الجمعة، 15 فبراير، 2013

له أجر.. ولنا مصائب أغلاطه ..!


شباب المهجر (مقال) بقلم: سلطان الجميري -- ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). هذا الحديث تم تجييره على العلماء “المجتهدين”.. ثم أصبح يعطى لكل أحد تظهر عليه معالم الصلاح، وعلى الرغم من تكراره في معظم كتب الحديث إلا أنه لم يرد مرة واحدة بصيغة “العالم”، سواء مجتهد أو غير مجتهد. فهذا الحديث جاء في البخاري ومسلم وسنن أبي داود وابن ماجة وغيرها من كتب الحديث.. وفي جميع الروايات جاءت بلفظ (إذا حكم الحاكم).../...

والمراد بالحاكم كما يقول السعدي في شرحه للحديث (هو الذي عنده من العلم ما يؤهله للقضاء)، ثم يقول: ( وفي هذا فضيلة الحاكم الذي على هذا الوصف، وأنه يغنم الأجر والثواب في كل قضية يحكم بها. ولهذا: كان القضاء من أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة للقاضي عند التنازع أو الاشتباه. عليه: أنه يجاهد نفسه على تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته، وينال به الخير، والأجر العظيم، والله أعلم).

وعادة ما يساق هذا الحديث بعد جملة من الأحاديث التي تحذر من التساهل في القضاء بين الناس مثل: (من جعل قاضيا بين الناس، فقد ذبح بغير سكين)، (من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل إليك ملك فسدده)، (إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار وكل إلى نفسه)!

وفي صحيح مسلم ذكر تحت( كتاب الأقضية)! وحينما شرحه النووي أورد معه (وقد جاء في الحديث في السنن: “القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى على جهل فهو في النار”، ثم علق النووي على الحديث بقوله: “قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران، أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده”.

وربما حتى لا يترك القضاء بين الناس وتتعطل مصالح الناس خوفا وتذرعاً بهذه الأحاديث، جاء حديث (له أجر.. وله أجران)، ليبين أن اجتهاد القاضي وتحريه للحق هو المطلوب منه شرعاً، فإن تبين له خطأه.. فهو مأجور بإذن الله على اجتهاد وهذي طبيعة البشر! فالنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه أم سلمة (إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر مثلكم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فأحكم له بقدر ما أسمع من حجته. فمن قضيت له من حق أخيه  فلا يأخذ،  فإنما أقطع له قطعة من النار).

ولاحظ أن مناط الحديث هو شروط القاضي الذي يحكم بين الناس وموعود بالأجر إن أخطأ أو الأجرين إن أصاب.. حيث تكررت مسألة “العلم بالمسألة والاجتهاد”، وكذلك مما يدل على أن المعنى هم “القضاة”، الشواهد التالية:

قال ابن المنذر رحمه الله معلقا على الحديث “إذا حكم الحاكم”: “القاضي إذا كان عالما بالاجتهاد وقادرا على الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، ثم بذل وسعه واجتهد فأخطأ، فإنه يؤجر أجرا واحدا، لكن إن كان قد قضى على جهل فهو مأزور غير مأجور”، “وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالما فلا”، ثم ساق بعد ذلك حديث أن “القضاة ثلاثة: قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى للناس على جهل فهو في النار”.

وقال القرطبي في المفهم: “الحكم المذكور ينبغي أن يختص بالحاكم بين الخصمين، لأن هناك حقا معينا في نفس الأمر يتنازعه الخصمان، فإذا قضى به لأحدهما بطل حق الآخر قطعا، وأحدهما فيه مبطل لا محالة، والحاكم لا يطلع على ذلك، فهذه الصورة لا يختلف فيها أن المصيب واحد لكون الحق في طرف  واحد، وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد”.

 أبو بكر ابن العربي  كذلك قال: “عندي في هذا الحديث فائدة زائدة حاموا عليها فلم يسقوا وهي : أن الأجر على العمل القاصر على العامل واحد , والأجر على العمل المتعدي يضاعف , فإنه يؤجر في نفسه وينجر له كل ما يتعلق بغيره من جنسه فإذا قضى بالحق وأعطاه لمستحقه ثبت له أجر اجتهاده وجرى له مثل أجر مستحق الحق , فلو كان أحد الخصمين ألحن بحجته من الآخر فقضي له -والحق في نفس الأمر لغيره- كان له أجر الاجتهاد فقط “

وبالطبع، هناك فرق بين (الحاكم القاضي) وبين (العالم الشرعي): قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: “الفرق بينهما أن القاضي يبين الحكم الشرعي ويلزم به، والمفتي يبينه فقط. والفرق الثاني أن المفتي أوسع دائرة من القاضي، لأنه يفتي في الأمور المتنازع فيها وغيرها. والقاضي لا يتعلق قضاؤه إلا بالمسائل المتنازع فيها بين الناس، فيبين الحكم الشرعي فيفصل بينهم نزاعهم. وأيضا المفتي يفتي على وجه العموم. والقاضي يحل القضية المعينة المترافع فيها إليه.

ويترتب على هذا أنه لا يحكم القاضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له ولا على من لا تقبل شهادته عليه. والمفتي على خلاف ذلك. ومن الفروق أن القاضي اشترطوا فيه عشر صفات، والمفتي إنما اشترطوا له العلم بما يفتي به”.

وقد بين ابن القيم في إعلام الموقعين الفرق بين الحاكم والمفتي، فقال: “فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره. وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله، فالمفتي يفتي حكما عاما كليا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين، فقضاؤه خاص ملزم وفتوى العالم عامة غير ملزمة فكلاهما أجره عظيم وخطره كبير”.

وبعد ذكر كل ما سبق، فليس مرادي من هذا كله أن أقول: إن العالم المجتهد لا يؤجر، حاشا لله، فالله واسع الفضل، ويعطي للإنسان فوق ما يريد إذا أخلص وحرص على نفع الناس.

وأعلم جيداً أن هناك من السابقين والمعاصرين من يسوق هذا الحديث في جانب العالم المجتهد، بالنظر إلى تشابه الدورين بين القاضي والعالم.. وقد يكون مستساغاً لو بقي محصوراً ومشددا على موضوع أهلية “الاجتهاد”.. لكنه توسع فيه.. فانخرط فيه كل أحد، لذلك نحن بحاجة للعودة للمعنى الأصلي.

فنحن عادة ما نسمع أن هناك من يريد إسكات الآخرين بقوله: “إذا أخطأ العالم فله أجر اجتهاد”.. فيجب أولا تصحيح لفظة “العالم” بالعودة إلى نص الحديث.

ثانياً: هذه العبارة شجعت البعض على الافتراء في الأمة، فهو يفتي في دماء المسلمين وأمامه هديتان “أجر” أو “أجران”، ونحن كأمة نتلظى بفتاويه، وجناياته.. وتستحي الأمة أن تأخذ على يدي هذا العالم لأنه يتأرجح بين منزلتي الأجر والأجرين..!

فأي اجتهاد هذا الذي يتم سلقه في إذاعة.. أو برنامج فضائي.. أو خطبة جمعة!

فهذا يكفر الناس: اجتهاد وبين الأجر والأجرين،، وهذا يفتي بسحق المتظلمين: اجتهاد بين الأجر والأجرين!

طالب علم صغير، يحفظ اليسير من القران وبعض الأحاديث التي نصفها ربما ضعيف.. ويقول الراجح عندي أن هذا القول كفر.. وذاك العمل كفر! وبين الأجر والأجرين..

نادراً جدا أن تسمع عالماً يقول “لا أدري”.. “دعني أتأمل الموضوع”..! وكأنه أحاط بكل شيء علماً..

يخطى اليوم.. له أجر،، غدا يخطئ له أجر.. تتكرر أخطاؤه له أجر! ما هذا..؟؟ ما هو الحد الذي نقول له “زودتها” يا مجتهد! المجتمع يئن من هذه الفتاوى..!

شروط الاجتهاد نفسها (التي نوزع عليها الأجر والأجران) لم تعد تؤخذ بعين الاعتبار.. بل اكتفى الناس فقط بمعرفة هل هذا الشيخ ضمن المؤسسة العلمية التي يختارها الحاكم رسمياً أو لا.. ليضفوا عليه وصف “كبار العلماء” و”جبال العلم” و”العلماء الثقاة “.. وغيرها.

يحضر حجة وداع النبي صلى الله عليه وسلم ما يقارب ١٠٠ ألف.. ويحصي ابن القيم وابن حزم عدد من كان يفتي من الصحابة فلا يزيدون عن “١٣٠” صحابياً، ثلاثة أرباعهم نقلت عنه فتوى واحدة أو اثنتين..! وكانوا يتدافعون الفتوى، فضلاً عن الخوض بسهولة في القضايا المباشرة التي تقترب من ظلم الناس والبغي عليهم أو قمعهم ونزع حقوقهم!

وعندنا من يجدع في الأمة ويفري فيها فرياً ليل نهار.. وهو مطمئن.. كأنه لم يفعل شيئاً.. !

لا وله فوق ذلك شرف “موقع عن الله”.. ! يا إلهي..

بإمكاني أن أستوعب أن يفتي طالب علم لسائل يسأل: هل معجون الأسنان يفطر أم لا.. هل التشقير حرام أولا،،! لكن يجب على العالم أن يكون من أكثر الناس حرصاً على عدم الخوض في المسائل التي في مجملها تمس الأمة كلها.. كالتكفير والقتل،، سيما إذا كان الناس يعلمون أن هذه الفتوى جاءت بطلب من “الحاكم” أو بإيعاز منه.

استند أحد الأشياخ الأزهريين مؤخراً إلى حديث (من أتاكم وأمركم جميعا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم فاقتلوه)، ليجيز قتل “المعين” في التلفاز! فهل هذا يمكن أن يسمى اجتهاد وله أجر! وهل أمر الناس في مصر مثلاً مستقر على رجل واحد.. وهل تبين للشيخ أن هذا الرجل تحديدا “المجاز قتله” حمل السلاح لينتزع الحكم!

مزعج أن يتم تبرير هذا بأنه “اجتهاد”!

كم قضى من الوقت في بحث المسألة.. وتأكد من أن هذا الرجل يقع في دائرة هذا الحديث.. وحتى لو تبين ذلك، هل بوسعه أن يفتي بقتله!

ليست القضية أن الناس لا تصدقك بأن هذا الحديث موجود في كتب الأحاديث الصحيحة.! القضية ليست وجود النصوص.. وإنما القضية في الاستدلال والإسقاط..!

في بلد آخر، يفتي شيخ بأن فعل فلان كفر.. ويأتي طالب علم آخر بأن الشخص نفسه كافر.. وتنتهي السلسلة بأن القضاء إذا لم يطبق حكم الله فيه، فقد تعاهد ثلاثة عند الكعبة أن يقتلوه! هكذا فجأة.. تحول الناس كلهم “مجتهدون”.. كلهم “قضاة”..!

وبكل بساطة، ينام الشيخ الأول،، قرير العين بين الأجر والأجرين،،

ونحن نثغب في الدماء..

------
العصر

ليست هناك تعليقات: