الاثنين، 4 فبراير، 2013

رمتنا بدائها وجثمت.. "ولاية العهد الفاجرة"


شباب المهجر (مقال) بقلم: عمر أشهب -- روى أبو داود والترمذي عن سفينةَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أُمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك ". قال سعيد بن جمهان (الراوي عن سفينة): ثم قال (أي سفينة): أمسكْ! (أي احسُبْ): خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان. ثم قال: أمسِكْ: خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد فقلت له: إن بني أمية يزعمون أنَّ الخلافة فيهم! قال: كذبوا بَنُو الزرقاء! بَل ملوكٌ من شر الملوك". هذه رواية الترمذي../...

وعند أبي داود: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يوتي الله الملك من يشاء. قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك: أبو بكر سنـتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنـتي عشرة، وعلي ستا. كذا قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أنَّ عليا لم يكن بخليفة! قال: كذبَتْ أسْتَاهُ بني الزرقاء! يعني بني مروان". هذا حديث حسن. قال الحافظ في الفتح: "رواه أصحاب السنن وصححه ابن حبان.

جئت بهذين الحديثين كما أوردهما الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في كتاب" الخلافة والملك" لنستفتح بهما حديثنا إن شاء تعالى. وسأنقل لكم فقرة في نفس السياق يقول فيها: (("بدأ البلاء بالملوك شر بداية كما قال الصحابيُّ وكما أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجثم على صدر الأمة الحكم الوراثي الذي لا نزال نعانيه. والوراثة مَناط البلاء لأنها تعني غياب اختيار الأمة، وعزلَها عن أمرها الذي فرض الله أن يكون شورى. تعني حكم الغِلْمة الذين على أيديهم هَلَكَةُ الأمة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أعوذ بالله من إمارة الصبـيان". قالوا: وما إمارة الصبـيان؟ قال: "إن أطعتموهم هلكتم (أي في دينكم) وإن عصيتموهم أهلكوكم (أي في دنياكم)". كذا نقل الحافظ في الفتح عن علي بن معبد وابن أبي شيـبة. قال: وفي رواية ابن شيـبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: "اللهم لا تُدركْني سنة ستين وإمارة الصبـيان". قال الحافظ: "وفي هذا إشارة إلى أن أول الأُغَيلمة كان في سنة ستين. وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استُخلف فيها".

قلت: وهكذا بدأت بدعة الوِراثة العاضة التي كانت في تاريخنا مناطَ البلاء كله.

وما زالت بدعة الوراثة تسير في طريقها الطبـيعي حتى تطورت إلى اللعب السافر بالأمة. تريد الأُسرة الحاكمة، والعصبـية الجاثمة، والنظام المتسلط، أن تحافظ على مصلحتها وبقائها، فينصِب الحاكمُ ابنه، أو واحداً من قرابته، وليا لعهده. ويعطون لهذه الوِلاية الفاجرةِ صِبغةً شرعية عندما يُكرهون الناس على بـيعة الوارث. وهي في الحقيقة بَـيْعٌ للدين، لا بَـيْعة يُقرها الدين. نُصِبَ الصبـيانُ سادةً على رؤوس الأمة، بل بويع حتى لمن لم يولد. وهكذا فسدت أداةُ الحكم، وشُوِّهَتِ السلطة، وعُبِدت الأصنامُ الوراثية. وعَبث الغلمان، وعُبِث بهم. فذلك هلاك الأمة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم")). انتهى كلام الإمام المرشد رحمه الله تعالى.

وقلت: عمر أشهب:

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله خنس ، وإذا غفل وسوس " . رواه البخاري تعليقا.

" (الشيطان جاثم) : أي : لازم الجلوس ودائم اللصوق (على قلب ابن آدم ، فإذا ذكر الله): أي : ابن آدم بقلبه ، أو ذكر قلبه الله (خنس) : أي : انقبض الشيطان وتأخر عنه واختفى ، فتضعف وسوسته وتقل مضرته ، (وإذا غفل) : أي : هو ، أو قلبه عن ذكر الله (وسوس) : أي : إليه الشيطان وتمكن تمكنا تاما منه ، وفيه إيماء إلى أن الغفلة سبب الوسوسة لا العكس على ما هو المشهور عند العامة . (رواه البخاري تعليقا) : أي : بلا ذكر سند.

جاء في لسان العرب كلمة: [جثم]: جثم الإنسان يجثم ويجثم، من حدي ضرب ونصر، جثما بالفتح، وجثوما بالضم، فهو جاثم وجثوم: أي: لزم مكانه فلم يبرح، أو وقع على صدره وهو بمنزلة البروك للإبل، قال الراجز:

إذا الكماة جثموا على الركب ***  ثبجت يا عمرو ثبوج المحتطب

أو تلبد بالأرض، وهو بعينه معنى لزم مكانه فلم يبرح، قال النابغة يصف ركب امرأة:

وإذا لمست لمست أخثم جاثما ***  متحيرا بمكانه ملء اليد

وقوله تعالى: (فأصبحوا في دارهم جاثمين) أي: أجسادا ملقاة في الأرض.

وقال أبو العباس: أي: أصابهم البلاء فبركوا فيها. والجاثم: البارك على رجليه كما يجثم الطير

وجثم الليل جثوما؛ أي: انتصف.

قال الليث الجاثم اللازم مكانه لا يبرح وقال الجاثمة واللبد الذي لا يبرح بيته والجاثوم : الكابوس يجثم على الإنسان فيقال للذي يقع على الإنسان وهو نائم جاثوم وجثم وجثمة ورازم وركاب وجثامة.

وبعد هذا البسط في معنى كلمة: "جثم" والتي أردت من إبرازها وتبيينها توضيح حجم الثقل الملقى على صدر الأمة, وعلى فظاعة البلاء الذي ترزح تحته منذ قرون وقرون, إنّ كل توصيف لحالة الأمة وما خلّفه فيها ولازال حكم العض والجبر , كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم , والذي جسدته " ولاية العهد الفاجرة " أسوء وأبشع تجسيد , هو مجرد تقريب فقط , عسى يستفزنا ذلك التوصيف لننهض وننفض عنّا غبار القرون والخمول ,والخنوع والإخلاد إلى الأرض, والالتصاق بها, حتى ننبعث من جديد أمة فاعلة غير مفعول بها , قادرة غير عاجزة , ومؤثرة غير متأثرة, وحرة في إرادتها, وفي اتخاذ قراراتها , وفي تقرير مصيرها , غير خاضعة لغيرها أو خانعة في نفسها.

نعم بابي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم " هم ملوك شر ملوك" , فقد فعلوا بالأمة ما عجز عن فعله العدّو الجاهلي , وعاتوا في الأرض فساداً واستكباراً ,وسجنوا دعوتك, وقتلوا الصالحين من صحابتك وإخوانك , ونكَّلُوا بالضعفاء من أمتك , ولم يرحموا لا امرأة,ولا طفلاً, ولا شيخاً .

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى {{ " لو كان ذلك الانكسار في فجر تاريخنا خبرا مضى وقبر لما كانت بنا حاجة لنبشه. اضطرمت نار الفتـنة وبقيت مشتعلة قرونا طويلة، لا تخبو إلا بمقدار ما تستعيد قابليتها للاشتعال. واليوم ينهض المسلمون في فجر تاريخ جديد، وفي كيانهم، ثقافة وذكرى ومذهبا، آثار ذلكم الضرام. فهل يُنسينا بأسُ الجاهلية علينا اليومَ ما كان بينـنا من بأس؟ وهل تعود الأمة فتلتحم على وَهَجِ الجهاد الحاضر والمستقبل كما تصدعت في نار الفتـنة؟ نرجو من الله عز وجل ذلك.

من الآثار السيئة للفتـنة تمادي بعض المسلمين في التغني بأمجاد الإسلام دون أن يُرجعوا الفضل بعد الله عز وجل للأمة التي حملت إلى جانب أعباء الجهاد آلام أنظمة العض والجبر وويلاتها. لا يزال بعضهم ينسب خيرا ساقه الله للأمة على يد علمائها وفرسانها وصلحائها لزيد أو عمرو من الملوك. ويدافع عن جبابرة سفكوا الدماء، وهتكوا الحُرَمَ، وخربوا الذمم، وعتوا في الأرض فسادا، لمجرد إبقاء واجهةٍ مموهة صنعها المتملقون، وربما شارك في نصبها تحت الضغط بعض فضلاء الأمة. يدخل هذا الفهم البطولي للتاريخ في دائرة التقليد. ومن يُقلد لا يستطيع أن ينـتقد، وبالتالي يـبقى في جهالة عمياء، لا يستبـين الرشدَ لغده من عِبَرِ أمسه."}} انتهى.

وقلت: عمر أشهب:

إنَّ انقلاب الحكم من خلافة راشدة مهدية منتخبة على قاعدة الشورى, - مبنية بالأساس على دولة المؤسسات , وعلى استقلال القضاء, وعلى المسائلة والمحاسبة, وأول من كان يوجه إليه النقد, ومن تم يساءل, ويحاسب, في دولة الإسلام الأولى هو الحاكم – إلى ملك عضوض "ولاية العهد الفاجرة" التي تورث الشعب كما يورث المتاع , وكما يرث الابن عن الوالد مجموع القطيع من ابل وأغنام وأبقار , هذا الفعل الذي سماه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى ب " الانكسار التاريخي " هو الصدمة الأولى التي جنت على الأمة وتسببت في الكوارث الكبرى التي نعرفها وتعرفونها وعلى كل المستويات , فقد كانت تعطى "البيعة المقيتة " للطفل وهو لايزال في خرقته , فحاربت الدولة الأموية التي كان يتزعمها معاوية بن أبي سفيان , كل رأي حر , وكل فكرة حية , أو مبادرة فاعلة , أو مساهمة طموحة , وسدّت باب الاجتهاد وأعلنت أنها فوق القانون, وفوق الدستور ,وفوق المعقول, وفوق كل منطق ودين , قلت إن هذا الفعل هو السبب العميق والمتجذر في شتات وتمزق وتشرذم حال المسلمين وواقعهم,لأكثر من ألف وأربع مائة سنة , رغم كل تلك الجهود التي لا ننكرها والتي بذلها المصلحون والقائمون من آل البيت رضوان الله عليهم, والدعاة والمعارضون عبر كل تلك القرون , ولكن دون جدوى فقد كان الجرح والشرخ عميقاً ولا يزال , وفي تلك الفترات التي حكمنا فيها هؤلاء الصبيان المعربدون ولايزالون شغلوا علماء الأمة الصالحون منهم والطالحون, شغلوهم بالقال والقيل, وبالتفاهات والمناظرات والخلافات, وبحروب علم الكلام, وما إلى ذلك , بينما كان الطرف الآخر من الضفة الأخرى, يتعلم ويتطور, ويسرق من المعلومات سواء من العرب والمسلمين أو من غيرهم , ليحسِّن واقعه وليتقدم بأمته, فازدهر عندهم علم السياسة والطب والفلك والصناعة وغيرها من العلوم, فبينما هم كانوا يتقدمون, كان السلطان الصبي عندنا في قصوره يعربد ويستمع إلى مديح الشعراء, ويشاهد الراقصات من كل لون وصنف , ويعاقر الخمر بكل أنواعها, ويفعل الأفاعيل بما يخطر لنا على بال وما لا يخطر , ففي ظل هذا الواقع كيف كنا ننتظر من أمة أن تفعل مهما بلغ إصلاح المصلحين فيها وقومة القائمين من آل بيت النبوة سلام الله عليهم أجمعين , وجهود الغيورين من أبنائها, إذا كان الرأس منها مخروما مشطوراً متعفناً , ماذا كنا ننتظر غير ما نراه ونسمعه اليوم من فساد وإفساد, ومن بروز علماء جدد على شاكلة المتملقين, والمتزلفين, والمنبطحين القدماء بل أخطر فقد أصبحوا يدافعون عن الباطل في واضحة النهار ومن دون أن تكون حياتهم تحت التهديد , بينما كان الآخرون يكتفون بالسكوت والتلويح من طرف خفي بالمباركة والرضا والسيوف فوق الرقاب .

قال ابن خلدون نقلاً عن كتاب " الخلافة والملك" : "صبي صغير، و مُضَعَّفٌ من المَنْبِتِ (أي الأسرة)، يترشح للولاية بعد أبيه، أو بترشيح ذويه وخَوَله. ويُؤنَسُ منه العجزُ عن القيام بالملك، فيقومُ به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبـيله. ويُوَرّي عنه بحفظ أمره عليه، حتى يونَسَ منه الاستبداد (يعني أنَّ الكافل يوهم الصبيَّ أنه لا يعمل إلا لمصلحته، حتى يتمكن الكافلُ فيستبد بالأمر). ويجعل ذلك ذريعةً للملك. فيحجبُ الصبيَّ عن الناس، ويُعَوِّدُهُ اللذاتِ التي يدعوه إليها ترف أحواله. ويُسيمُه في مراعيها متى أمكنه. ويُنسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبدَّ عليه. وهو (أي الصبي) بِمَا عوَّده، يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوسُ السرير، وإعطاءُ الصفقة، وخطابُ التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب". ويرحم الله ابن خلدون فقد عاش هذه الأمور وشارك فيها، فهو يُخْبِر عن تجربة..

قال الإمام المجد عبد السلام ياسين في نفس الكتاب السابق عن العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمهما الله تعالى ما يلي :{{" كتب الشيخ الجليل أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" يذكر كيف فصل الملوك الدين عن السياسة، قال: "وقع فصل بين الدين والسياسة عمليا. فإن هؤلاء (يعني الملوك) لم يكونوا من العلم والدين بمكان يستغنون به عن غيرهم من العلماء وأهل الدين. فاستبدوا بالحكم والسياسة، واستعانوا-إذا أرادوا واقتضت المصالح- بالفقهاء ورجال الدين كمشيرين متخصصين. واستخدموهم في مصالحهم، واستغنوا عنهم إذا شاءوا، وعَصَروهم متى شاءوا. فتحررت السياسة من رقابة الدين. وأصبحت قيصريةً أو كسرويةً مستبدة، وملكا عضوضا. وأصبحت السياسة كجمل هائج حَبْلُه على غارِبِهِ. وأصبح رجال الدين والعلم بين مُعَارِضٍ للخلافة، وخارجٍ عليها، وحائِدٍ مُنعزل اشتغل بخاصَّة نفسه، وأغمض العين عما يقع ويجري حوله، يائسا من الإصلاح، ومنـتقدٍ متلهِّفٍ، يتـنفس الصعداء مما يرى ويسمع، ولا يملك من الأمر شيئا، ومتعاوِنٍ مع الحكومة لمصلحة دينية أو شخصية. ولكلٍّ ما نوى. وحينـئذ انفصل الدين والسياسة، وعادا كما كانا قبل عهد الخلافة الراشدة. أصبح الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي. وأصبحت السياسة مطلقة اليد، حرة التصرف، نافذة الكلمة، صاحبة الأمر والنهي. ومن ثَم أصبح رجال العلم والدين طبقةً متميزةً، ورجالُ الدنيا طبقةً متميزةً. والشُّقَّة بـينهما شاسعة. وفي بعض الأحيان بـينهما عِداء وتـنافس". انتهى كلامهما رحمهما الله تعالى"}}. انتهى.

وسأختم لكم بكلمة جامعة للإمام العبد السلام ياسين مؤسس اللبنات الأولى للخلافة الثانية على منهاج النبوة رضوان الله عليه قال :{{" إذا كانت مفاسد القهر، والظلم، والاستبداد، والانحلال الخلقي، ناشئةً عن الملك، لازمة له، فكيف تـنـتظر أن يصبح الفساد صلاحا؟ وكيف نبرئ "ذات" المُلك وهي لا تـنفك عن صفات المُلك؟ إن فسادَ النظام من أساسه لا يمكن أن يغيب عن العاقل بظهور أفراد صالحين من الملوك والأُمراء. فتلك استـثـناآت من القاعدة. ويكفي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه ملكا عاضا أو عضوضا بصيغة المبالغة. وهل العض من صفات الحمد أو من صفات الحيوانية؟"}}.

اللهم صلّ على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين, وذريته وأهل بيته, كما صلَّيت على آل سيدنا إبراهيم, إنك حميد مجيد
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المصادر:

- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح.المؤلف: العلامة علي بن سلطان محمد القاري
- لسان العرب . للمؤلف: ابن منظور
- الخلافة والملك. للمؤلف: الإمام عبد السلام ياسين
- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.المؤلف: الشيخ أبو الحسن الندوي
- نظرات في الفقه والتاريخ: المؤلف الإمام عبد السلام ياسين
- المقدمة .المؤلف: ابن خلدون

ليست هناك تعليقات: