الأربعاء، 6 فبراير 2013

عبيد بلا أغلال.. الحرية و أزمة الهوية ...

في الخليج و الجزيرة العربية


شباب المهجر (مقال) بقلم: د. حاكم المطيري --  يتردد سؤال خطير في جنبات الساحة الثقافية والسياسية الخليجية ما سبب هذه السلبية التي تعيشها شعوب المنطقة؟ وما هذه الروح الممسوخة التي تعيق شعوبها عن الحراك كما يجري في كل بلدان العالم العربي؟ وهو سؤال مشروع يحتاج إلى فهم عميق لتاريخ المنطقة والتشوهات الفكرية والدينية والثقافية التي تعرض لها الإنسان العربي الخليجي!.../...

لقد كان للاستعمار البريطاني منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى اليد الطولى في رسم خريطة المنطقة على هذا النحو الحالي، وتقسيم الخليج العربي إلى دويلات تخدم مصالحه الاستعمارية، وبعد الحرب العالمية الثانية، وبعد ضعف النفوذ البريطاني وازدياد النفوذ الأمريكي حلت أمريكا محل بريطانيا في المنطقة، بعد أن سلمت بريطانيا العهدة للولايات المتحدة التي أصبحت تعد الخليج والجزيرة العربية منطقة استراتيجية حيوية بالنسبة لها، وقد تزامن دخولها مع ازدياد موجة التحرر والاستقلال في العالم كله بعد الحرب العالمية الثانية، غير أنها استطاعت بالعمل الدبلوماسي، والضغط السياسي، والنفوذ الاقتصادي، السيطرة على المنطقة من جديد بشكل غير مباشر، وقد كانت اتفاقية (كامب ديفد) مع مصر أول خطوة على طريق عودة الاستعمار المباشر للمنطقة، ثم كانت حرب الخليج الأولى، ثم الثانية، سببا رئيسا في لجوء دول المنطقة إلى عقد معاهدات الحماية مع أمريكا التي ظلت تتحين الفرصة للسيطرة على العراق، فلم تجد إلا اللجوء إلى الحرب والاحتلال العسكري المباشر، تماما كما فعلت بريطانيا التي بدأت سيطرتها على المنطقة بمصر سنة 1882، ثم بالخليج العربي عن طريق معاهدات الحماية، وانتهت بالسيطرة على العراق بالقوة العسكرية بعد ثلاثين سنة، من 1882 إلى 1916م، وهي تقريبا نفس المدة التي احتاجتها أمريكا لإكمال سيطرتها على المنطقة منذ كامب ديفد مع مصر سنة 1978م، إلى احتلال العراق سنة 2003؟!

لقد باتت الجزيرة العربية اليوم تحت سيطرة الاستعمار الأمريكي الجديد بشكل جلي مباشر سياسيا وعسكريا من خلال القواعد العسكرية التي تحيط بالجزيرة والخليج العربي وتوجد في جميع دوله، وهو ما يعني فقدان السيادة والاستقلال لعدم تكافؤ القوى بين الطرفين الحامي والمحمي، وهو ما دعا الرئيس الأمريكي السابق نيكسون إلى تأكيد أهمية السيطرة على المنطقة عسكريا بقوله(سيتحتم على أمريكا أن تتولى مسئولية ضمان أمن الخليج بقوتها العسكرية، وأن نواصل تكديس المواد مسبقا، ويفرض الواجب علينا تعزيز تسهيلات الإنزال البحري والجوي للقوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي)[1].

وتعود الأسباب التي أدت إلى قابلية شعوب الخليج والجزيرة للاستعمار الأجنبي الأول البريطاني والثاني الأمريكي إلى:

1- حكم الفرد الذي رسخته بريطانيا في المنطقة، وغياب الحرية، والاستبداد السياسي الذي صادر حق الأمة في المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية، وتهميش حق الشعوب في الرقابة على السلطة وممارساتها السياسية واتفاقياتها الدولية، وتخلي الأمة عن القيام بما أوجب الله عليها في مجال اختيار السلطة، ومشاركتها المسؤولية والرأي، ومراقبتها، ومحاسبتها في كل ما تأتي وتذر وهو أول وهن دخل على الأمة سهل للاستعمار التنفذ تدريجيا في شؤون المنطقة.

2- قابلية شعوب المنطقة للخضوع للاستبداد الداخلي جعلها أكثر قابلية للخضوع للاستعمار الخارجي وأكثر تأقلما معه، ولهذا لم تعرف المنطقة حركة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني الذي سيطر على المنطقة كلها مدة قرن كامل، ولم تجد الشعوب والحكومات خلالها مشكلة في وجوده والتعامل معه وخدمته، كما تؤكد ذلك وثائق الخارجية البريطانية، على خلاف الوضع في أكثر دول العالم آنذاك التي رفضت شعوبها الاستعمار وتصدت له حتى تحررت وحصلت على استقلالها!

لقد تأقلمت شعوب المنطقة سريعا مع الاستعمار البريطاني آنذاك نفسيا وثقافيا، واستطاع المندوب البريطاني أن يدير وحده شئون الخليج والجزيرة والعراق دون كبير عناء؟!

ولعل أخطر ما في الأمر نجاح الاستعمار في توظيف بعض علماء الدين المسلمين في خدمته وخدمة مخططاته الاستعمارية، وإضفاء الشرعية عليها، والتعامل معه كمعاهد لا كمستعمر؟

لقد كانت الروح القومية في ستينات القرن الماضي هي التي كان لها أكبر الأثر في استثارة الشعوب في الجزيرة العربية ضد الوجود الاستعماري في المنطقة في الوقت الذي استطاع الاستعمار والحكومات الحليفة له تدجين الدين وعلمائه وتحطيم الروح الإسلامية التي ترفض رفضا قاطعا الخضوع للأجنبي وترى الدخول تحت حكمه وسيطرته كفرا يخرج من الإسلام ويصطدم بأصوله القطعية؟

لقد تحدث دكسون المسئول البريطاني في الخليج عن أثر المد القومي على شعوب المنطقة فقال: (والمؤسف في ذلك كله أنه في الوقت الذي يتزايد فيه شعور الشبان المتطرفين القوميين ضد الأجانب وضد البريطانيين بصورة خاصة، فإن عرب الصحراء القدامى وكبار تجار المدينة النافذين الذين مازالوا يحبون ويحترمون الإنجليز بدءوا يتحولون ببطء ضد الغربيين لأسباب تختلف تماما، فهؤلاء وهم مؤمنون متدينون يرون في التأثير الغربي بماديته خطرا يهدد عاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم وديانتهم.... وهكذا نجد أن العربي المرح! الذي ينتمي للمدرسة القديمة أصبح ضد الأجنبي على الرغم من أن الأسباب الموجبة لهذا الشعور ليست مماثلة للأسباب الدافعة لأبناء الجيل الجديد؟!) [2].

ويظهر جليا من كلام دكسون قابلية المجتمعات الخليجية المحافظة للاستعمار والخضوع للأجنبي التي تكنّ له مشاعر الحب والاحترام! وأن تحول هذه المشاعر لم يكن بسبب رفضها للاستعمار أو تطلعها للحرية والاستقلال، بل السبب خوفها من قيم الغرب المادية على عاداتها ودينها لكونها مجتمعات مؤمنة متدينة؟! وأنه لولا المد القومي في العالم العربي آنذاك الذي ألقى بظلاله على المنطقة كلها ودفع الشباب في المجتمعات الخليجية للتطلع للحرية والاستقلال لما تغيرت أوضاع المنطقة عما هي عليه قبل ذلك، إذ كان عرب الصحراء وكبار التجار المؤمنون المتدينون يكنون للمستعمر مشاعر الحب والاحترام، ولم تحل ثقافتهم الإسلامية، ولا تدينهم دون الخضوع للأجنبي واحترامه ومحبته مدة قرن كامل بعد تدجين الحكومات دين المجتمع وثقافته على يد بعض رجال الدين أنفسهم، لتصبح المجتمعات أكثر قابلية واستعدادا للخضوع للاستبداد من جهة والاستعمار من جهة أخرى وإضفاء الشرعية على ذلك الواقع باسم الدين؟!

وما زالت هذه العقدة هي المتحكم في الوعي الجمعي وبالخطاب ديني، فالخليجيون بعلمائهم ودعاتهم وشيوخ دينهم لا يهمهم كثيرا أن تبقى القواعد الأجنبية في المنطقة، ولا يهمهم أصلا أن تكون حكوماتهم تحت النفوذ الأجنبي، ولا يهمهم كثيرا أن تنهب ثروات المنطقة، بقدر ما يهمهم المحافظة على تقاليدهم وعاداتهم!

فهم يخشون أن تؤثر الحضارة الغربية فيهم وفي سلوك شبابهم ونسائهم أشد من خشيتهم على استقلال دولهم، لأنهم أصلا لا يشعرون فيها بالمواطنة، ومن ثم لا يهمهم استقلت أم اضمحلت!

وهذا ما يفسر لنا سبب تقبل المجتمعات الخليجية عودة الاستعمار الأمريكي وقواعده العسكرية وسيطرته السياسية من جديد على شؤون المنطقة كلها بعد ضعف التيار القومي وانحساره بعد الغزو العراقي للكويت سنة 1990م ونجاح الاستعمار مرة ثانية في توظيف الدين الإسلامي في خدمته بصدور الفتاوى التي تضفي الشرعية على وجوده وتحرم رفضه أو مقاومته ولو بالكلمة الحرة والوسائل السلمية، حتى خرج دعاة الفتنة باسم السنة وبإيعاز من السلطة ليقولوا للخليجين (أمريكا لا تمثل خطرا على ديننا إنما جاءت للنفط فقط وهو لا يهمنا مادام دين محفوظ)؟!

3- عدم إدراك هذه الشعوب أوضاع دول المنطقة إدراكا حقيقيا وأنها ما زالت منذ وجدت صناعة استعمارية من الألف إلى الياء، بل عدم معرفة ماهية الاستعمار وطبيعته، وعدم استشعار وجوده، وعدم معرفة أساليبه، وقد تحدث العلامة السيد محمود شاكر الحسيني عن وسائل الاستعمار البريطاني لمصر فقال(دخلت بريطانيا بلادنا غازية سنة 1882م، وادعت أنها جاءت لكي توطد لنا أركان عرشنا، وتطفئ نار الفتنة العرابية - نسبة إلى قائدها أحمد عرابي - كما يسمونها، وزعمت أن بقاءها لن يطول، فلم تمض خمسة أيام حتى ألغت الجيش المصري، ومزقت البحرية المصرية، وأغلقت مصانع السلاح، وسرحت الجنود، وجردت الضباط الصغار من رتبه، وقدمت كبار الضباط للمحاكمة، ووضعت الشرطة كلها تحت سيطرتها المباشرة، وتتبعت الأحرار الذين اشتركوا في الثورة، فقبضت عليهم أو شردتهم..)[3].

إن وجود الحكومات الصورية في نظر الخليجيين كاف في نفي وجود الاستعمار في الثقافة الزائفة! دون إدراك أن الاستعمار أحرص منهم على بقاء مثل هذه الحكومات لتنفيذ مخططاته من خلالها، وأن الأمر كما يقول محمود شاكر(يجب أن نفرق بين الشعب والحكومة، فالحكومة في البلاد المنكوبة بالاحتلال جزء من نظام الاستعمار، ولو زعمت أنها مستقلة في تصريف سياستها، ومن خداع النفس أن يتصور إنسان أن الحكومة تمثل إرادة الشعب، وبخاصة إذا ثبت ثبوتا قاطعا أن جميع حكومات الاستعمار، لم تستنكف أن تعاونه مرات، وأن تخضع لما أراد أن يخضعها له، وأن تبقى في مناصب الحكم وهي تعمل بأمره وتخطب في هواه، فالحكومة والشعب شيئان مختلفان في عهد الاستعمار، وكل معاهدة بين الحكومة والاستعمار باطلة من أساسها، لأنها معاهدة بين المستعمر وصنيعته، لا تتعدى أن تكون معاهدة عقدها المستعمر بينه وبين نفسه) [4].

4- قدرة الاستعمار على توظيف الدين في خدمته بشكل مباشر أو من خلال توجيه الحكومات للمنابر العلمية، والتعليمية، بل وحتى المساجد، نحو ما يريده الاستعمار، وكما استطاع الاستعمار الفرنسي في الجزائر توظيف علماء الدين المسلمين والطرق الصوفية في خدمته، وتحويل المنابر العلمية إلى منافذ للاستعمار الثقافي تحرم مقاومته وتجيز الخضوع له باسم الدين، تارة بدعوى طاعة أولي الأمر[5]، وتارة بدعوى المصلحة، وتارة بدعوى عدم القدرة على مواجهته، ومن ثم سقوط الواجب، بل وحرمة المقاومة بدعوى وقوع المفاسد...الخ

ومثلما نجح البريطانيون في توظيف بعض المرجعيات الشيعية والسنية في العراق بعد احتلاله في الحرب العالمية الأولى، كما قالت (المس بيل) التي كانت المسئول الأول البريطاني لإدارة شئون العراق بعد احتلاله في الحرب العالمية الأولى(كما إن الذين اشتركوا منا بالدراما (المسرحية) سوف لن ينسوا العضد والمؤازرة اللذين قدمهما لنا كل من النقيب - السيد عبد الرحمن الكيلاني نقيب بغداد السني - والسيد محمد كاظم اليزدي -المرجع الشيعي الأعلى - على أن فائدة الدرويش - أي النقيب الصوفي - مثل فائدة المجتهد - أي المرجع الشيعي - في هذا الشأن لها حدودها، حيث لم يكن بوسع كل منهما أن يكون في المقدمة، أو أن يجازف بتحمل النقد)[6].

كذلك استطاع الاستعمار الأمريكي الجديد في الخليج العربي من خلال الحكومات توظيف الدين، والحركات الإسلامية، والقوى السياسية، والمدارس السلفية، والحوزات الشيعية، في خدمته، وإضفاء الشرعية على وجوده، وتحريم مقاومته، تارة بدعوى أن له حكم المعاهد! وتارة بدعوى طاعة ولي الأمر؟! وتارة بدعوى عدم القدرة على مقاومته!

لقد استطاع الاستعمار أن يوظف الدين في كل خطوة يخطوها في المنطقة ابتداء من الإفتاء بمشروعية الصلح مع إسرائيل، ثم الإفتاء بتحريم العمليات الاستشهادية في فلسطين، ثم الإفتاء بمشروعية المنع من الدعاء على الأعداء في المساجد، دون إدراك خطورة تدخل الاستعمار إلى هذا الحد في مساجد المسلمين وعباداتهم، وخطورة توجيه ثقافة المجتمع من خلال المساجد نحو ما يخدم وجوده، ويزيل الحاجز النفسي الرافض له، ثم تبرير تطوير المناهج التعليمية لحذف كل ما يعزز روح المقاومة للوجود الأجنبي، ثم صدور الفتاوى في تجريم كل من يتعرض لهذا الوجود واتهامه بالإرهاب - بينما لا يصدر في المقابل ما يدعو إلى إخراجه ولو بالطرق السلمية، ولا ما يندد بجرائمه ضد المسلمين في كل مكان - ثم في صدور الفتاوى التي تبرر مشروعية ضرب أفغانستان، ثم الإفتاء بمشروعية إعانته على احتلال العراق[7]!

وهكذا استطاع الاستعمار توظيف الإسلام ذاته في إضفاء الشرعية على وجوده وممارساته وتجريم مقاومته ولو بالطرق السلمية!

5- ضعف الحس القومي والوطني لدى شعوب المنطقة وهو ما أدى إلى قبول الوجود الأجنبي لغياب الروح القومية التي ترفض بطبيعتها أي وجود أجنبي على أرضها، وكذا ضعف الحس الوطني الذي يربط الأفراد بأرض الوطن حيث لا يشعر الخليجيون بارتباطهم بأوطانهم بسبب الثقافة القبلية الصحراوية من جهة، حيث الشعور بالانتماء إلى القبيلة مع امتدادها في عدة دول أقوى من الشعور بالانتماء للوطن المصطنع الذي قسم القبيلة الواحدة ومزق كيانها، وبسبب شعورهم باكتساب جنسياتهم بالمنح لا بالاستحقاق، وأن حصولهم عليها ونزعها من حق الحكومات التي لم يكن له وجود ولا حدود إلا في ظل الاستعمار البريطاني، بينما وجود الشعوب على هذه الأرض يمتد إلى آلاف السنين وكلها تعود إلى أصل واحد، فأصبحت بعد الاستعمار وقيام الدول الحديثة لا تشعر بالمواطنة لها، إذ لا تمثل هذه الدول قوميات محددة، ولا تعبر عن هوية حقيقية لهذه القبائل التي توجد على أرض الجزيرة والخليج العربي منذ آلاف السنين؟!

ولم تستطع هذه الكيانات المصطنعة إيجاد هوية وطنية بديلة تعزز الانتماء إليها، ومع ضعف الحس القومي من جهة، والحس الوطني لشعوب المنطقة من جهة أخرى، لم يستطع الحس الديني أن يحول دون قبول الوجود الأجنبي بسبب إمكانية تأويل الدين وتوظيفه، وهو ما لا يمكن مع الشعور القومي والوطني حال وجوده، ولهذا نجح الشيخ عمر المختار في ليبيا، والسيد عبد القادر الجزائري، والشيخ المجاهد عبد الكريم الخطابي والسيد المهدي، في قيادة القبائل في ليبيا والجزائر والمغرب والسودان في حرب تحرير ضد الاستعمار بالروح الدينية، والحمية الإسلامية، وهي الروح التي تم السيطرة عليها اليوم بالخطاب الديني في الجزيرة والخليج العربي، كما سبق للحكومات السيطرة على الروح القومية في الخمسينيات من القرن الماضي لصالح المشروع الاستعماري!

6- انعدام التاريخ النضالي لشعوب المنطقة في العصر الحديث، وعدم وجود القيادات التاريخية المعاصرة التي تلهم الأجيال الجديدة، وتلهب حماسها، وتكون نبراسا لها على طريق الحرية، فعدم قيام حركات تحرر ضد الاستعمار البريطاني جعل ذاكرة المجتمع الخليجي خلوا وصفرا تماما من ثقافة المقاومة، وثقافة الرفض للاستعمار التي يمكن استثمارها لصالح حركة تحرر ضد الاستعمار الجديد، ففي الوقت الذي تحفظ فيه ذاكرة الشعب الجزائري والمصري والمغربي والسوداني والليبي والسوري مئات الأبطال والقيادات التاريخية التي تصدت للاستعمار كعمر المختار، ومصطفى كامل، وأحمد عرابي، وعبد القادر الجزائري، وعبد الكريم الخطابي، ويوسف العظم، وعبد القادر الحسيني...الخ بالإضافة إلى عشرات المواقف البطولية، والحروب الجهادية ضد الاستعمار، تخلو في المقابل ذاكرة شعوب الخليج والجزيرة العربية من كل ذلك، بل صار صنائع الاستعمار الصليبي هم الأبطال التاريخيين للمجتمعات الخليجية على نمط بطولة كرزاي في أفغانستان والجعفري والجلبي والمالكي في العراق؟!

7- غياب الوعي السياسي وعدم معرفة المنطقة بالأحزاب السياسية والعمل الجماعي المنظم، ورفض ثقافة المجتمع لها باسم الدين أيضا، مع أنه لا يمكن أن تقوم حركة تحرر ضد الاستعمار، ولو بالضغط السياسي السلمي إلا بتنظيمات سياسية تعمل على حشد الجماهير لتنتظم صفوفها خلفها، وتجعل هدفها إخراج الاستعمار، والعمل على تحقيق استقلالها عن الوجود الأجنبي، ولو عن طريق المقاومة السلمية.

8- تشرذم المنطقة وشعبها الواحد إلى سبع دويلات في الجزيرة العربية التي هي مهد العروبة ومهبط الإسلام الذي جاء بالتوحيد، بعد أن كانت قبل الحرب العالمية إقليما واحدا تابعا للخلافة العثمانية!

وقد استطاع الاستعمار البريطاني، ترسيخ هذا الواقع ليسهل عليه السيطرة على المنطقة كلها وفق سياسة فرق تسد، وازداد الوضع تعقيدا بتقبل الشعوب هذا الواقع وتأقلمها معه، مع عدم شرعيته، ومع خطورته، فلم يعد لشعوب المنطقة التي تمثل شعبا واحدا وأرضا واحدة منذ آلاف السنين أي قدرة على تغيير واقعها إلى الأفضل، مع أن تعدادها مع اليمن يبلغ أكثر من خمسين مليون نسمة، وتحولت الجزيرة كلها إلى أكبر قاعدة عسكرية تنطلق منها أكبر الحملات الصليبية على العالم العربي والإسلامي دون أن يكون لشعوبها أي أثر في مجريات الأحداث؟!

فهذه الأسباب الثمانية ساهمت كلها في خلق أزمة الهوية ومن ثم شيوع الروح الانهزامية والسلبية السياسية والقابلية للاستعمار، والقابلية للاستبداد، وقد أدت كل هذه الأسباب إلى سهولة سقوط المنطقة مرة ثانية تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي بشكل مباشرة، بعد أن استطاعت أن تتخلص منه إلى حد كبير منذ سبعينات القرن العشرين، تأثرا منها بالأوضاع الخارجية، كالمد القومي الذي اجتاح العالم العربي كله، وحركة تحرر الشعوب واستقلال الدول بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما يقتضي دراسة تاريخ شعوب المنطقة وأطوارها التي مرت بها حتى آلت بها الحال إلى ما هي عليه اليوم من سلبية سياسية، لفهم أبعاد هذه الإشكالية..


مراجــــــع

[1] ما وراء السلام ص 155 .

[2] الكويت وجاراتها ( 2/273) .

[3] جمهرت مقالات محمود شاكر الجزء الثاني ص 916 ، وقد قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بعد احتلال العراق سنة 2003م والسيطرة على الخليج العربي بالكامل، باتباع نفس السياسة القديمة، فتم حل الجيش العراقي، وتم إلغاء التجنيد الإجباري في الكويت، وتم تقليص عدد أفراد السلك العسكري في كل دول الخليج، وتم إلغاء قوات درع الجزيرة العربية!

[4] المصدر السابق ص 961.

[5] انظر تفاصيل هذا الموضوع في كتاب (دور العلماء في ثورة الجزائر) للنعيمي.

[6] فصول من تاريخ العراق للمس بيل ص 471. وراجع مذكرات بريمر الحاكم العسكري للعراق سنة 2003م وغيره من المذكرات التي تتحدث عن خدمات مراجع الدين في العراق لمشروع الاحتلال!

[7] انظر فتوى عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت محمد الطبطبائي في صحيفة الوطن عدد 9734 بتاريخ 16/3/2003 حول وجوب القتال مع الجيش الأمريكي في حرب احتلال العراق وأن القتال معهم من الجهاد في سبيل الله، ثم فتواه بعد ذلك بأن ما تقوم به المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال هو إرهاب!

وانظر فتاوى عبد المحسن العبيكان في القنوات الفضائية والصحف السعودية حول الموضوع ذاته!

ليست هناك تعليقات: