدداً، ما جعلني أتمنى الشهادة».

ويواصل قائلاً «استمروا في ضربي بكل الوسائل والآلات ولم أستطع الحركة، بقيت في المستشفى لمدة أسبوعين لكنني وبرغم أن حالتي كانت خطيرة إلا أنني لم أتلق العلاج اللازم سوى ما يبقيني على قيد الحياة.. تم وضع أجهزة للرئتين، ولم أستطع الحركة طوال الأسبوعين، بعدها لُفّ وجهي بشرشف السرير ووضعوني على كرسي ورموني في سيارة الشرطة، وكانوا خلال ذلك يشتمونني ويشتمون مذهبي وطائفتي.. أخذوني لشرطة الظهران، وكنت أمشي حافيا على الأرض الحارقة وسط الإهانات والشتائم».

بقي «ميم» في شرطة الظهران أياما عدة، بعدها تم نقله لمبنى المباحث، وهناك بدأت جولة جديدة من الضرب والتعذيب. يتذكر»ضربوني على وجهي وكل أنحاء جسمي، برغم أنني أخبرتهم أن لدي إصابة في الصدر، إلا أنهم رموني في الزنزانة الانفرادية لمدة يومين من دون أكل أو حتى ماء، وبعد ذلك جاؤوا بوجبة طعام مصحوبة بوجبة من الإهانات، وعندما صرت أبصق دما، تم نقلي للمستشفى مرة أخرى لإجراء فحوصات طبية وأشعة، خوفا من تدهور حالتي».

كثيرة كانت الشتائم والإهانات التي وجهت لـ«ميم»، كان منها مثلاً «أنتم أصلكم من إيران، وتريدون قلب نظام الحكم»، كما وجهت له أثناء التحقيق تهمة مقاومة رجال الأمن وهو ما أنكره، مؤكداً أنه شارك في مسيرة سلمية فقط.

ويقول «ميم» موضحاً «زارتني في المعتقل لجنة حقوق الإنسان التابعة للحكومة، وسألتني إذا ما تعرضت لتعذيب أو سوء معاملة فنفيت ذلك، لأنه لا جدوى من الشكوى فهم جميعهم يعملون للجهة ذاتها وتحت السياسة ذاتها. ولأن الشكوى لن تؤدي إلى شيء، بقيت في السجن الانفرادي شهرين ونصفاً ثم تم نقلي إلى زنزانة جماعية لمدة شهرين ونصف أيضا».

معاناة «ميم» لا يمكن اختصارها في مقابلة واحدة أو تقرير واحد، فقد سمح له بالاتصال بأهله للمرة الأولى بعد شهر ونصف من الاعتقال، كل ذلك وسط ظروف اعتقال مرعبة تخللها تهديدات، أثناء عمليات التعذيب، بالقتل.

يبحث «ميم» الآن عن وظيفة ليكمل حياته، وهو ما زال يشارك في المسيرات السلمية، كما أخبر «السفير» مشدداً «سنصمد، مصرين على المطالب ذاتها».

«ميم» هو مثال لما يتعرض له المعتقلون السياسيون في سجون السعودية، فيما استطاعت السفير الوصول لحالة أخرى أيضاً، هي حالة علي الجارودي (42 سنة) الذي لا يزال في المعتقل منذ ما يقارب العام.

اعتقل الجارودي في إحدى نقاط التفتيش على خلفية مشاركته في التظاهرات. وتقول شقيقته أميرة الجارودي «بقينا 4 أشهر لا نعرف عنه شيئا ولا حتى مكالمة واحدة، سألنا عنه في كل مكان ولم نصل لجواب».

«وبعد انقضاء الأربعة أشهر جاءتنا مكالمة هاتفية منه، ثم سمح لنا بزيارته، ففوجئنا بفقدانه الكثير من الوزن، كما أخبرنا بأنه خضع لعملية في الأذن بسبب تعرضه للكثير من الضرب عليها، وكُسر عدد من أسنانه أثناء جلسات التعذيب، وكان لا يستطيع المشي طبيعياً، وكسرت يده اليسرى… فطوال الأربعة أشهر الأولى كان التعذيب الجسدي والنفسي مستمراً».

وتواصل «في تشرين الثاني الماضي، أبلغتنا إدارة السجن أن أخي علي لا يريدنا أن نزوره ولا يريد الاتصال بنا، وعند ذهابنا إلى مبنى السجن أخبرنا آمر السجن بأن نفسيته تعبانة والأجدر أن نتركه يرتاح، ثم اتضح لاحقاً أنه كان يرقد في المستشفى حيث تعرض للتعذيب مجدداً بعد أن فتحوا تحقيقا جديدا معه بعد 10 أشهر من اعتقاله حول مكالمات أجراها من هاتفه الخاص».

وتشير أميرة إلى أن «علي تعرض للتعذيب بالصعقات الكهربائية وأدخل للمستشفى مرات عدة، حيث لا يتلقى العلاج بقدر ما يتلقى المزيد من صنوف التعذيب، فيبقى مربوطا بالسرير من أطرافه الأربعة ولا يستطيع استخدام دورة المياه ولا يأكل ولا يستطيع أداء الصلاة».

وفي كانون الأول الماضي، عندما كانت العائلة على موعد مع علي في إحدى الزيارات التي حدّدت موعدها إدارة السجن، أخبروهم بأنه ممنوع من الاتصال وممنوع من الزيارة.

تنفعل الجارودي مستذكرة «عندما أصررنا على رؤيته ولو لدقائق، جاء وكدمة حمراء حول عينه اليسرى والكدمات تغطي جسده، فأخبرنا بأنه كان بصدد الذهاب للعيادة للعلاج ولكن أحد رجال الأمن تلفظ عليه بألفاظ نابية وطعن في أخلاقه وشرفه ومن ثم بصق عليه وهو ما لم يستطع تحمله علي، فردّ عليه بالمثل فانهال عليه ما يقارب الخمسة عساكر ركلا وضربا، توقفوا فقط عندما صرخ بأنه سيموت وسحبوه من رجليه وكبلوه ورموه في زنزانة انفرادية حيث أغمي عليه، وبعد يومين أفاق من غيبوبته فزحف وضرب بالقيد الحديدي على الباب طلبا للنجدة، فجاؤوا وأخذوه للمستشفى وأعيدت الكرة، لا أكل ولا صلاة ولا خدمات طبية ومكبل للسرير بأطرافه الأربعة، بقي على هذا الحال لمدة يومين ثم أعادوه للسجن… وحالته النفسية محطمة».

وتصف أميرة بأن أخاها تعرض للضرب على مختلف أنحاء جسده، بما في ذلك الأعضاء الحساسة منه، ولم توجه له أية تهم، ولم يحاكم وليست هناك قضية ضده، «فهو لا ينفي مشاركته في التظاهرات التي يطالب فيها ما يطالب بها أكثر الناس في المنطقة»، في وقت تطالب بالإفراج عن شقيقها، مختتمة حديثها «لا نعرف ما يمكننا القيام به لحمايته ولإنقاذه من هذا العذاب الذي يعيشه ونعيشه معه».

وتؤكد العائلة أنها تقدمت بخطابات لوزارة الداخلية ولجنة حقوق الإنسان والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان التابعة للسلطة ووزير الداخلية والديوان الملكي مطالبة بالإفراج عن علي الأخ الأوسط من بين عشرة إخوة… من دون جدوى.

وتعليقا على التعذيب في السجون، قالت عضو «مركز العدالة لحقوق الإنسان» نسيمة السادة إن المركز وثّق الكثير من حالات انتهاك حقوق الإنسان، بدءاً من القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب وغيرها، كما أنه يعمل على تقديم الدعم القانوني والمعنوي والنفسي للمتعرضين للانتهاكات وذويهم، وهذا أمر ليس بالسهل. كما أنه بحاجة إلى الوقت لنتمكن من تحقيق الهدف المنشود بعودة الضحايا أو أهاليهم إلى حالة نفسية مستقرة وحل المشكلة، خصوصا أن السلطات لا تتجاوب مع أكثر الحالات برغم التقارير الكثيرة التي نرفعها لها».

ليست هناك تعليقات: